يواجه الاحتلال الأمريكي للعراق مأزقًا حقيقيًا هذه الأيام بسبب اتجاه الأمم المتحدة تخفيض وجودها في العراق إلى أدنى مستوى قد يصل إلى عشرة أفراد فقط، ومعضلة عدم تقبل الدول الكبرى لتمويل الاحتلال الأمريكي مما ينذر بفشل مؤتمر الدول المانحة الذي سيعقد في أكتوبر المقبل، ويأمل الأمريكيون أن يحصلوا منه على مبالغ مالية ضخمة تخفف الأعباء المتزايدة على الاقتصاد الأمريكي.

فالأمم المتحدة تتجه نحو تخفيض عدد العاملين بها في العراق والبالغ عددهم 600 شخص إلى إقل من خمسين وربما عشرة أشخاص فقط بعد تفجير مقرها في بغداد، والذي أودى بحياة أكثر من20 شخصًا، وتكمن مشكلة هذا التخفيض في أنه إنذار لجميع المنظمات الدولية العاملة في العراق لمراجعة مسألة وجودها واقتفاء خطوات الأمم المتحدة بعد حالة الانفلات الأمنية الكبيرة في العراق ولعل هذا التراجع أو الانسحاب القادم للأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في العراق يتيح للأمريكيين الحصول على الدعم الكافي  المادي والبشري الدوليين دون أن يقود ذلك إلى سيطرة المنظمة الدولية على دفة الأمور في العراق ورسم مستقبله السياسي والاقتصادي.

ومن هنا فإن القراءة الأولية لاتجاه الأمم المتحدة لتخفيض هذا الوجود يؤكد استمرار المأزق الأمريكي الذي تحاول الإدارة الجمهورية الحالية التخفيف من وطأته عليها مع اقتراب استحقاقات الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام المقبل، ووجود تكتلات ضد الرئيس "بوش" أبرزها تكتل المسلمين الأمريكين لتجميع مليون صوت انتخابي ليقول لا "لبوش" في التصويت المقبل وتوقعات أن تقف عائلات الجنود الأمريكين ضد بوش أيضًا وبالتالي فإن انسحاب الأمم المتحدة من العراق سيجعل الساحة العراقية فارغة من الوجود الدولي الذي يضفي شرعية ما على هذا الاحتلال سيضع الولايات المتحدة أمام استحقاقات دولية في ممارسة دورها كدولة احتلال، كما تنص عليه الاتفاقات الدولية, وهو ما يعني في النهاية إضافة أعباء وتكاليف جديدة كانت الولايات المتحدة تسعى للابتعاد عن تحملها وهو ما ينذر بانتقال المأزق العراقي ليكون مأزقًا سياسيًا للإدارة الأمريكية.

أما ما يتعلق بالعقبات الكوؤد فإنها تأتي من بعض الدول الكبرى، وخاصةً فرنسا التي تعارض تمويل الاحتلال الأمريكي في العراق وتحمل جزءًا من فاتورة البقاء الأمريكي في العراق ويهدد بفشل الهدف من مؤتمر الدول المانحة الذي سيعقد في مدريد في أكتوبر المقبل، وهو ما يهدد بأن يتحمل ذلك دافعوا الضرائب الأمريكيين، وقد صرح مسؤولون أمريكيون أن واشنطن تسير في خط آخر مواز مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إذ يضغط الأمريكيون لكي يحصلوا على اعتراف منهما بمجلس الحكم الانتقالي مما يتيح اقتراض العراق مبالغ ضخمة تتجه إلى تمويل الاحتلال تحت حجج كثيرة، ويبدو أن مسارعة الأمريكيين في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة "أحمد الجلبي" رجلهم الأول في العراق كان ضروريًا للتقدم بطلب للحصول على هذه القروض فالبنك الدولي أرجأ الموافقة على هذه القروض لحين تشكيل حكومة عراقية يمكن أن يتعامل البنك الدولي معها.

والواقع أن الولايات المتحدة تصر وتسعى للبحث عن مهرب لها في العراق لتخفيف الثمن الذي تدفعه من قواتها وأموالها من جراء احتلال العراق، ورغم أن البدائل والخيارات المتاحة أمام هذا الاحتلال قليلة نسبيًا فإن الأمريكيين كقوة كبرى في العالم لديهم أوراق متعددة سيمارسون من خلالها الضغط على أطراف أخرى لتحمل عبء تكاليف الاحتلال ولعل الدور الذي يلعبه الأردن وملكه "عبدالله" هو أحد الأوراق الأمريكية في تليين المواقف الإقليمية؛ انتظارًا للبحث عن دولة أخرى تمارس الدور الأردني على المستوى الدولي وإن كان هذا أمر مشكوك فيه.