د.إبراهيم عوض

ويمضي الدكتور طه في التظرف قائلا: "قد يقال إنَّ الحضارةَ الأوروبية مادية مسرفة في المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به، وهي من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقى به أوروبا ويشقى به العالم كله أيضًا.. لكنَّ مِنْ أجهل الجهل وأكبر الخطأ أن يُقال إنَّ هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة.. إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح، إنها نتيجة الروح الخِصْب المنتج، نتيجة الروح الحي المتصل بالعقل فيَغْذُوه وينمِّيه ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها الفاني فيها الذي تُفْسِد الأثرةُ عليه أمرَه فلا ينفع ولا ينتفع ولا يفيد ولا يستفيد.. ما هذا الشرق الروحي؟ ليس هو شرقنا القريب على كل حال من غير شك، فشرقنا القريب، كما رأيت، هو مهد هذا العقل الذي يزدهي ويزدهر في أوروبا، وهو مصدر هذه الحضارة التي نريد أن نأخذ بأسبابها.. وما أعرف أن لهذا الشرق القريب روحًا يميزه من أوروبا ويتيح له التفوق عليها.. ظهرت في هذا الشرق القريب فنون وعلوم وآداب تأثر بها اليونان والرومان فأنتجوا حضارة أوروبا، وأعانهم على ذلك المسلمون، أي أهل هذا الشرق القريب.. وظهرت في هذا الشرق القريب ديانات سماوية أخذ الأوروبيون منها كالشرقيين بحظوظهم: فمنهم المسيحي، ومنهم اليهودي، ومنهم المسلم أيضًا.. أفتكون هذه الديانات روحًا في الشرق، ومادة في الغرب؟ كلا ليس الشرق الروحي الذي يُفْتَن به بعض الأوروبيين صادقين وكاذبين فيخدعوننا به هو الشرق القريب، وإنما هو الشرق البعيد والشرق الأقصى.. هو الهند والصين واليابان وما فيها من هذه الديانات والفلسفة التي لا تتصل أو لا تكاد تتصل بدياناتنا وفلسفتنا.. فلننظر أي الأمرين نختار لأنفسنا: أنريد أن نعتنق ديانة الصينيين وفلسفتهم ونأخذ بأسباب حضارتهم؟.

 

إنَّ حديث الشرق الروحي هذا حديثٌ لا غَنَاءَ فيه، فهو مضحك إن نظرنا إليه نظرةً عامة، فإن المصريين الذين يزهدون في الحضارة الأوروبية ويدعون إلى روحية الشرق يعرفون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم أنهم يهزلون ولا يجِدّون، وأنهم لو خُيِّروا لكرهوا أشد الكره أن يَحْيَوْا حياة الصين والهند.. ولكن هذا الحديث خطر لأنه يُلْقِي في روع الشباب بُغض الحضارة الأوروبية التي يعرفونها فيثبِّط هممهم ويُضْعِف عزائمهم ويوجههم نحو هذه الحضارة الشرقية التي يجهلونها فيدفعهم إلى بيداء ليس لها أول ولا آخر" (ص74- 78).

 

وهذا كله حديثُ سفسطةٍ لا يثبت على محك المناقشة، إذ من قال إنَّ المصريين حينما يدعون إلى الاستعصام بروحانية الشرق إنما يفكرون في الهند والصين واليابان؟ من قال ذلك منهم يا ترى؟ ولماذا لم يذكر لنا طه حسين بعض أسماء من نادَوْا بذلك! لكنه لم يفعل ولم يكن لِيفعل، لأنه يعرف تمام المعرفة، كما يعرف الواحد منا أبناءه، أنه لا يوجد بين المصريين مَن يدعو بهذه الدعوة المضحكة!

 

إن روحانيةَ الشرق عند المصريين والعرب والمسلمين أجمعين هي الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار والملائكة والقدر خيره وشره، وأن الدنيا من ثَمَّ ليست هي كل شيء، بل هناك حياة أُخرى ينبغي أن يعمل الإنسان لها كما يعمل لدنياه، وأن الكائنات التي نراها ونسمعها ونشمها ونلمسها هنا على الأرض ليست هي كل الموجودات، بل هناك الملائكة والجن، وقبل ذلك كله وفوق ذلك كله الله سبحانه وتعالى، الخالق، الرازق، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الجبار، الرحيم، الكريم، المريد، القدير!

 

المسلمون عندما يدعون بهذا لا يريدون الانصراف عن الدنيا والتفوق فيها والاستمتاع بطيباتها، كما يحاول الدكتور طه أن يوهم قُرَّاءه عبثًا، بل يبغون أن يجمعوا بين الحسنيين: الدنيا والآخرة.

 

إنَّ الأوروبيين والأمريكان متقدمون دون أدنى ريب في العلوم الطبيعية والإنتاج والاقتصاد والاكتشافات والاختراعات والنظام والجَلَد والتخطيط والنَّفَس الطويل والتدبير وفنون الحرب والقتال، وليس هناك من المسلمين الذين