طالعتنا الصحف الصادرة صباح اليوم بالعناوين التالية:

نجاح الحصار الصلب الذي قامت به جميع الدول الإسلامية على يهود بني صهيون.. مفاجأة كبرى لم تكن بحسبان العالم بعد تدمير أكبر وحدتين في الجيش الصهيوني.. أعلن اليهود قرارهم بالتسليم والرحيل طبقًا لشروط القائد الأعلى للقوات الإسلامية.. جلاء آخر يهودي من بني صهيون عن ديار فلسطين.. اغتنام القنبلة الذرية اليهودية وجميع ترسانات الأسلحة الصهيونية.. احتفاليات النصر وصلوات الشكر تعم جميع الديار الإسلامية..

 الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر!!

استيقظت من حلمي بعد دراستي لأهم أحداث شهر ربيع الأول، ومن بينها إجلاء يهود بني النضير عن مدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في العام الرابع الهجري بعد حصار ديارهم من جند الله تعالى وخروجهم أذلةً صاغرين بعد غطرسةِ القوة ونفشة الباطل المحتمي بالحصون المنيعة التي طالما أبدع اليهود في إنشائها والتغني بقوتها مثل خط بارليف الحصين وأسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ولقد مثَّل هذا الجلاء درسًا كبيرًا على مدى التاريخ يعلم العالم أننا حينما نحتمي بالله تعالى ونأخذ بالأسباب فإنه يمكننا من تحقيق إنجازات تخالف كل التوقعات السياسية والحسابات العسكرية، وأنَّ الأصلَ في الانتصارِ بعد الاعتصام بالله تعالى والأخذ بالأسباب يكمن في قوة الإرادة وامتلاك الكرامة.

 

لغة العزة والكرامة وأثرها في حسم المعركة

انظر إلى نصِّ الرسالة التي أرسلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عبر مبعوثه سيدنا محمد بن مسلمة إلى بني صهيون والتي أمرهم فيها: "أن اخرجوا من بلادي، لقد نقضتم العهدَ الذي جعلت لكم مما هممتم به من الغدر، وقد أجَّلتكم عشرًا، فمن رُئِيَ بعد منكم ضربت عنقه".. فمكثوا أيامًا يعدون العدة للرحيل، وفي تلك المدة أرسل إليهم رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول مَن يقول لهم اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فعادت لليهود بعض ثقتهم وأرسلوا لرسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- يقولون له: "لن نبرح ديارنا فاصنع ما بدا لك".

 

وانقضت الأيام العشر ولم يخرجوا، فتحرَّكت جيوش المسلمين صوبهم، وضربت عليهم الحصار لمدة خمسَ عشرةَ ليلة، فأذعنوا للخروج، فوافقهم النبي- صلى اله عليه وسلم- على ذلك، وقال لهم: "اخرجوا منها ولكم دماؤكم، وما حملت الإبل إلا الحلقة (وهي الدروع والسلاح)" فرضوا بذلك.

 

التقرير الإستراتيجي عن موقف القوتين قبل الحرب

 حتى يتعلم أولو الألباب في كل عصر وحين كيف يأتي النصر، ذكر الله تبارك وتعالى لنا التقديرات الإستراتيجية لموقف الحرب آنذاك على كلا الطرفين، بعد أن نسب الفعل إلى نفسه في تقدير النصر ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ (الحشر: من الآية 2) هذا تقدير الموقف من جانب المسلمين، وعلى الطرف الآخر: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾ (الحشر: من الآية2) وهذا تقدير الموقف من اليهود المجرمين: الاحتماء بالحصون المنيعة فماذا كانت النتيجة ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (الحشر: من الآية 2).

 

ما أحوجنا اليوم إلى هذا الدرس العظيم ونحن نرى غطرسةَ القوة اليهودية الأمريكية وترسانات الأسلحة الفتاكة والحصون المنيعة والجدار العازل والقنابل النووية، فنقول في أنفسنا: كيف يخرج اليهود من فلسطين ومعهم كل هذا؟!

