ما تزال المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأنجلو أمريكي مستمرة، وتخطت حاجز المائة يوم بتطوير في قدرتها وعملياتها، فبعد تبني المقاومة تكتيك تعكير صفو تحركات القوات الأمريكية انتقلت إلى تكتيك "اضرب واهرب" ثم "اشتبك وقاتل وجهًا لوجه"، فامتدت بعض مواجهاتها مع الأمريكيين كما حدث في "الفلوجة" لمدة تسعين دقيقة، ثم انتقلت إلى تنفيذ العمليات النوعية في تلغيم الطرق، وضرب تجمعات القوات الأمريكية بالهاون، والسيارات المفخخة، ومحاولة إسقاط بعض الطائرات الأمريكية، وتفجير أنابيب النفط.

وقد شجعت هذه التطورات النوعية والكمية في أداء المقاومة العراقية البعض بالقول بأن الولايات المتحدة بدأت تخوض في المستنقع العراقي، وأن القوات الأمريكية ربما تواجه في العراق مصيرًا لا يختلف عما لقيته في فيتنام، وربما تخرج وقد لحقت بها الهزيمة من العراق، وستترك عملائها كما فعلت في فيتنام، ولعل ما أدى إلى تطور هذا القول هو حجم القلق والارتباك الذي تبديه الإدارة الأمريكية وقوات الاحتلال الأمريكية من هذه المقاومة، والذي انعكس بصورة كبيرة في تحركات أمريكية سياسية ودبلوماسية واسعة إقليميًا ودوليًا بهدف الحصول على الدعم الدولي ماليًا وعسكريًّا لمساندتها في العراق، ومحاولة استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي للحصول على هذا الدعم، ووصف بعض كبار القادة العسكريين الأمريكيين ما يجري في العراق أنه حرب كلاسيكية يُشارك فيها المقاتلون من بقايا النظام السابق، والذين لا تستطيع واشنطن قتلهم جميعًا، وأن هذه البقايا لا تزال تشعر بأن لديها إمكانية في الفوز، ومن ثم تصر على حرب العصابات.
كذلك تأكيد قائد عسكري أمريكي كبير أن ما تقوم به أية قوات لمواجهة حرب العصابات هو تأمين أفرادها ووحداتها الصغيرة، وهو ما يشكل مشكلة كبيرة للقوات الأمريكية في بلد شاسع مثل العراق إذ يحتاج إلى قوات ضخمة تفوق الـ(150) ألف جندي الموجودين حاليًا في العراق، كما أن جنود المشاة الأمريكيين غير مستعدين لمواجهة وضع تكتيكي فوري؛ لأن حروب العصابات تحتاج إلى نوعية من القوات الخاصة لا تستطيع الولايات المتحدة توفيرها بسهولة بأعداد ضخمة في العراق.

واستند بعض المتفائلين بمستقبل المقاومة العراقية إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية ستحاول التخلص من المقاومة قبل الخريف المقبل بأي ثمن لاعتبارات تتعلق بالواقع السياسي الأمريكي الداخلي، وسعي إدارة "بوش" لوقف مسلسل النعوش الطائرة من العراق إلى أمريكا والتي تحمل جثث الجنود الأمريكيين، للحصول على أصوات الناخبين الأمريكيين في انتخابات الرئاسة المقبلة، وحتى لا تكون هذه النعوش سهامًا يطلقها الحزب الديمقراطي ضد "بوش" وحزبه الجمهوري، أو سببًا في إثارة الرأي العام والغضب الشعبي ضد الإدارة.


