
الحلقة الأولى
أصدر الدكتور طه حسين سنة 1938م كتابًا كان قد ألفه قبل ذلك بسنةٍ عنوانُه "مستقبل الثقافة في مصر"، حاول فيه أن يضع الأسس التي ينبغي أن تسير عليها العملية التعليمية في أرض الكِنَانة بعد حصولها على استقلالها الصُّورِيّ سنة 1936م.
ولسوف يشعر القارئ بعد قليل، حين يطالع اقتراحات طه حسين في هذا الصدد، وكأن الأمر لا يتعلق بمصر العربية المسلمة، ولا أن الاقتراحات التي تضمنها الكتاب قد صدرت عن رجل تربى في الأزهر الشريف وجاء من الصعيد رمز الصلابة والكرامة والعزة الوطنية والدينية، بل يتعلق ببلد لا علاقة له بدين محمد، وصدر عن رجل لا تربطه بالعروبة والإسلام صلة.
والكتاب مملوء سفسطةً عجيبةً لا أدري كيف جَرُؤَ طه حسين على الانصياع إليها وتصوَّر أنها يمكن أن تجوز على عقول المصريين، الذين طالما نافحوا عن الإسلام في ميادين الوغى والعلم، وأحبوا كتابه ولغته وشريعته وسنة رسوله وبذلوا في دراسة ذلك كله والحفاظ عليه نور عيونهم وذَوْب عقولهم.
ولقد ألَّف الرجل كتابه هذا بعد أن حضر في باريس صيف عام 1937م عدة مؤتمرات للفكر والتعليم كان فيها، كما يقول، "أشبه شيء بالطالب الذي يختلف إلى الدروس والمحاضرات في مواظبة وانتظام" (مستقبل الثقافة في مصر/ دار الكتاب اللبناني/ بيروت/ 1973م/ 8)، وأحسب أنه قد تلقى في هذين المؤتمرين التعليمات بالبدء في تطبيق دعوة الانسلاخ عن الإسلام على أخطر ميدان من ميادين الحياة، ألا وهو ميدان التعليم والثقافة، فلم يضيع وقتًا بل شرع من فوره في أداء المهمة المنوطة به فأَلَّف الكتاب وانتهى منه في ذلك الصيف نفسه وقبل أن يعود بسلامته من ربوع مهبط الوحي الجديد، كما يبيِّن التاريخُ والمكانُ اللذان أملاه فيهما وأثبتهما في آخره.
كذلك فإني موقنٌ أن القارئ الكريم، بعد أن يتابع معنا ما جاء في الكتاب من أفكار وما ينادي به مؤلفه من دعوات، سوف يلاحظ على الفور أن ما نسمعه الآن من كلامٍ عن العولمةِ ووجوب تعديل المناهج الدراسية وتجفيف منابع الفكر الديني في بلاد المسلمين ليس وليدَ الساعة، بل هو كلام قديم. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أعداءنا لا ينامون ولا يأخذون الحياة مأخذ الهزل الذي نتّبعه نحن ولا نريد أن نتخلَّى عنه رغم تتالي الصواعق على رؤوسنا وتسويد الهزائم والمخزيات لوجوهنا وتلطيخها لكرامتنا. لقد سبق أن قرأتُ الكتاب وقرأتُ عنه منذ سنوات بعيدة، ثم عدتُ إليه هذا الأسبوعَ مرة أخرى بتأثير طائفة من المقالات التي قرأتها حوله وحول صاحبه في بعض المواقع المشابهة، وهذا هو تقريري عنه أضعه بين يَدَي أمتي لعلها أن تفيق من الخَدَر الذي تظنه لذيذًا، على حين أن وراءه مزيدًا من الكوارث التي لا تقلُّ شدةً وفداحةً عما خَبَرَتْه منها في الفترة الأخيرة، بل قد تكون أشد وأفدح وأنكى.
