د. محيي حامد

 

يحتفل المسلمون في هذه الأيام بذكرى مولد النبي- صلى الله عليه وسلم، وبالأمس القريب انتفضت الشعوب الإسلامية وعلماء الأمة الإسلامية لنصرة النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد ما أثارته قضية الرسوم المسيئة، وفي هذه الذكرى نحن بحاجةٍ إلى التأكيدِ على بعضِ المفاهيم والواجبات العملية التي يجب على كلِّ مسلم وكل صاحب دعوة أن يعمل بها ويسعى إلى تحقيقها، ومن هذه المفاهيم والمعاني:

 

أولاً: حب الرسول صلى الله عليه وسلم:

يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ..." وفي قوله تعالى ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)﴾ (آل عمران) وكما يقال "لكل قول حقيقة" فما حقيقة هذا الحب الذي تردده ألسنتنا وأفواهنا إن لم يُقرن بالعملِ الصادق الدؤوب وفق سيرة الحبيب- صلى الله عليه وسلم-.

 

ثانيًا: الرسول القدوة:

يقول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب) والأسوة تبدو واضحة أكثر ما تبدو من خلال السيرةِ العملية للنبي- صلى الله عليه وسلم-، وليس الغرض من دراسةِ السيرة النبوية وفقهها، مجرَّد الوقوف على الوقائعِ التاريخية، ولا سرد أحداثها، وإنما الغرض منها أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته- صلى الله عليه وسلم-، وأن يجد المسلم بين يديه صورةً للمثل الأعلى في كل شأن من شئون الحياة الفاضلة كي يجعل منها دستورًا يتمسك به ويسير عليه، فمعايشة سيرته عليه الصلاة والسلام تعين على فهم كتاب الله وتذوق روحه ومقاصده، لقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- المعلم والداعية والمربي، فحياته عليه الصلاة والسلام تقدم إلينا نماذج سامية، المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج الرائع للإنسان الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته، ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة، والنموذج المثالي في حسن معاملته، والأب في حنو عاطفته، وللقائد الماهر والسياسي الصادق المحنك، وللمسلم الجامع- في دقة وعدل- بين واجب التعبد والتبتل لربه والتلطف مع أهله وأصحابه.

 

إنَّ سيرةَ النبي- صلى الله عليه وسلم- تتعلم منها الأمة الآداب الرفيعة والأخلاق الحميدة، والعقائد السلمية، والعبادة الصحيحة، وسمو الروح وطهارة القلب وحب الجهاد في سبيل الله، وطلب الشهادة في سبيله، ولهذا قال علي بن الحسين- رحمه الله-: "كنا نعلم مغازي النبي- صلى الله عليه وسلم- كما نعلم السورة من القرآن".

 

إنَّ دراسةَ الهدي النبوي في تربية الأمة وإقامة الدولة يساعد العلماء والقادة، والفقهاء والحكام على معرفة الطريق إلى عزِّ الإسلام والمسلمين من خلال معرفة عوامل النهوض، وأسباب السقوط، ويسيرون على خطى النبي- صلى الله عليه وسلم- في تربية الأفراد وبناء الجماعة المسلمة وإحياء المجتمع وإقامة الدولة.

 

ثالثًا: النصرة:

وحب النبي- صلى الله عليه وسلم- والتأسي به لا يكتملان إلا إذا تحققت فينا معاني النصرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿إلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُو