بعد أن فرغنا من مناقشة ما قاله الرافعي في آراء طه حسين ننتقل إلى تحليل ما قاله فيه هو نفسه، وقد ذكرنا أنه سماه: "المبشر"، وكنَّاه: "أبا ألبرت" و"أبا مرجريت"، وقال إن سلطان زوجته عليه شديد، والحقيقة أن هذه الاتهامات- رغم عدم تفصيل الرافعي للقول فيها- تشير من بعيد إلى ما ذكره كاتب (سكرتير) طه حسين بعد ذلك بعشرات السنين، وهو فريد شحاتة النصراني (أقول: "النصراني "حتى لا يُتَّهَم مثلما اتُّهِم الرافعي وغيره بالرجعية والجمود)؛ إذ كتب أن طه حسين قد تعمَّد اعتناق النصرانية عند زواجه من سوزان الفرنسية، وكان ذلك في كنيسة إحدى القرى في فرنسا (انظر مقال أحمد حسين "العودة لطه حسين مفخرة مصر"/ مجلة الثقافة/ نوفمبر 1979م/ 4، وكذلك مقاله "لقد حُسِمت القضية وتحدد موقف طه حسين في تاريخ مصر"/ مجلة الثقافة/ فبراير 1980م/ 8- 9).
والحقيقة أننا- جريًا منَّا على المنهج الصارم الذي نتبعه في كتاباتنا- لا نستطيع أن نجزم جزمًا بأن هذا قد حدث؛ إذ ليس بين أيدينا وثيقةٌ مقطوعٌ بصحتها تشهد على ما قاله كاتب طه حسين، الذي عاشره في بيته وخارج بيته عشرات السنين، واطَّلع على ما لم يطَّلع عليه سواه، وإن كان هذا لا يمنع أن تظهر هذه الوثيقة يومًا إن صحت رواية الرجل.
كذلك فإن فريد شحاتة بالطبع لم يكن حاضرًا طقوسَ التعميدِ الذي يشير إليه، فهو لم يكن قد عرف الدكتور طه بعد، وإن كان الحق يقتضي أن أذكر أن فريد هذا كان لصيقًا بقلب طه حسين قبل أن يتركه، كما كان موضع أسراره الخطيرة لعشرات من السنين، ويمكن الرجوع في هذا إلى الحوار الذي أجراه محمد شلبي مع الدكتور طه حسين في كتابه "مع رواد الفكر والفن" (الهيئة العامة للكتاب/ 1982م/ الحوار كاملاً، وخاصةً ص 132).
ومع ذلك فهناك عدة ملاحظات لها دلالتها: فزوجة طه حسين- رغم أنها لم تترك شيئًا في حياة زوجها إلا ذكرته في الكتاب الذي وضعته بعد وفاته عن حياتها معه، ورغم حرصها على أن تصدَّ عنه هجومَ من هاجموه حتى في الأمور التي لا تمسها كقضية الشعر الجاهلي مثلاً- لم تفتح فاها بكلمةٍ واحدة تدفع بها عنه هذا الاتهام، مع أنها هي الوحيدة المتبقية (فيما أظن) ممن كانوا حاضرين هذا التعميد المشار إليه، بل هي السبب فيه (إن كان قد حدث)؛ باعتبار أن هذا كان شرطًا لزواج طه حسين منها، فما معنى عدم نفيها لما قاله واحد من أقرب المقربين إلى زوجها وأسرته؟! ترى لو كان هذا اتهامًا باطلاً أكانت ستسكت عليه مهما كان تديُّنها وحبها لنصرانيتها ورغبتها في أن تتكثَّر لدِينها من الأتباع والمتحولين إليه من الديانات الأخرى؟! بل لماذا لم تحاول أن تنفي هذه الدعوى بالباطل لو صحَّ أنها حقيقةٌ؟! أيمكن القول بأنها خافت أن تُكَذِّبها سجلاَّت تلك الكنيسة التي قال فريد شحاتة إن عميد الأدب العربي قد تمَّ تعميده فيها إذا عَنَّ يومًا لأحد الباحثين المهتمين بهذا الموضوع أن يطَّلِع عليها أو ترى الدوائرُ المعنيّةُ في فرنسا أن تُخْرِج هذه الوثيقة، إن كان لها وجود، وتُذِيعها على الناس عندما تُقَدِّر أنه قد حان الأوان لكشفها من أجل هذا الغرض أو ذاك؟! تلك أسئلةٌ لا يستطيع الباحث في الظروف الحالية أن يجيب عليها إجابةً علميةً قاطعةً تَشْفِي الغليل، ولا يملك إلا أن يقول: فلْننتظر!!
على أن الباحث مع ذلك لا يمكنه أن يمرَّ مرورَ الكرام على الحقائق التالية: أن زوجة طه حسين لم تكن تحبه حين قبلته زوجًا، وليس هذا تخمينًا منَّا، فقد ذكرتْ هي هذا ذكرًا صريحًا في أكثر من موضع من كتابها (انظر سوزان طه حسين/ معك/ دار المعارف/ 1979م/ 10، 16)، كما ذكر طه حسين قبلها ذلك بنفسه (الأيام/ 3/ دار المعارف/ 1945م/ 108 وما بعدها، 118 وانظر أيضًا مقال أحمد حسين "لقد حُسِمت القضية وتحدد موقف طه حسين في تاريخ مصر"/ مجلة الثقافة/ فبراير 1980/ 9- 10، وسامي الكيالي/ مع طه حسين/ 1/ 29) قائلاً إن الذي حثَّها أو على الأقل شجَّعها على الزواج منه هو عمها القسيس الكاثوليكي (انظر "معك/ 17، وسامي الكيالي/ مع طه حسين/ 1/ 29 نقلاً عن روبير لاندري الكاتب الفرنسي).
ومتى حصل هذا التشجيع من جانب العم القسيس، الذي كان طه حسين يقول عنه إنه أحب رجل إلى نفسه، ويرى فيه مثله الأعلى ودليله في الحياة (معك/ 17)؟! في الربع الأول من القرن العشرين حين كان المد الاستعماري لبلاد المسلمين ولمصر في أَوْجِه، ونظرة الأوروبيين إلينا على أننا شعوبٌ من الهمج على أشدها، وكراهيتهم لنا بوصفنا مسلمين في قمتها.. أليس غريبًا أن يجد قسيس كاثوليكي فرنسي في العقد الثاني من القرن العشرين جهدَه في إتمام زواج ابنةِ أخيه من شاب مسلم (أي كافر من وجهة نظره) وترضى ابنة الأخ بهذا الشاب الذي لم يكن يتمتع بما تصبو إليه الفتيات عادةً من غِنًى أو منزلةٍ اجتماعية عالية أو أناقة أو وسامة؟! ودَعْنا من أنه كان كفيفًا، وكانت فرنسيته بالطبع في ذلك الوقت مكسَّرةً بحيث كان من الصعب عليه- حتى لو كان من أمهر الغزليين- أن يستميل قلبها بالكلام الخيالي المنمق.
كذلك من المهم أن نلاحظ أنها هي نفسها كانت شديدةَ التمسك بنصرانيتها.. أي أن افتراض لامبالاتها بكونها نصرانية وكونه مسلمًا ( أي كافرًا من وجهة نظرها) هو افتراضٌ غير مقبول، وثمة أمر آخر أرى أن له مغزاه؛ فقد ذكر طه حسين أنه حينما أتاه خطاب سوزان من قريتها في الجنوب الفرنسي (هذا الخطاب الذي كان علامة بينهما على أنها رجعت عن موقفها في رفضها الزواج منه لأنها لا تحبه) قد سافر وحده إلى هناك، ولم يستمع لزملائه المصريين الذين حاولوا أن يصدّوه عن الذهاب إشفاقًا عليه (الأيام/ 3/ 112)، يعني أنه- حين أُعْلِنت خِطْبته على سوزان، بل أثناء أشهر ذلك الصيف كله- كان طه حسين وحده بين تلك الأسرة الفرنسية الكاثوليكية، وفيها ذلك العم القسيس الذي عضَّد هذا الزواج، بل أغلب الظن أنه هو السبب في تغيير ابنة أخيه لموقفها في مدى شهر!
لقد حاول زملاؤه، كما مرَّ، أن يصدُّوه مشفقين عليه، لكنه أصرَّ إصرارًا على موقفه، وكان له ما أراد، فلم يحضر معه مصري ولا مسلم هذه الخِطْبة، أليس لهذه الوقائع دلالتها الخطيرة؟ وتشير زوجة طه حسين إلى أن عمها القسيس، الذي كان متحمسًا لزواجها به رغم نفورها منه، قد اصطحب خطيبها حين زارهم في قريتهم في الجنوب الفرنسي ساعتين تجولا أثناءهما في الحقول وحدهما، بيَْدَ أنها لم تذكر لنا فيم تحدَّثا، أو ما الذي أخذه عليه العم من عهود قبل أن يعطيه ابنة أخيه، من هنا فإننا من الوجهة التاريخية الموثَّقة نجد أنفسنا كلما اقتربنا من هذه المسألة نصطدم بالصمت، فأي نوع من الصمت هذا؟ حتى الصحفي سامح كريم، الذي ينقل ما كتبه الآخرون عن طه حسين، عندما أتى إلى هذه النقطة أخذ يحوم حولها من غير أن يسميها، مكتفيًا بالحديث عن فريد شحاتة ومذكراته عن عمله مع الدكتور طه وغَيْظ هذا منه ووَصْفه له بـ"هذا الشيء الذي أسمِّيه: فريد شحاتة"، كل ذلك من غير أن يعرف القارئ الخالي الذهن عَلاَمَ يدور الكلام، وهو ما يجافي أمانة النقل (انظر، في رحلة الحقول هذه، "معك"/ 17. وبالنسبة لصمت سامح كريم عن الاتهام المذكور انظر كتابه "ماذا يبقى من طه حسين؟"/ دار الشعب/ 1975م/ 124- 125).
كذلك من الملاحظات الدالة المتصلة بتكنية الرافعي لطه حسين: "أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" أن السيدة سوزان، فيما أذكر، لم تُشِر في كتابها "معك" إلى أنه كان يوجِّه أولادَه توجيهًا إسلاميًّا، ولا أظن من السهل الجواب على ذلك بأنها كنصرانية لا يهمها أن تشير إلى هذا، فإن هذه الملاحظة تصدق أيضًا على كتاب "الأيام"، الذي كتبه هو وأفاض فيه القول عن كل شيء يتعلق به وبحياته وحياة أسرته، وبالمناسبة فالذي أعرفه هو أن "مؤنس" ابن الدكتور طه كان يسمَّى في البيت: "كلود" لا "ألبرت".
ولعله يكون من المناسب هنا أن نشير إلى أن والدة طه حسين حين أخذ طه زوجته إلى كوم أمبو بعد عودته من فرنسا للتعرف إلى أسرته هناك قد سألته- على حسب ما حكت لنا سوزان نفسها- أي نوع من النبيذ يجب شراؤه من أجلها (معك/ 31)، فإذا كان هذا هو موقف والدته من أُمِّ الكبائر، وهي سيدة صعيدية عجوز غير متعلمة، وفوق ذلك طبعًا مسلمة، ومتى؟ في الربع الأول من القرن العشرين، وكل ذلك من أجل خاطر العروس الوافدة (لاحِظْ أن كل ظروف والدة طه حسين كان من شأنها أن تدفعها إلى الفزع الشديد من مجرد دخول الخمر إلى بيتها)، ألا يساعدنا هذا في تخيل موقف طه حسين نفسه من أمر ذلك الزواج كله والضريبة التي كان عليه أن يدفعها في مقابله، وهو الذي كان مُدَلَّها أشدَّ التدله في سوزان، وكان فوق ذلك معجبًا أقوى الإعجاب بالحضارة الأوربية وانغمر فيها في بلادها انغمارًا مطلقًا؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمعروف أن طه حسين كان يختار سكرتيريه عادة من النصارى، فهل ينبغي أن نمر بهذه الحقيقة أيضًا دون أن نلتفت إلى مغزاها؟ لقد اشتغل توفيق شحاتة كاتبًا وقارئًا له، ثم خلفه أخوه فريد، صاحب القصة الخاصة بتعميد طه حسين قبل زواجه من سوزان، التي لم تكن تحبه وكانت ترفض بفظاظة أن تسمع منه كلمة "الحب" أو أن يتحدث معها مجرد حديث في موضوع الزواج إن أراد لزمالتهما وصداقتهما أن تستمر، والتي غيَّرت رأيها فجأةً بعد أن بصَّرها عمّها بمزايا الزواج من هذا الشاب الذي أطراه لها مؤكدًا أنه سيتجاوزها باستمرار (انظر، في هذه النقطة الأخيرة، سامي الكيالي/ مع طه حسين/ 1/ 28-29، وسوزان طه حسين/ معك/ 17)، وإن الباحث ليتساءل: "يتجاوزها في ماذا؟"، ويبدو أن الفتاة الذكية قد قامت بدورها في الإيقاع بطه حسين على خير وجه، فقد كانت- رغم ردها هذا الخشن الصادم- ترسل إليه قبل ذلك عندما عاد إلى مصر أثناء البعثة بسبب ما كانت تعانيه الجامعة من أزمة مالية، خطاباتٍ مشجعةً تبعث على الأمل وورودًا داخل هذه الخطابات مما لا يستقيم أبدًا مع موقفها الرافض الشديد الجفاف والجفاء، ويجعلنا نتساءل: أو كان هذا جزءًا من الخطة التي أريد بها الاستيلاءُ على الشاب استيلاءً لا يعود بعده ذلك الشخصَ الذي كان قبلاً؟ (انظر "الأيام"/ 3/ 88 وكانت هذه الخطابات تنتظره في كل مكان يذهب إليه حسبما ورد في أكثر من موضع من هذا الكتاب، حتى في نابولي وهو في طريق العودة إلى فرنسا بعد انجلاء الغمة المالية في الجامعة)، وهناك غير الأخوين شحاتة سكرتيران آخران على شاكلتهما، وهما ألبير برزان (أول سكرتيريه) وسليم شحاتة، وإن كان هناك دكتور أزهري قُدِّر له أن يشتغل مع طه حسين فترة من الوقت قال عنه د. زكريا البري وزير الأوقاف الأسبق إنه قد لاحظ أن أسلوب حياة الدكتور طه يجري على غير المعهود في البيوت المسلمة (انظر مقالة: "الشيخ والأستاذ والدكتور والإمام" بجريدة "النور" في 11 صفر 1407هـ- 15 أكتوبر 1986م).
والآن بعد أن رأينا هذه المسألة من كل جوانبها المتاحة فإننا نتساءل: هل نما إلى الرافعي في ذلك الوقت المبكر ما أشار إليه فريد شحاتة بعد ذلك؟ لكن لماذا لم يذكر هذا صراحة، وهو الذي لم يكن هيَّابا في كتاباته؟ لقد لاحظنا أنه لم يجمجم في تسمية الدكتور طه بـ"المبشر طه حسين" وتكنيته: "أبا مرجريت" وأبا ألبرت"، فهل بلغه ذلك الأمر أو شيء منه، لكنه لسبب أو لآخر لم يذكره؟ إن كان الجواب بالإثبات فمن الذي بلّغه إياه يا ترى؟ إن د. نجيب البهبيتي يتحدث في كتابه "المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيَّيْن" عن أسرار أخرى تتعلق بأسرة سوزان والمهنة التي كانت تمارسها هي في باريس...إلخ، وهي أسرار إن كانت جديدة علينا نحن الآن فلا شك أن المبعوثين المصريين في العاصمة الفرنسية في ذلك الوقت كانوا يعرفونها، فهل نقل إلى الرافعي واحدٌ من هؤلاء المبعوثين أو ممن لهم بهم اتصالٌ سرَّ هذا التعميد، الذي لا نستطيع مع ذلك من الوجهة التاريخية الموثَّقة أن نجزم به؟ الجواب طبعًا: لا نعرف.
ومما قاله الرافعي رحمه الله في د. طه حسين اتهامه إياه، كما رأينا، بأنه أداةٌ أوربيةٌ استعماريةٌ، ويتصل بهذا أنه ينقل، في كتابه "تحت راية القرآن"، ما كتبته مجلة "الفتح" بعد شهرين من نشره لمقاله المسمَّى: "عصبية طه حسين على الإسلام"، ونَصُّه: "ليقل لنا طه حسين كم يتقاضى من رجال التبشير، أو بعبارة أدق: من رجال الدول الغربية من أجرٍ على دعايته تلك لهم وعمله لصالحهم وجهاده من أجلهم، هذا الجهاد الطويل العنيف الذي لا يرهب فيه أمة بأسرها.. إن ذلك الأجر لا بد أن يكون عظيمًا جدًّا كما يتحدث الناس في أنديتهم" (تحت راية القرآن"/ 195- 196)، كما سمى فرنسا: وطن طه حسين الجديد (المرجع السابق/ 370).