 

هذه هي الحسابات المادية، وهل ينتهي الأمر عندنا نحن- جندَ الرحمن- عند هذه الحسابات المادية؟ كلا وألف كلا.. إننا حينما نعتصم بالقَوِي القادرِ فإنَّ الأمرَ سيكون مختلفًا، عندها سيؤيدنا الله تعالى ويهزم عدونا من داخله بسلاحٍ رباني عظيم (سلاح الرعب) الذي يقذفه في داخل قلب العدو فيقرر الهرب والرحيل.. نعم إنَّ الله تعالى الذي بثَّ الرعب في قلوب يهود بني النضير قادرٌ على أن يبث الرعب في قلوب يهود بني صهيون فيتركوا فلسطين ويرحلوا من حيث أتوا، ولكن متى وكيف؟! هذا ما يجب أن نأخذ دروسه وعبره من إجلاء يهود بني النضير.

 

مَن الذين يستحقون أن يؤيدهم الله تعالى بسلاح الرعب

1- أمةٌ معتصمةٌ بحبل الله قويةٌ في الحق وعزيزةٌ بالإيمان لا تعرف الضعف والاستكانة أو الوهن ولا تداهن أعداءها على حساب الحق والمقدسات، ولا تبرِّر ضعفها ولا تخاذلها بما يسمى خيار السلام الإستراتيجي.

 

2- أمةٌ تملك الحرية وتتمتع بالعزة والكرامة، نخوتها نخوة المعتصم، وشهامتها شهامة صلاح الدين، وهمتها همة قطز، لا ترضى بالضيم ولا تعرف الركوع ولا الخنوع ولا الاستسلام.

 

3- أمة متحدةُ الكلمة متآزرةُ الصف، رجالها رهبانُ الليل فرسانُ النهار، تأخذ بالأسباب قدر استطاعتها، ولا تعيش عالةً على أعدائها، تتفوق في العلم وترتقي في الحضارة والتكنولوجيا، وتسبق الأمم، ولا تعيش في ذيل الركب.

 

4- قيادات رشيدة واعية صالحة ذكية من أولي الألباب.

 

5- أصحاب الإرادة الشجاعة الذين يجمعون القوة ويحشدون الطاقة ويتحركون على أرض الواقع لمحاصرة العدو وقتاله.

 

6- الذين يملكون قوةً نفسيةً لا تبالي بأي قوةٍ ظالمةٍ على وجه الأرض طالما يعتصمون بالقوي القادرِ الذي يملك كل شيء ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ﴾, فالله تعالى نسب الفعل إلى نفسه ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ﴾ أخرج يهود بني النضير المنيعة حصونهم، وهو قادرٌ على إخراج يهود بني صهيون اليوم من ديارنا إن أطعناه ونصرناه.. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

 

وبعد:

إن النصر يحتاج إلى أولي بصائرَ يقظةٍ ذكيةٍ مؤمنةٍ تعتبر بالأحداث، ولا تضعف أمام استعراضات القوة، ولا تخور عزيمتها أمام التهديد، ولا تبيع كرامتها بثمن بخس.. وما هذه "الإسرائيل" التي استمرت واستقرت طوال هذه السنين، ووالله إنها ما تحتمل حتى جهاد أطفالنا الصغار لو قُدِّر له الدعم والاستمرار وعدم الإجهاض.

 

تريد أمتنا شعوبًا مؤمنةً معتصمةً بالله وقياداتٍ واعيةً جديرةً بالمسئولية، وعندها سنخرج من نكبتنا، وننهض من كبوتنا، ونطهر ديارنا، ويعلو شأن أمتنا، وتصبح لأستاذية العالم مكانتها اللائقة بخير أمة أخرجت للناس، وهذا يحتاج إلى بذل الجهود وتكاتف القوى والاعتصام بالله والرجوع إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.. هيا نطهر قلوبنا قبل أن نطهر أرضنا ونطهر مجتمعاتنا من الانحراف والفساد قبل أن نطهر ديارنا من اليهود والأوغاد، ونفك الحصار والطوارئ عن أمتنا ونفرضه على أعدائنا، ونختار قياداتنا من أولي الأبصار حتى يتحقق لنا الانتصار.