أوضاع مقلقة:
تؤكد الدلائل أن الأوضاع في العراق أصبحت مقلقة للأمريكيين بدرجة تتزايد مع مرور الأيام رغم أن المقاومة تكاد تنحصر في المثلث السُّني الذي يضم عددًا من المدن منها الفلوجة وبغداد والرمادي وبعقوبة، وخروج قطاعات كبيرة من العراقيين من خانة المقاومة؛ لأن بعضهم لم يحسم خيار المقاومة بعد، أو لأن الأوضاع الحالية التي خلقها الاحتلال الأنجلو أمريكي خلقت ولو بشكل مؤقت أو مرحلي نوعًا من التوافقية وتقاطع المصالح بين هذه الطوائف وبين الاحتلال، فمازال الشيعة الذين يشكلون أكثر من 60% من العراقيين خارج ملعب المقاومة، بل أن مراجعهم الكبيرة تسعى لتذويب الجليد مع الأمريكيين وتُعلن أن خيارها هو المقاومة السلمية، أما الأكراد 20% فإنهم خارج هذا الإطار كليةً لتقاطع بعض مصالحهم مع الأمريكيين، وتكاد تنحصر المقاومة العراقية في نسبة لا تتجاوز (2% من العراقيين حسب بعض المراقبين.

ولا شك أن هذه النسبة ضئيلة إذا قُورنت بهدف كبير مثل تحرير العراق، أو مقاومة الهدف الاستراتيجي الأمريكي الكبير في احتلال العراق والذي يُوجب توافق بين النخبة العراقية عليه، وبالتالي فإن ما نشاهده ونتابعه من عمليات للمقاومة العراقية ضد الأمريكيين يبقى إلى حد كبير تحت حدود السقف الأمريكي المحتمل للأعباء في العراق، وليس في مستوى ضغط فعلي يصل إلى مستوى تفكيك أوصال القوات الأمريكية، وينقل ما يجري إلى أزمة في أروقة السياسة والرأي العام الأمريكي، وبالتالي ستسعى واشنطن إلى تخفيض الثمن الذي تدفعه قواتها في العراق إلى أدنى مستوياته.. اللهم إلا إذا اتسعت المقاومة وتعمقت وضعًا وأثرًا وتأثيرًا.

وإذا كانت المقاومة العراقية ما تزال بعد في أطوارها الأولى، فإن المقابل لها هو القوة الأمريكية العسكرية الضخمة، والمرونة السياسية مع التمسك بالهدف الاستراتيجي والإمكانات التسليحية الضخمة لمواجهتها، ورغم أن البدائل التي يملها الأمريكيون والأوراق التي في أيديهم في العراق قليلة، فإن هناك دلائل تشير إلى أن الأمريكيين يعملون حاليًا لإنجاح عملية التفاف حول المقاومة العراقية لتطويقها بتزامن مع عمليات عسكرية مركزة وممنهجة ضد المراكز التي يحتمل أن تتواجد فيها المقاومة.

ويشير البعض أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى الخيار المالاوي" لمقاومة المقاومة العراقية، وملخص هذا الخيار هو تطبيق التجربة البريطانية للقضاء على الثورة في الملاوي في الأربعينيات من القرن العشرين، إذا اعتمد الاحتلال البريطاني لمقاومة هذا الثورة على القيام بحرب عصابات مضادة تقوم بها بعض المفارز المنتقاة بعناية كبيرة من قوات النخبة البريطانية تكون مهمتها القضاء على قيادة الثورة وتدمير خطوط اتصالاتها وطرق إمداداتها وقواعدها اللوجستية، وقد نجحت التجربة البريطانية، وهو خيار مطروح أمام الأمريكيين، وربما تسعى قوات الاحتلال لتطبيقه من خلال العمليات العسكرية التي تعلن عنها في العراق مثل "الأفعى ذات الأجراس" و"لدغة الأفعى" و"الأفعى المتسلقة".

وإذا كانت تقديرات الأمريكيين تُشير إلى أن عدد أفراد المقاومة يقترب من سبعة آلاف مقاوم، إضافةً إلى بعض المئات من المقاتلين الأجانب، فإن القلق ليس من حجم هذا العدد ولكن من احتمالية خروج الأوضاع في العراق عن نطاق السيطرة مما يدفع بعشرات الآلاف من العراقيين إلى صفوف المقاومة، وهو ما تخشاه قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وتجتهد لانتزاع الذرائع التي قد تقود إلى ذلك، لذلك كان انسحابها من "الفلوجة" وتمركز قواتها خارج المدينة هو محاولة لوضع السدادة على الزجاجة حتى لا تنفلت الأمور من يديها في شكل رفض جماهيري كبير لا تستطيع مواجهته.