وأول ما نقف عنده من السفسطة التي تطالعنا بوجهها الكالحِ الكئيبِ في "مستقبل الثقافة في مصر" ما يهرف به مؤلفه من أن العقلَ المصريَّ هو عقلٌ أوربي، ولا أدري على أي أساس يزعم ذلك، ولا كيف قاله بهذه الجرأة العجيبة، ومع هذا نراه يكرر القول بأن الأوربيين يرفضون انتسابنا إليهم، ولا أفهم ما الذي يريده الدكتور طه أكثر وأقوى من ذلك كي يكفّ عن محاولة الالتحاق بناسٍ يكرهوننا كلَّ هذه الكراهية ويحتقروننا كلَّ هذا الاحتقار! إنه كعاشقٍ أحمقَ ولهانَ واقعٍ في غرامِ راقصةٍ من راقصات الكباريهات، ينثر كل أمواله تحت قدميها استجلابًا لرضاها، لكنها لا تزدادُ على هذا التقرب إلا عُتُوًّا واشمئزازًا وتكبّرًا، فهي تدوسُ الأموالَ المنثورةَ عند قدميها بحذائها وتركلها في وجهه، لكن صاحبنا لا يفهم ولا يحسُّ، وبدلاً من أن تفيق كرامته نراه يوغلُ في الاستعطافِ وينثرُ المزيدَ من الفلوس ويترامى بنفسه على حذائها، لعله أن يكونَ مع الحذاء أوفر حظًا منه مع صاحبة الحذاء، إلا أنه لولهه الأعمى المجنون لا يريد أن يفهم أنَّ الحذاء ليس شيئًا آخر غير صاحبةِ الحذاء، وأن الحذاء كصاحبته ليس له قلبُ.. إنه يأتمرُ بأمرها وينفذُ رغبتَهَا، وليس له إرادةٌ مستقلةٌ عن إرادتها، وهي لا تحبُّ صاحبَنَا المجنون الولهان، ومن ثم فالحذاءُ هو أيضًا لا يحبه ولا يمكن أن يحبه، كما أنها حريصةٌ على استذلاله وتحقيره بكل ما أوتيتْ من قوةٍ وجبروتٍ، بيد أنه لا يفهم! أو قل إنه يفهم جيدًا، لكنه يتصور أن إبداء مزيدٍ من الهوان والذل كفيلٌ بأن تستقيم الأمور بينه وبين معشوقته الداعرة التي لا تعرف شيئًا اسمه العطف والمرحمة!
يقول د. طه حسين، بعد أن حاول بكل ما وُهِبَ من سفسطةٍ وولعٍ بالجدل الباطل إثبات أننا نحن المصريينَ أوربيون في عقلنا وتفكيرنا (فأل الله ولا فألك يا شيخ طه! والله إنك لأزهري قد نَبَتَ لحم جسدك من خبز الأزهر والفول النابت مهما فعلتَ ومهما حاولتَ التبرؤ من جلدك ومما تحت جلدك، ومهما ألصقتَ من قشور الحضارة الأوربية فوق بَشَرَتك، ومهما مضيتَ في السخف فزعمت لمحدثيك أنَّ أسلافك الأوائل كانوا من الإغريقِ كما حكى لنا الدكتور زكي مبارك والدكتور نجيب البهبيتي )انظر كريمة زكي مبارك/ زكي مبارك ناقدًا/ دار الشعب/ 1978م/ 69، ود. نجيب محمد البهبيتي/ مدخل لدراسة التاريخ والأدب العربيين/ دار الثقافة/ الدار البيضاء/ 1398هــ- 1978م.(61/ أنت يوناني؟ أنت؟ إنما أنت صعيدي قُح، وأغلب الظن أنك عربيُّ الأصولِ، لكنك تكابر على عادتك الذميمة في العناد ومكايدة جمهور العرب والمسلمين والتقرب الغانية اللعوب التي ضَرِيَتْ على ركل عُشاقها الحمقى الولهانين بالحذاء لعلمها أنهم قد ضَرُوا بدورهم على الغرام بهذا الركل والاستزادة منه! وإلا فهل كان اسم جدك البعيد "خريستو" أو "كوستا" أو "كرامانليس" مثلاً؟ أما إن كنت يونانيًّا حقًّا رغم ذلك كله فمعناه أنَّ كلامك عن الفرعونية التي تشهرها في وجه انتمائنا العربي والإسلامي هو من باب ذر الرماد في العيون حتى لا نتنبه إلى الحقد الأسود الذي يضمره قلبك تجاه مقومات وجودنا وحضارتنا)، يقول الدكتور طه: "وأما الأوربيون فهم.. يبذلون الجهود الخِصْبة الشاقة في تحقيق الصلات بين المصريين القدماء والحضارة اليونانية التي هي أصل حضارتهم، ثم هم بعد ذلك كله يُعْرِضون عن الحقِّ ويتجاهلون هذه الأوليات، ويَرَوْن في سيرتهم وسياستهم أنَّ مصرَ جزءًا من الشرق، وأنَّ المصريين فريقٌ من الشرقيين، وليس من المهم ولا من النافع الآن أن نبحث عن مصدرِ هذا التعنت الأوربي الذي يرجع إلى السياسةِ وإلى المنافع قبل كل شيء، وإنما المهم أن نمضي في هذه الملاحظة التاريخية حتى يَثْبُت لنا في وضوحٍ وجلاءٍ أن من السخف الذي ليس بعده سخفٌ اعتبارُ مصر جزءًا من الشرق واعتبارُ العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين" (ص 28).
