قد يبدو عنوان هذا المقال غريبًا مثيرًا, ولكن يعلم الله أنني ما أردت غرابةً, ولا قصدت إثارةً, ولكني حرصت- ابتداءً- على تصوير واقع نعيشه- نحن العرب- وتقييم هذا الواقع برؤية نأمل أن تكون صادقةً, لا قصورَ فيها, ولا غلوَّ ولا إسراف, ونحاول بهذه الكلمات أن تكون الرؤية شاملةً حتى لا تفلت من دائرة النظر شريحةٌ تنقض حكمًا- أو جزءًا من حكم- خلصنا إليه بالاستقراء والوقوف والتأمل.
وهذا يقتضينا استصحاب بعض المعطيات اللغوية والتاريخية ذات الصلة الوثيقة بموضوع المقال، وأعتقد أن الوقوف عليها ضرورة ملحَّة في عصرنا الذي نعيشه, وخصوصًا بعد قيام "الميمونة" سنة 1952م.. ذلك العصر الذي تاهت فيه الحقائق وضاعت فيه القيم, واختلَّت فيه المعايير, وضُيِّعت فيه الأمانة, وكثُر فيه الخبث, ووُسِّد فيه الأمر إلى غير أهله, ونرى من ملامحه، كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شحًّا مطاعًا, وهوًى متبعًا, ودنيا مؤثرةً, وإعجابَ كل ذي رأي برأيه.
(1) تعالَوا نعرف معنى الوطن
الوطن- كما نصت معاجم اللغة- هو محل الإنسان ومكان إقامته ومقره, وُلد به أو لم يولد، ووصْف الوطن القومي من الأوصاف المستحدثة- وهو ذو ارتباط سياسي وتاريخي نعرض له فيما بعد- يوسِّع من دائرة الوطن, وينقله من المفهوم الفردي إلى المفهوم الجماعي؛ ليكون محل إقامة دائمة معتبرة لقوم أو جماعة تلتقي على عقيدة معينة أو مصالح مشتركة, أو وحدة الجنس.. إلخ.
وكتب الأدب غاصَّةٌ بدُرَر عن حب الوطن, والولاء له والشوق إليه في حالَي الابتعاد والاغتراب, وكان من أسبق أبيات الشعر إلي حافظتنا ونحن أطفال قول أحمد شوقي:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
ومن أقدم ما قيل في الولاء للوطن والاعتزاز والتمسك به قول ابن الرومي الشاعر العباسي:
ولي وطني آليتُ ألا أبيعَهُ وألا أرى غيري لهُ الدهرَ مالكًا
وأنبِّه القارئ إلى أن ابن الرومي لا يقصد بالوطن المفهوم المشهور الدارج, ولكن يقصد به بيتَه الذي استولى عليه ظلمًا وعدوانًا واحدٌ من "ذوي الحيثية"، فشكاه للوالي "سليمان بن عبد الله" بقصيدة من أربعة وعشرين بيتًا, تحدث فيها عن شبابه الناعم في منزله هذا, وعن أُلفته له كأنه روحه أو جسده، فبعد البيت السابق مباشرةً يقول:
عهدتُ به شرخ الشباب ونعمة كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
فقد ألفَتْه النفسُ حتى كأنه لها جسدى إن بانَ غودرتُ هالكا
الإسلام ومفهوم جديد
كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحب وطنه مكة, ويروى عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال ما معناه مخاطبًا مكة: "والله إنك أحب بلاد الله إليَّ, ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت"، ويقال إن أحد الصحابة وصف مكة أمامه- صلى الله عليه وسلم- وهو في المدينة, فظهر التأثر على وجهه وقال له: "دع القلوب تقرُّ".
فلما أصبحت مكة تربةً رافضةً للإسلام.. ذلك النبت الجديد.. واشتد الإيذاء علي المسلمين أذِن الله لهم بالهجرة إلى الحبشة, هاجر منهم اثنان وثلاثون, وفي الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون, وعلل النبي- صلى الله عليه وسلم- اختيارَه الحبشة مهْجَرًا بأن فيها "ملكًا لا يُظلم عنده أحد"، وكان هو أصحمة النجاشي الذي آواهم وأكرمهم، وبهذا الاختيار وهذه المقولة يفتح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عيوننا على مفهوم جديد "للوطن", فلم يعُد الوطن هو تلك الرقعة من الأرض التي يسكنها جماعة من الناس ويتعايشون فيها, وهذا هو المفهوم العادي الدارج السائد آنذاك, ولكن الوطن- كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم- أصبح ذا مفهوم "قيمي"، فهو "وطن" بما يسوده من قيم العدل والتكافل والأمن والسلام، وهذا المفهوم "القيمي" للوطن أرساه ورسَّخه القرآن الكريم في سورة قريش, وهي مكية بلا خلاف.