والواقع أن الباحث الذي يريد أن يحقق هذا الأمر يجد نفسه أمام عدة حقائق لا يستطيع- إذا كان باحثًا أمينًا- أن يُغْفِلها، وهذه الحقائق- وكلها مُستمَدةٌ مما كتبه طه حسين نفسه وزوجته- هي علاقته الحميمة إلى حدٍّ مذهل بالأساتذة الأجانب في الجامعة، حتى إنهم ليجتمعون عنده في بيته كل أسبوع مرة، وذلك يوم الأحد (لاحظ!)، ومن هؤلاء الأساتذة جريجوار وإميل برهييه وجريدور وسكايف ولالاند وسانياك (معك/ 74- 75)، كما أنه هو الذي استقدم كازانوفا الفرنسي للتدريس في الجامعة، مع أن طه حسين كان لا يزال في أولى درجاته الجامعية في سلك التدريس حينذاك، فمن أين له هذا الثقل الوظيفي والإداري في الجامعة؟ ومن الذي كان يقف وراءه؟ إن هذا الأستاذ كان هو المشرف على رسالة طه حسين في باريس، وحين أتى إلى القاهرة كان طه حسين يزوره كل يوم (المرجع السابق/ 76، وانظر "الأيام"/ 3/ 121، وكذلك سامح كريم/ ماذا يبقى من طه حسين؟"/ 76). ومن لا يعرف هذا المستشرق نُحِيله إلى كتابه "Mahomet et La Fin du Monde" ليعرف آراءه السُّود في الإسلام ونبيه، الذي يتهمه بتلفيق القرآن من عنده، كما يتهم الصحابة الكرام بالعبث بنصه عندما اتضح أن ما قاله الرسول عليه السلام عن قرب قيام الساعة كان محض هراء، فكان لا بد في زعمه من زيادة بعض النصوص التي تمحو أثر هذه النبوءة الكاذبة، وقد حزن طه حسين لوفاته حزنًا شديدًا، وأشار إلى ذلك المرحوم الرافعي بقوله إنه حين هلك كان طه حسين هو "نادِبَته" الوحيدة في مصر (تحت راية القرآن/ 275. كما وصفه بحق بأنه "كَذَبَنُوفا"/ 294).
ويشبه هذا ما كان من ودٍّ وتفاهم بين مرجليوث وطه حسين، حتى إن الدكتور طه، حين سافر إلى أوكسفورد لحضور مؤتمر المستشرقين هناك سنة 1928م، نزل هو وأسرته ضيفًا عليه، وقامت زوجة هذا المستشرق المتطاول والحاقد على الإسلام ونبيه برعاية طفله المريض (معك/ 91)، لقد عاش كاتب هذه السطور عدة سنين في تلك المدينة التي كان يدرس في جامعتها للحصول على درجة الدكتورية، ويعرف جيدًا كراهية الأساتذة في تلك الجامعة لكل ما هو مسلم أو إسلامي، ومرجليوث هذا بالذات من أشد المستشرقين بغضًا للإسلام وكتابه ونبيه، إنه من هذه الناحية يأتي هو ولامانس البلجيكي في المقدمة، ومن يرغب في أن يأخذ فكرة عن هذا البغض القَتّال فليرجع فقط إلى كتابه "Muhammad and the Rise of Islam"، الذي يأخذ فيه جانب وَثَنِيِّي مكة في كل موقف حتى في تعذيبهم للمسلمين، كما وقف في صف اليهود في جميع مؤامراتهم لقتل النبي الكريم ومحاولتهم تدمير الإسلام الناشئ تدميرًا نهائيًّا.
