د. إبراهيم عوض

الدكتور محمد أركون، أستاذ جزائري من أصل بربري، وُلِد عام 1928م، وتعلَّم العربيةَ وآدابَها على يد المستشرقين في جامعة الجزائر التي أسسها الفرنسيون أيام احتلالهم لبلد "المليون شهيد"، ثم تابع دراساتِه العاليةَ في فرنسا، حيث حصل على الدكتوراه، وانتهى به الأمر إلى تعيينه أستاذًا لتاريخ الفكر الإسلامي في جامعةِ (السوربون) في العاصمة الفرنسية.
وكانت أول مرة أسمع فيها بالدكتور أركون في أواخر سبعينيات القرن الماضي حين كنت (أتمشى) في بعض شوارع لندن عصر أحد الأيام الصيفية الجميلة، وفجأةً وجدتُ مكتبةً لبيع الكتب، فدخلتها أسأل عمَّا إذا كان لديهم ترجمات قرآنية، فتصادف أن وجدتُ ترجمةً كازيميرسكي الفرنسية، وفيها مقدمة كتبها د. أركون، وكنتُ أرجع لتلك الترجمة بين الحين والحين، لكني لم أعكف على دراستها كما عكفتُ على تلك التي قام بها سافاري أو مونتيه أو بلاشير أو بو بكر حمزة، ومن ثَمَّ لم تأتِ فرصةٌ لقراءةِ المقدمة المذكورة.
وفي الفترة الأخيرة تكرَّر سماعي لاسم الرجل في بعضِ الكتاباتِ العربية مقرونًا في بعضها بالمدحِ الشديد، وفي بعضها الآخر بالذم الحاد، ولا أدري بالضبط ما الذي دفعني إلى الاهتمامِ به اهتمامًا خاصًّا؟ حتى أني فكرتُ أن أقرأ ما أستطيعُ أن أُحَصِّله من كتبه وأكتبُ عنها إذا وجدتُ فيها ما يدفع لذلك.
وقرأتُ فوجدتُ أنَّ الرجلَ، رغم انتمائه إلى أسرةٍ وبلدٍ مسلمَين، يعمل بكل جهدِه ووسعه للتشكيكِ في القرآن، وإن ادعى وأغرق في الادعاء أنه يريد دراسته دراسةً علميةً محايدةً، فهو مثلاً يُسميه: "أساطير"، مما يذكِّرنا بالقرشيين، الذين كانوا كلما حَزَبَهم أمرُ هذا الكتاب ولم يستطيعوا أن يقفوا في طريقه أو يردُّوا على حُجَجه أو يأتوا بمثله حسبما تحداهم أكثر من مرة صاحوا قائلين: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام/ 25، والنحل/ 24، والمؤمنون/ 83، والفرقان/ 5، والنمل/ 68، والأحقاف/ 15، والقلم/ 15، والمطففين/ 13).
يقصدون بذلك أن القرآن الذي نزَّله الله على نبيه- صلى الله عليه وسلم- ليس إلا قصصًا نقلها النبي عمَّا خلَّفه السابقون وراءهم من قَصَصٍ مسطور، يريدون أن يقولوا إن القرآن ليس وحيًا إلهيًّا بل إنتاجًا بشريًّا، وإن محمدًا ليس هو مؤلفه، إنما هو مجرَّد مردِّد له.
ولهذا كان النضرُ بن الحارث يعمد إلى الأماكن التي يتردد عليها الرسول بغية دعوة المكيين إلى دينه، فإذا ما فرغ، عليه الصلاة والسلام، من تلاوةِ آيات الذكر الحكيم على جمهور الحاضرين شرع هذا الشيطان يقرأ عليهم من كتابٍ يتضمن قصص رستم وإسفنديار وملوك الفرس، زاعمًا أن قصصه أحسن من قصص محمد حسبما ورد في التفاسير وكُتب أسباب النزول.. فـ"الأساطير" هنا معناها الكلام المسطور، أي المكتوب، وفي "لسان العرب" و"تاج العروس" على سبيل المثال "الأساطير" جَمْع "سطر" أو جمع "أسطار"، الذي هو بدوره جمع لـ"سطر"، وإن كان هناك مَن يقول إنها جمع "أسطورة"، ومَن يقول إنه جمع لا واحدَ له من لفظه.
وقد ذكر بعض اللغويين أنها "الأباطيل" كما جاء في "الصحاح" و"لسان العرب" أو "الأباطيل أو الأحاديث التي لا نظامَ لها" حسبما ورد في "تاج العروس"، وإن لم يكن هذا شرطًا في رأيي، فهو ليس من أصل المادة، بل مجرد إسقاط لموقف الكفار، الذين كانوا يتعنتون على النبي الكريم ويعملون جهد طاقتهم على تكذيبه- صلى الله عليه وسلم-، على كلمة "أساطير"؛ لأنَّ المادةَ التي اشتُقَّت منها هذه الكلمة ليس فيها معنى البطلان، بل هي مادة "السطر والتسطير" أي الكتابة لا غير.
وكان ابن عباس يتأولها بهذا التأويل على ما ورد في تفسير الطبري للآية 25 من سورة "الأنعام" والآية 24 من سورة "النحل" مثلاً.. ولو كانت تعني "البطلان" لقد كان ا