الوطن وإشباع حاجات الإنسان
يقول تعالي: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش)، والنظر المتأني لهذه السورة يقودنا إلى تبين الحقائق الآتية:
1- أن المذكورات فيها جاءت على سبيل التمثيل لا الحصر, فذكْر "الطعام" جاء تمثيلاً للحاجات المادية، وذكْر الأمان والشعور بالطمأنينة جاء تمثيلاً للحاجات النفسية.. يدل على هذا ما ذُكِر في سور وآيات أخرى من ألوان النعم المتعددة.. كإنزال الماء, وتسخير الأرض للزراعة, والبحر للتنقل وكمصدر من مصادر الطعام والحلي, والزواج لحفظ النوع, واستشعار المودة والرحمة والاستقرار والسكينة, وغير ذلك الكثير والكثير.
2- أن الآيات ربطت بين تحقيق هذه الحاجات وإشباعها من ناحية, وبين السعي والتنقل والعمل من ناحية أخرى, وذلك بالإشارة إلى رحلة الشتاء والصيف.
3- أن الآيات ربطت بين هاتين النعمتين- المادية والنفسية- وقيمة روحية عليا هي عبادة الله دون سواه, ويُستأنس لذلك بأن الله جعل البيت مثابةً وأمنًا.. قال تعالي: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ (القصص: 57)، وأن هاتين النعمتين كانتا استجابةً لدعوة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم: 35), ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).. يقول الإمام الطبري: وكان أهل مكة تجارًا, يتعاورون ذلك شتاءً وصيفًا, آمنين في العرب, وكانت العرب يُغير بعضهم علي بعض, ويقطعون طريق القوافل، وكان القريشيون إذا رحلوا قالوا: نحن مِن حرم اللهِ فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية؛ وذلك لمكانة البيت في نفوس هؤلاء جميعًا.
والشعور بالطمأنينة والأمان والسلام النفسي يمنح الإنسان طاقةً قويةً للعمل والإنتاج والتقدم, وفي هذا المعنى يقول ديورانت: ".. والحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف تحررت من نفسه دوافع التطلع, وعوامل الإبداع, وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهض للمضيِّ في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها" (قصة الحضارة 1/4).
العدل أساس الوطن والمواطنة
فالعقيدة السليمة النيرة الربانية, والعمل الشريف والسعي الدائب, وإشباع الحاجات المادية من طعام وشراب وملبس وسكن, والحاجات المعنوية من تمتع بالعدل والطمأنينة والاستقرار والسلام.. هذه المعاني والقيم في صورتها الصادقة النقية لا تكون الأرض وطنًا إلا بها, وأهمها- بعد العقيدة السمحاء- العدل, وما زالت ترِنُّ في آذاننا وقلوبنا كلمات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ يوجه المسلمين للهجرة إلى الحبشة: "فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد"..!!
- فبالعدل يتساوى المواطنون وينال المواطن حقه غير مغبون.
- وفي ظل العدل يشعر المواطن بالطمأنينة والأمان, ويعمل بهمة ونشاط, مع حبه عمله وإقباله عليه.
- وبالعدل يُخلص المواطن الولاء لوطنه, والحب والتقدير لحاكمه, ويسير في طريق التقدم المطرد إلى ما هو أحسن وأفضل على المستويين الفردي والجماعي.
(2) والظلم ظلمات ومهالك
وإذا كان هذا هو شأن العدل وآثاره على الأفراد والمجتمعات تقدمًا وبناءً ونهوضًا, فإن الظلم يقف على الطرف النقيض.. قال تعالى في حديث قدسي: "يا عبادي, إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا, فلا تظَّالموا"، وقد نزلت الآيات تترى، تُظهر عاقبة الظلم في الدنيا, منها على سبيل التمثيل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود:102)، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ (الأنبياء:11) ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (القصص: 59).