وقد بلغ من سخطه على الرسول ودينه أنْ قد حمل على أحفاد القردة والخنازير حملة شعواء لأنهم- كما يقول- لم يحكموا أمرهم ويتخلصوا منه قبل أن يلتفت لتآمرهم عليه ويتخلص منهم أوّلاً. ولقد وصف هذا الرجل الوقح رسولنا الكريم بأنه "شيخ منسر: a robber- chief" (D. S. Margoliouth, Muhammad and the Rise of Islam, New York- London, 1905, P. 238)، وكان يرى أنه ينبغي ألا نعير كلامه صلى الله عليه وسلم كبير ثقة (المرجع السابق/ 263)، كما قال عن أبي عامر الراهب (هذا العميل البيزنطي الحاقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى نجاح دينه، والذي بنى له المناقون مسجدًا في أطراف المدينة بعيدًا عن عيون المسلمين ئشسالمخلصين ليلتقوا به فيه لحبك المؤامرات ضد الإسلام ونبيّه وأتباعه) إنه كان عنده قبل هجرة الرسول إلى يثرب ميل إلى الإصلاح الديني، بيد أن القليل الذي خَبَرَه من محمد بعد هجرته قد أقنعه بأفضلية الوثنية (المرجع السابق/ 290- 291)، وغير ذلك مما يعج به الكتاب من أقوال شنيعة لا تحترم حقائق التاريخ ولا تلقي بالاً للقيم الإنسانية النبيلة التي أرساها محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وكان أول وأحسن من استمسك بها، فكيف يمكن أن تقوم مودةٌ حميمةٌ بين مسلم يحب دينه ويؤمن برسوله ولا يقبل أن يسيء إليه أحد وبين مثل هذا المستشرق الوغد الذي كان يكرهه عليه السلام كراهية العمى؟
وممن كانت له علاقةٌ حميمةٌ بالدكتور طه حسين المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، الذي كان يبدي اهتمامًا شديدًا به في أزماته التي يثيرها، والذي عَرَض عليه ذات مرة وظيفة في الولايات المتحدة الأمريكية (معك/ 101)، وكان شديد الاحتفاء بابنه مؤنس أثناء دراسته بباريس، إذ كان يأخذه بعد خروجهما من محاضراته التي كان يَحْضُرها له مؤنس فيمشيان معًا ويستعلم منه باهتمامٍ وُدِّي عن كل ما يقوم به أبوه من عمل أو يخطط للقيام به (المرجع السابق/ 253- 254)، وماسينيون هذا هو أحد أعمدة الاستعمار الفرنسي في الشرق الإسلامي العربي. وقد تحدث عن دوره هذا: الصحفي اللبناني إسكندر الرياشي في كتابه "رؤساء لبنان"، فليراجعه من شاء.
وإننا لنسأل: ما سر هذا الاهتمام الزائد من جانب ماسينيون الاستعماري وأمثاله بطه حسين؟ لعل ما يلقي بصيصًا من الضوء على جواب هذا السؤال أن طه حسين كان يشتغل أثناء الحرب العالمية الثانية مراقبًا لإذاعة فرنسا الحرة التي كانت تبث برامجها من دار الإذاعة المصرية، كما أنه قد استقبل الجنرال ديجول حين مجيئه للقاهرة في إبريل سنة 1941م (السابق/ 129).
ولم تنس السيدة سوزان أن تتحدث عن جوانب من الصداقة الحميمة لزوجها بالمستشرق الفرنسي ريجي بلاشير أيضًا، وبلاشير هذا هو الذي عبثت يده النجسة بآياتِ القرآن الكريم تقطيعًا وتقديمًا وتأخيرًا أثناء ترجمته لكتاب الله المجيد، وبلغت به الجرأة أن خطَّأ القرآن نحويًّا وأسلوبيًّا في مواضعَ غيرِ قليلة، كما أضاف إلى سورة "النجم" الجملتين اللتين تُسميان بـ"آيتي الغرانيق"، وهو ما لم يجرؤ أحد أن يفعله في حدودِ علمنا جاعلاً إياهما جزءًا من القرآن، وتعمد تشويه كتابنا الكريم بتفسيراتٍ لا يُمكن أن تخطر إلا في خيال مريض يهذي، كقوله مثلاً (مع كايتاني وشبرنجر) إن "جنة المأوى" التي ورد ذكرها في سورة "النجم" هي فيلا في ضواحي مكة، وإن "سدرة المنتهى" المذكورة في ذات السورة هي شجرة بجوار تلك الفيلا، وبطبيعة الحال فالرجل ليس مريضًا يهذي، لكنه حاقدٌ يتعصب ضد القرآن ويُحاربه بهذه الأساليب السافلة (انظر الهوامش التي خصصها ذلك المستشرق لتلك الآيات في ترجمته للقرآن، وكذلك الفصل الذي درستُ فيه تلك الترجمة من كتابي "المستشرقون والقرآن"، وهو الفصل الثالث من الباب الأول).