ولكن يبدو أن الأمريكيين يجهزون أيضًا لخيار آخر لمقاومة المقاومة العراقية، بعد النصائح التي قدمتها لجنة الكونجرس التي زارت العراق، وأعدت تقريرًا عن الأوضاع هناك، ولجنة خبراء البنتاجون الذين أعدوا تقريرًا مشفوعًا بتوصيات لتدارك الأوضاع هناك قبل إفلات الموقف، وزيارة "بول وولفوتيز"- نائب وزير الدفاع الأمريكي- للعراق وعدد من كبار المسئولين والمفكرين الأمريكيين مثل "توماس فريدمان".

وكان أبرز هذه التوصيات لمقاومة المقاومة العراقية والحيلولة دون تدهور الأوضاع بدرجة تخرج عن نطاق السيطرة هو ما صاغه الكاتب اليهودي الأمريكي "فريدمان" في مقال له بعنوان "لا وقت لتضييعه في العراق" حين قال "نحن بحاجة إلى شيئين فقط في العراق: أمريكيين أكثر في الخلفية، وعراقيين أكثر في المقدمة" "إن الولايات المتحدة تستنزف طاقاتها بمعدل أسرع بكثير في هذه المنطقة، ونحن لا نمتلك وقتًا نهائيًا، لهذا نحن بحاجة إلى عراقيين أكثر في المقدمة بسرعة" "دعوا العراقيين يكسبون الثناء لما يقومون به، ودعوهم يكسبون الملامة أيضًا"
ومن ثم فالنصائح تنصب في "اصطياد المقاومة العراقية " بأيدى العراقيين أنفسهم، وبدأت الولايات المتحدة في تطبيق هذا التكتيك الخطر فعليًا، فقد بدأت قوات الاحتلال الأمريكي في القيام بحملة واسعة لتجنيد وتدريب عناصر أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية التي كانت تعمل في عهد "صدام حسين" وإغرائها لتعمل لحساب الأمريكيين ومساعدتهم في الوصول إلى رجال المقاومة العراقية ثم تصفيتهم، إذ أن الأمريكيين ينقصهم المعلومات الاستخباراتية التي يتميزون بها عن غيرهم في العراق، وهو ما يجعلهم في مأزق حقيقي، وكان قرار التركيز على رجال الاستخبارات العراقية قد اتخذ في شهر أغسطس بعدما أدَّت حملات الاعتقالات والمداهمات الأمريكية العشوائية والفظة إلى ثورة السكان العراقيين وتنامي عدد المقاومين العراقيين، ويؤكد "بول بريمر" الحاكم الاحتلالي للعراق "أن شكل المقاومة غير المتبلور بعد يجعل التخلص منها أكثر صعوبةً، وهو ما يعمق الحاجة إلى معلومات استخباراتية تُساعد على توجيه الغارات المضادة بشكل دقيق وخلق إمكانية التسرب إلى هذه المجموعات".

أما الاتجاه الآخر لاصطياد المقاومة العراقية بأيدي العراقيين فهو تجنيد آلاف من العراقيين للعمل في الشرطة تحت قيادة الاحتلال الأمريكي، إذ يخطط المسئولون الأمريكيون لإرسال (28) ألف عراقى ليتدربوا على أعمال الشرطة في شرق أوروبا؛ تمهيدًا لنقل المسئوليات الأمنية إليهم، وصرح "بيرنارد كيريك" المشرف الأمريكي على وزارة الداخلية العراقية أن المسئولين الأمريكيين حصلوا على موافقة الحكومة المجرية على إقامة أكاديمية ضخمة للشرطة لتدريب العراقيين في قاعدة سوفيتية سابقة، وأكد "كيريك" أن الأمريكيين يريدون نقل المسئوليات الأمنية إلى العراقيين.