ونلاحظ أن الآيات السابقة تتحدث عن عاقبة "ظلم جماعي".. فهل يعني هذا أن هذه النتيجة لا تتحقق إذا ما كان الظلم محصورًا في الحاكم.. أما الرعية فهي المطحونة تحت وطأة هذا الظلم?! وفي الإجابة على هذا السؤال نستأنس بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:25)، ونستأنس بسؤال السيدة زينب رضي الله عنها لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-:يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون?! قال: "نعم.. إذا كثر الخبث" (والخَبَث بفتح الأول والثاني: الفساد والرذائل).
حالات.. وأحكام
وتواجهنا في هذا المجال عدة حالات, ولكل حالة حكمها:
الحالة الأولى: أن يكون الظلم آفةً عامةً وخليقةً سائدةً في المجتمع كله، حاكمًا ومحكومين، وتكون النتيجة انهيار المجتمع كله وسقوطه.
الحالة الثانية: أن يكون الحاكم هو المستقل بآفة الظلم في مواجهة الرعية, فإذا كانت الرعية رافضةً لهذا الظلم, مقاوِمةً له بقدر ما تستطيع, وقعَ الوِزر على الحاكم، وإن أدَّى ذلك إلى إصابة المجتمع بالضعف والتأخر؛ لانصراف الناس عن أداء أعمالهم, وضعف إنتاجهم تحت وطأة الظلم والاستبداد.
أما إذا رضيت الرعية بظلم الحاكم وأقرته واستسلمت له, فجريمتها كجريمة الظالم في حكم الله.. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97), فأقل ما يجب أن يفعله المظلوم أن يهجر وطن "الظلم والجبرية" إلى أرض يجد فيها الأمن والسلام, ويستطيع أن يَعبدَ فيها ربَّه, ويؤدي رسالته, ويحصِّل فيها عيشَه، كما فعل المسلمون بهجرتَيهم إلى الحبشة, ثم بهجرتهم العامة إلى المدينة ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء:100).
الظلم ظلمات
حقًّا, إن الظلم ظلمات؛ لأنه يعمي بصيرة الطاغية الظالم، ولا أُسرف إذا قلت: إنه يعمي بصره كذلك, فلا يرى الحقيقة في واقعها الحقيقي, بل يكون حوله من "يرى" له, ويزين له كل ما يرضيه, ويقلب له الحق باطلاً, والباطل حقًا, فهو الزعيم الأوٍحد, وهو المنقذ الأول, وهو العبقري الأول, وعن مثله عقمت النساء، وهو سعيد ببطانة السوء هذه.. إنهم "هامان وأوتاد" كل عهد, الباحثون عن متع الحياة الدنيا.. ملوك "الهبش" و"الهبر".. حملة المباخر.. أرباب الكذب والنفاق.
وما أسعد بطانة السوء حين يرون مثل هذا الحاكم أحمق غبيًا.. يضعهم في سويداء قلبه, وبهم يرى, وبهم يفكر, وبهم يسعى, وبهم يبطش.. ويمضي أعمى القلب.. أعمى الضمير, أعمى البصيرة, أعمى البصر, وكأنه المقصود بقول بشار بن برد:
أعمى يقودُ بصيرًا لا أبا لكمو قد ضلَّ من كانت العميانُ تهديه
صدقْتَ واللهِ يا بشار "قد ضل من كانت العميانُ تهديه" وهل انكسرت شعوبنا وتخلفت, وصارت طعامًا مستساغًا لأعدائها إلا لأن حكامها وقادة مسيرتها هم العميان?!
وفيهم نزفتُ شعرًا
ولا أبالغ إن كنت قد رأيت في كل واحد من هؤلاء في قصيدتي (براءة) نموذجًا مجسدًا لـ"الشر والشيطانية":
كأنه لبني إبليس نسبتُهُ دستوره البغي والإحجاف والغَشَمُ
السجن والقيد والعدوان عدته وشر أعدائه الإسلام والقيم
يقتات دمع الضحايا في زنازنهم كأن أناتهم في أذنه.. نَغَمُ
ويدَّعي أنه للعدل ملجؤه وأنه للجياع الخبزُ والأَدَم
وأنه عبقري العصر والعلم ومثلَ فطنته لم تُنجب الأُمم
وهٍو الذي ذبح القانون من سفهٍ وضجَّ مما جناه الحلُّ الحرم
له بطانة سوء كم طغت وبغت وهم على الشعب دومًا نكبة عَمَمُ
يا أيها الذي ماتت بصيرتُه حتى استوت عنده الأنوار والظلم
لقد غدوت كوحش ناش إخوته ولم ترقَّ لمن كانت لهم رحم
رأيت نارك في الأعداء باردة لكن على الأهل جمر ساعر حمم
الطاغية وتوثين الذات
إن الظلم أبشع الآفات التي تصيب النفس البشرية, وهو يأخذ صورتَه الضارية إذا ملك الظالم من القوة ما يجعل الظلم آليةً سهلةً لتنفيذ مآربه, وتحقيق ما يشبعُ نفسه المريضة.. هو شذوذ في أعتى صوره لأنه تمرُّد على الفطرة الإنسانية, وجَور على بني آدم، وقد كرمهم الله وجعلهم أكرم المخلوقات.
