بقلم: جلنار فهيم
ليس من حقِّ أحد ينتمي إلى هذا الدين يحبه ويدافع عنه أن يمنع أو يقف في وجه مَن يحمل ذات الصفة السابقة، بل ويحمل أيضًا همَّ الرسالة والدعوة وإيصالها إلى المبلَّغين بأجملِ صورةٍ وأبهى حُلَّة، ثم إنني هنا لا أبتغي النقدَ بحدِّ ذاته، فالمقام ليس مقام النقد أو حتى النصح والتوجيه، غير أنها فكرة أو لِنُقل هي همٌّ في الصدرِ غائر وألمٌ وذكرى وحياةٌ لن يستطيع أي مسلم مخلص صادق تجاوزها أو تناسيها.
حيث ابتدأت ظاهرةُ الدعاة الجدد تتأصل وتستقر أكثر مما كانت عليه في السنواتِ الماضية، فأصحاب هذه الطريقة أو من أُلحِقوا بها إلحاقًا أصبحوا يُقابلون بالحبِّ والترحابِ من قِبَل الجميعِ رجالاً ونساءً وأطفالاً، بل وحتى من قِبَل المؤسساتِ والجمعياتِ العامة منها والخاصة، وليس هذا بعيبٍ؛ بل هو حقٌّ مطلوب لكل مَن رأى في نفسه أنه يملك القدرةَ والعلمَ والفكرَ المناسبَ لتوعيةِ الجماهير وتقريبهم وترغيبهم بالإسلامِ أكثر فأكثر، ولربما ازداد الدعاة الجدد تألقًا في ظلِّ غياب أهل العلم الأصيل والمعرفة، حيث غرقوا في بحرِ المجادلات والمناقشاتِ الكلاميةِ مع بعضهم البعض وفي جدال فقهي مستميتٍ.. كل يدافع عن رأيه ومعتقده، وبالطبع ليس هذا ما يطلبه المؤمن البسيط، إنما الركيزة الأولى "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ".
ونعود إلى حديثنا الأساس، فكما توسَّعت وتمدَّدت ظاهرةُ الدروس الدينية وشرحِ العقائدِ والمفاهيمِ الإسلاميةِ للمتلقي بأبسطِ صورة، إلا أنها برزت قضية أخرى وهي غاية في الأهمية، وهي إصرار العديد من أولئك الدعاةِ أن يبتعدوا عن السياسة وما يُحيط بها من أحداثٍ جلل ومصائب عظائم تحل بالمسلمين في كلِّ مكانٍ كابتعادهم عن داءٍ أو فيروسٍ قد يحل بالمنطقة خوفًا من العدوى!!
وهنا لا أصر على أنه يجب على الداعية أن يجلس وينظر في شئونِ السياسة العالمية والمحلية، ويفسِّر لماذا قُتِل هذا أو اعتُقِل ذاك، أو ارتفعت الأسعار أو انخفضت، إنما المقصود هو غياب الهمِّ الإسلامي العام عن أذهانِ المستمعين، فلم نعد نسمع لأحد هؤلاء الدعاة يتحدث عن هموم المسلمين في العراق أو فلسطين أو باكستان أو في أي مكان يُقتل فيه المسلمون ويذبحون!!
فأين القدس وأين الأقصى يا سادة؟؟ أين تفعيل مشاعر الإحساس بالآخرين خاصةً إذا كانوا من بني جلدتنا وديننا؟!
فقيام الدروس والمحاضرات الدينية المختلفة والمتنوعة في العقائد والعبادات والسلوكيات والأخلاق والمال واستثمار الوقت وصناعة الحضارة أو الحياة، أن يكون كل هذا بلا همةٍ نحو الدفاعِ عن مقدساتنا وأعراضنا ونسائنا التي تنتهك في كل يوم وليلة، فهذا نقص ونقص لكل ما فات، وهذا مع تأكيدنا على أهمية وضرورة هذه الجوانب والأركان في ديننا الحنيف.