وكان مسئول أمريكي كبير قد أكد أن حجم القوات الأمريكية المطلوب لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق هو (500) ألف جندي أمريكي، ولكن لا يوجد إلا (123) ألف جندي أمريكي و(17) ألف جندي من بلدان أخرى يشكل البريطانيون أغلبها، وهو ما يفرض على الأمريكيين الاستعانة بالعراقيين، إضافةً إلى أنه دفع واشنطن إلى طلب قوات دولية من دول مختلفة والسعي لاستصدار قرار من الأمم المتحدة لإرسال هذه القوات.


مستقبل المقاومة العراقية:
تعكس التحركات الأمريكية الأخيرة لضرب أو وقف المقاومة العراقية بالأيدي العراقية خطورةً على مستقبل المقاومة العراقية التي لا تزال بعد في طور التكوين، وما زال خيارها مستبعدًا أو مؤجلاً حتى الآن لدى قطاع كبير وواسع من العراقيين، يُضاف إلى ذلك أن مسألة الاحتلال الأمريكي للعراق هي مسألة تجمع عليها النخبة الأمريكية من الجمهوريين والديمقراطيين، ويستطيع الأمريكيون تحمل ثمن كبير نسبيًا، فالعراق ليس الصومال أو البوسنة بالنسبة إلى الأمريكيين، وإن كان مسلسل قتل الجنود الأمريكيين.. ووصول نعوشهم إلى الولايات المتحدة هو في نفس الوقت أكبر مصدر لتحريك جزع وغضب الرأي العام الأمريكي، وهو ما تخشاه الإدارة الأمريكية، وقد بدأت بالفعل بوادره تظهر على الساحة الأمريكية الداخلية.

وفي المقابل فإن المقاومة العراقية تواجه- أيضًا-  مأزقًا في أنها أعمال مقاومة عسكرية دون غطاء سياسي أو جناح سياسي يجني مكاسبها التي تحققها على أرض العراق، ويلاحظ أن الغالبية من القوى السياسية العراقية لا تنظر إلى المقاومة بعين الود أو محاولة فتح قنوات مع بعض فصائلها، بل إنها تنتقدها وتكيل لها الاتهامات، أضف إلى ذلك أن العمق الشعبي للمقاومة مازال محدودًا وذلك لاعتبارات تتعلق بالعشيرة والقبلية، كما أنها محصورة في مثلث السنة.

هذا ويردد بعض القادة العسكريين العراقيين السابقين مقولة: "إن المقاومة العراقية لم تبدأ بعد" ويؤكدون أن هناك عشرات الآلاف من العراقيين والعسكريين يمتلكون الرغبة لخوض ميدان المقاومة لكن عدم وجود بديل سياسي مقنع ومقبول في حال خروج الأمريكيين يؤجل قرارهم، فغياب الرؤية السياسية، والنظام السياسي المنشود والقيادة التي يجمع عليها العراقيون ما تزال عقبات لم يتم التعامل معها، لكن تبقى مقولة: "إن المقاومة العراقية لم تبدأ بعد" حاكمة لمستقبل العراق في الفترة القادمة رغم ما نتابعه من أعمال مقاومة ضد الأمريكان وصفها وزير الدفاع الأمريكي بأنها تتم في حدود ما بين عشرة وخمسة وعشرين عملية يوميًا.

وإن كان يبقى هناك عامل له أهميته، وهو أن الضيق الشعبي بالاحتلال الأمريكي يتزايد، طالما هناك قمع أمريكي واستفزاز من قوات الاحتلال، واحتياجات ضرورية من الغذاء والأمن والاستقرار تزداد اتساعًا وضغط على الشعب العراقي بما يصب في خانة اتساع وتوسع المقاومة إضافةً إلى أن الأمل الأمريكي في النفط العراقي ربما بدأ يتبخر مع تفجير الأنابيب، ومنع تصدير البترول، وازدياد وتضاعف الحاجة والاحتياج والحرمان على المستوى الشعبي، الأمر الذي يصب في صالح المقاومة.