والحاكم الظالم يستبد به الغرور, ويتدرج به إلى أن يُغرق نفسه في مستنقع توثين الذات، وفرعون مصر هو أصرخ النماذج في هذا المجال؛ فقد رفض دعوة موسى عليه السلام ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ (النازعات:23, 24)، وليس من الضروري أن يكون توثين الذات بادعاء الألوهية, ولكن بإنكارها والنظر إليها وإلى الدين كظاهرة كانت مرتبطةً بالطفولة الأممية وعصور التخلف في الماضي, ومن أمثلةِ هؤلاء هتلر وموسوليني، ومن القصص المشهورة أن "جوبلز" (1897- 1945)- وكان وزير الدعاية والأنباء في عهد هتلر- كان يشرف على إعدام أحد القسس, فقال له: "لا تعدمني, واتق الله فيَّ" فردَّ عليه قائلاً: "لم يعد العصر عصر الله يا غبي, إنما هو عصر الفوهرر هتلر", وانتهى به الأمر إلى الانتحار هو وزوجته وأولاده وزعيمه هتلر في أول مايو 1945م.
آفات أخرى.. وتبريرات ساقطة
وانطلاقًا من هذه الآفة- توثين الذات- نرى الطاغية يتسم بالأثَرة, وحب النفس, فهي مدار تفكيره, وهي المعيار الذي يزِنُ ويقيس به أعمال الآخرين, فما اتفق مع هواها هو الطيب الخيِّر, وما خالفها هو الباطل والخطيئة..!! ومن هنا تأتي استهانة الطغاة بشعوبهم، فهم في نظرهم "دهماء" لا يستحقون أن يشاركوا في سياسة تقرر مصيرَهم, أو تسيِّر أمورهم, إلا على سبيل الظاهر الكذوب "للترضية" وإسكان الأصوات.
ومع آحادية هذه النظرة نرى الطاغية متشبثًا بكرسي الحكم, يعضُّ عليه بالنواجذ, وإذا تعارض هذا "التشبث الأبدي" مع دستور الوطن ومصالحه وأعرافه رأيت بطانة السوء- ومَن وراءهم من حملة المباخر الآكلين على كل مائدة- يرفعون أصواتهم بالتبريرات الجاهزة المعَدَّة سلفًا لمثل هذه المواقف، فتسمع من يقول: إن الدستور وسيلةٌ لا غايةٌ, فإذا تعارض بقاء "الحاكم الفلتة العبقري الموهوب" مع نص "جامد" من نصوص الدستور غضضنا النظر عنه ليستمر الحاكم "الفلتة"؛ لأن مصلحة الوطن أهم من كل دساتير الدنيا..!! وتتوالى "تدعيمات" هذه المقولة بصرخات عاطفية أخرى: فليبْقَ.. وليستمر.. ليستكمل مسيرة الرخاء, ومسيرة السلام.. ومسيرة التنوير.
ثم يتحول بعض الأصوات بنبرة عالية إلى القول: أيها المعترضون، لو كنتم صادقين في اعتراضكم.. مقتنعين به رعايةً لمصلحة الوطن اذكروا اسم شخص يصلح أن يكون بديلاً.. يستطيع أن ينجز بعض ما أنجز الزعيم الفلتة.. وطبعًا لا يكون إلا الصمت.. خوفًا على مصير "البديل المقترح"، والمعروف تاريخيًا أن الحكام في الشرق العربي لا يتركون الحكم إلا بالموت أو الاغتيال, هذا إذا استثنينا رجل السودان العظيم "سوار الذهب".