ومن اهتمام المستشرقين والدوائر العلمية الغربية بطه حسين أن المستعرب الإيطالي نلينو مثلاً في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد بإيطاليا أثناء الحكم الفاشي قد تنازل لطه حسين عن رئاسةِ القسم الذي كان يرأسه، وهو ما لم يحدث من قبل كما تقول السيدة سوزان (معك/ 123)، وأن الدكتوراهات الفخرية قد أُغْدِقت عليه إغداقًا من الجامعاتِ الأوروبية على اختلافها (المرجع السابق/ 162، 172، 177، 180، 251مثلاً).
إنَّ الصحفي السوري سامي الكيالي المعجب بطه حسين وباتجاهه الدائم نحو قبلة أوربا إعجابًا أعمى يُشير بفخر إلى هذا الاهتمام الزائد من جانب الجامعات الأوربية بطه حسين (مع طه حسين/ 1/ 123- 124)، مع أن هذا الاهتمام هو دليلٌ على أنَّ الرافعي لم يكن يلقي الكلام على عواهنه حين وصفه بأنه أداةٌ أوروبيةٌ، وإلا فما هذا الاحتفاء الغريب المريب بطه حسين دون المفكرين والأدباء العرب الذين كانوا معاصرين له؟ أعَقُمَتْ بلاد المسلمين والعرب ومصر فلم تلد إلا طه حسين؟ إنَّ هؤلاء المحتفين بطه حسين هم أنفسهم الذين يبغضوننا ويبغضون ديننا وأدبنا ولغتنا، وهم الذين استعمرونا وأذاقونا كأس المذلة مُتْرَعَةً ونهبوا بلادنا وقتلوا آباءنا، واقتطعوا من جسدنا وروحنا فلسطين وأعطَوْها لليهود، الذين ساعدهم طه حسين على النجاةِ بجلدهم عند اقترابِ الألمان من العلمين، وهم الذين يُمِدِّون الصهاينة بالمال والرجال والسلاح ليذبحونا.. فهل يمكن أن يحتفي هؤلاء بأي واحد منا لو رَأَوْا أنه نافع لأمته؟ إنَّ لدينا- والحمد لله- عقولاً تفكر!!
ومن مظاهر اهتمام المستشرقين بطه حسين كذلك أن بعضهم، حينما أُبْعِد الرجل عن الجامعة، قد أعلنوا أسفهم الشديد وهاجموا المسئولين عن ذلك وعدُّوه من المناضلين عن حرية الفكر، وأعلن برجشتراسر، وكان أيامها أستاذًا بالجامعة المصرية، أنه لن يعود إلى الجامعة إلا إذا عاد إليها طه حسين (معك/ 109- 110).
وهذا كله مع أن مئات الأساتذة الجامعيين المسلمين يُفْصَلون ويُسْجَنون ويُقَتَّلون في أنحاء العالم المختلفة، ولم نسمع من أحد من هؤلاء المستشرقين ولو كلمة مجاملة من باب ذر الرماد في العيون.
وبالمناسبة فقد نابني من الحُبِّ جانبٌ بسبب الكتاب الذي أنقل منه هذا الفصل (أو إذا آثرنا الصراحة: بسبب طه حسين وما اقتحمتُه في ذلك الكتاب من محرَّمات وأقداس لا ينبغي أن يقترب منها أحد، وإلا تمَّ التنكيل به حتى يكون عبرة لغيره)، فأوذيت أذى شديدًا لم أُوذَه في حياتي العلمية والوظيفية، ولم يكلِّف أحدٌ من المتباكين على الحرية الفكرية عَيْنَه أن تذرف ولو دمعةً واحدةً من دموعِ التماسيح على سبيل التجمُّل، فضلاً عن أن يُثير الأمرَ في وسائل الإعلام المحلية، بَلْه العالمية. وكان ذلك قبل مسألة د. نصر أبو زيد بقليل، الذي أخذت وكالات الأنباء في كل أرجاء الدنيا تطيِّر أخباره وتغطي الاحتجاجات التي كانت تظاهره من كل صَوْبٍ وحَدَب، وكأننا بصدد حرب كونية ثالثة! وأحب رغم ذلك ألا يفهمني أحدٌ خطأً فيتوهم أني مع اضطهاد الفكر، ولكني فقط أتساءل عن سرِّ هذا الاهتمام الغريب من قِبَل الدوائر العالمية المعادية للإسلام بطه حسين وأمثاله وقَصْره عليهم، وعليهم وحدهم! ومن المضحك الذي ينبغي إيراده هنا، وشر البلية ما يُضحك كما يقول المثل المشهور، أن يبلغ التحمس لطه حسين عند أحد القساوسة المصريين، وهو كمال ثابت قلته (في رسالته للماجستير عن الدكتور طه)، أن يهاجم، وهو رجل الدين النصراني، شيوخ الأزهر ويتهمهم بالرجعية واصمًا إياهم بأنهم لم يفهموا الإسلام كما فهمه طه حسين.. فالحمد لله الذي جعل هذا القس يفهم الإسلام خيرًا من مشايخنا ويقوم فوق ذلك بدور القاضي بينهم وبين الأزهري السابق الشيخ طه، ويصدر في النهاية هذا الحكم المهذب العادل (انظر كتابه "طه حسين وأثر الثقافة الفرنسة في أدبه"/ دار المعارف/ 90- 92).
فإذا عُدنا إلى الرافعي واتهامه لطه حسين وجدنا من الصعب أن نرميه بالتجني وإرسال القول على عواهنه. ومن المؤكد أنه- رحمة الله عليه- كان يعرف عن طبيعةِ علاقات طه حسين بالمستشرقين ورجال الدين والسياسة الغربيين الشيءَ الكثيرَ بحكم المعاصرة، وبحكم اهتمامه كأديبٍ ومفكرٍ بقضايا الأدبِ والتاريخ العربي والإسلامي، وبحكم انغماسه التام في الحياة الثقافية واتصاله بأقطاب الفكر والأدب والنهضة الإسلامية، وبحكم وجود الاستعمار البريطاني الدنس على أرض المحروسة، مما يشجع من لهم علاقة بدوائر الغرب العلمية والسياسية على عدم الاستتار بهذه العلاقات، بالضبط كما هو حادث الآن في الظروف السُّود التي يمر بها الوطن العربي بل أمة محمد على بكرةِ أبيها، ويمكن، لمَن يريد التعرف إلى بعض العلاقات التي كانت لطه حسين بهذه الدوائر، الرجوع إلى الصفحاتِ التالية: 162، 173- 174، 178، 190، 195، 197، 199، 202، 204، 266...إلخ من كتاب "معك" الذي وضعته زوجته عنه بعد وفاته والذي كان مرجعًا أساسيًّا من مراجعنا في هذا الفصل.
ودعنا من رحلته التي قام بها إلى فلسطين وزار فيها الجامعة العبرية سنة 1927م، تلك الجامعة التي بذل طه حسين جهوده (المشكورة والمقدورة) حتى نجح في تذليل الاعتراض الذي أبداه رجال البعثات في مصر على ذهاب أحد الطلاب إليها (المرجع السابق/ 83، 186)، وكذلك دعنا من إشرافه على مجلة "الكاتب المصري" اليهودية، التي قرأت ذات مرة أن المشرف المالي عليها كان أبا إيبان الذي أصبح فيما بعد وزيرًا لخارجية إسرائيل، وكذلك تسهيله لأصدقائه من اليهود الخروج من مصر عند اقتراب الألمان من العلمين (السابق/ 140).
ولعل من الطريف أن نشير هنا إلى ما ذكرته السيدة زوجته في هذا الكتاب من أن أم وأخت أحد الشبان الإخوانيين- وكان قد حُكِم عليه ضمن آخرين مثله بالإعدام أيام الرئيس عبد الناصر لارتكابهم جرائم قتل (!) كما تقول- ألحتا على الدكتور طه أن يتدخل لإنقاذ الشاب، ولكنه لم يفعل بطبيعة الحال، ربما لأنه لم يكن يهوديًّا، ومع ذلك فهذه القصة غير مقنعة، إذ لا أظن أن سمعة طه حسين بين الإخوان وأسرهم كانت تشجع المرأتين على أن ترجوا تحقيق مثل هذا الطلب على يديه، وهو الذي هاجمهم أشد هجوم في بعض ما كتب في تلك الفترة، علاوة على أنني لا أعرف أن الإخوان قد ارتكبوا جرائم قتل في عهد عبد الناصر أو حتى اغتيالات سياسية، وفي النهاية فإني لا أعرف لماذا لم تذكر السيدة الكاتبة اسم الشاب، أغلب الظن أن مثل هذا الشاب وأمه وأخته ليس لهم وجود! والله أعلم.