وكل ما ذُكِر من تبريرات تنطلق من فراغ، وتعد فارغة؛ لأنها تحاول أن "تمنْطق" ما لا وجودَ له, فمَن مِن حكام العرب- يا حملة المباخر- حقَّق رخاءً، وصنع للرخاء مسيرةً أو حقَّق سلامًا شريفًا, واختطَّ لاستكماله سبيلاً, وأشاع التنوير في مجال الفكر والتقنية والتعليم?!
إن الواقع الذي نعيشه- نحن العرب بعامة والمصريين بخاصة- يدحض.. بل يسحق كل مزاعم حملة المباخر وتهويشاتهم، وحتى لو صحَّ أننا في ظل النظام الحالي- أي في ظل حكومات الحزب الوطني نعيش رخاءً حقيقيًّا.. وسلامًا حقيقيًا.. وتنويرًا حقيقيًّا- أليس من حق الشعب أن يطلب التغيير, ويطالب بتداول السلطة، وصدق المثل القائل: "إن في التنويع متعةً, حتى في الهموم"، فنجاح الحاكم في قيادة هذه المسيرات لا يصلح تبريرًا لبقائه "حاكمًا أبديًا".
واذكروا يا سادة رجلاً اسمه "ونستون تشرشل" (1874- 1965) الذي كان رئيسًا للوزارة الإنجليزية طيلةَ أيام الحرب الثانية (1939- 1945)، وحقق على دول المحور أعظم انتصار في تاريخ البريطانيين, بل تاريخ أوروبا بأكملها على مدار التاريخ، ورفض أن يعلن الأحكام العرفية على شعبه أثناء الحرب، وقال قولته المشهورة: (لا أجمع على شعبنا وطأةَ الحرب ووطأةَ الأحكام العرفية)، وبعد هذا النصر العظيم فشل حزبه- حزب المحافظين- في الانتخابات العامة (النزيهة طبعًا) عام 1945م، وترك الرجل الوزارة بصورة طبيعية بعد أن حقق أعظم انتصاره ولم يخرج إنجليزي واحد هاتفًا "بالروح.. بالدم.. نفديك يا تشرشل".
ثرثارون.. ونمور ورقية
إن الحاكم العادل يزرع في قلوب المواطنين الاعتزاز به, والحب له, والإقبال عليه, والثقة فيه, وسرعة الاستجابة العملية لتوجيهاته, على حد قول الشاعر المسلم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه:
إذا قال سيفُ الله كرُّوا عليهمو كررْنا بقلب رابط الجأش صارم
فيكون تحقُّق الانتصارات أمرًا طبيعيًا لا غرابةَ فيه، وكما يكون الحاكم العادل محبوبًا من رعيته, يكون مهيبًا في نظر أعدائه، ومع حب المواطن لحاكمه العادل يكون صادق الولاء للوطن، يفديه بنفسه وبكل غال نفيس، وبالعكس يفقد الحاكم الظالم حب الناس وثقتهم, وإذا أطاعوه ففي الظاهر فقط؛ خوفًا من بطشه وجبروته، على حد قول الشاعر:
دعوا باطلاً, وجلوا صارمًا وقالوا: صدقتا?! فقلنا: نعم
ويفقد المواطن ولاءه.. لا للحاكم الظالم فحسب.. بل يمتد ذلك للوطن, وقد أصبح يعيش فيه غريبًا, يعاني الظلم والقهر ومن العذاب الكثير، وقد قالها "أبو نواس" من ثلاثة عشر قرنًا:
لا أذودُ الطير عن شجر قد بلوتُ المرَّ من ثمره
ومثل هذا الحاكم يستهين به أعداء الأمة, ومنه يسخرون, بعد "أن نزع الله من قلوب أعدائنا المهابة منه"، وكم تهكَّم كبار الصهاينة والصليبيين والأمريكان علي حكامنا, فأطلقوا على بعضهم أوصافًا أو ألقابًا مضحكة، مثل "النمر الورقي" و"الثرثار الكبير" Big talker، ولا غرابةَ أن تمتد استهانتهم بحكامنا إلى استهانتهم بشعوبنا, فيتخذون قراراتهم المتعلقة بمصائرنا, وكأننا لا وجودَ لنا, وإذا كان لنا وجود- في نظرهم- فهو وجود هامشي, أو وجود "ورقي"، وقد سُئل أحد كبار الصهاينة: "أصحيح ما جاء في القرآن من أن اليهود ضُرِبَت عليهم الذلة والمسكنة?!" قال: نعم.. كان ذلك قديمًا أيامَ أن كان اليهود مثل الشعوب العربية الحالية".