أرأيتم شعورًا بالنقص كهذا الشعور؟ أرأيتم انسلاخًا من الإنسان عن أصله وتنكرًا لماضيه ومجد أجداده وآبائه كهذا الانسلاخ؟ والله إنها لمهزلةٌ، فالأوربيون الذين يحاول طه حسين الالتصاق بهم يفرون منه كما يفر السليمُ من الأجربِ، لكنه يصرُّ على الترامي على أقدامهم متهمًا موقفهم بأنه سخفٌ ما بعده سخف! وفاته أنَّ كل شيء يمكن أن يتم بالإكراه ما عدا الحب، فلا يتم إلا بالتراضي! آمنَّا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا ورسولاً، وبالعربية ثقافةً وانتماءً، وبَرِئْنا من كل مَن يحاول سَلْخَنا عن شرقيتنا العربية الإسلامية وزعزعة أصولنا وإلحاقنا عبثًا وباطلاً بأوروبا وتمريغ شرفنا وكرامتنا فوق ذلك في الرَّغام والطين!
ثم إنه يقيم دعواه المنكَرةَ الزاعمةَ بأن عقلنا نحن المصريين هو عقلٌ أوروبيٌ على أساس أن اليونان كانت لها مستعمرات في بلادنا ذات يوم قبل ألف عامٍ تقريبًا من ميلاد المسيح عليه السلام (ص20)، وأُضِيفُ أنا إنها قد احتلتنا نحو ثلاثمائة سنة قيل الميلاد مما تعمَّد كاتبنا تجاهله.. أي أن طه حسين يريدُ أن يُعيدنا إلى ذلك التاريخ البعيد الذي شبع موتًا وشحب في الذاكرة بل انطمس انطماسًا! أفينبغي أن نقف عند هذه الفترة القصيرة جدًا جدًا من حياة الأمم والتي لم يعد أحد من المصريين يتذكرها أو يَذْكُرها حتى بلسانه مجرد ذِكْر، فنتعبَّد لها ونلغي كل ما سبقها ولحقها مما ينكرها وينقضها نقضًا؟ أترانا، حتى عندما كانت اليونان تحتل بلادنا، قد اعتنقنا لغتها وآمَنَّا بدينها واتخذنا عاداتها وتقاليدها وتشرَّبْنا ثقافتها وجعلناها ثقافةً لنا؟ كلا لم يقع شيء من ذلك، بل كما قلتُ: ليس هناك من بين المصريين من يتذكر شيئًا من هذه الحقبة التي يرفضها العقل المصري والشعور المصري والخلق المصري والكرامة المصرية والعزة الوطنية: لا على المستوى الحكومي ولا على المستوى الشعبي، ولا على مستوى المثقفين (اللهم إلا من تخصص منهم في تاريخ تلك الفترة من تاريخنا كما يتخصص أي واحد منا في اللغة اليابانية مثلاً أو في التاريخ الأوروبي) ولا على مستوى الجماهير، على عكس ما فعلناه مع لغةِ العرب وثقافة العرب والدين السماوي الذي حمله إلينا العرب وكثير من عادات العرب وتقاليد العرب، حتى لقد نَسِينا لا الحقبة اليونانية فقط من تاريخ مصر بل ما كنا نتكلمه من لغة وما كان آباؤنا يدينون به من دين أيضًا، اللهم إلا من بقي منا على نصرانيتهم، أما من كان يدين بالعجل أبيس أو الإله أوزوريس أو آمون أو آتون فذهبوا إلى غير رجعةٍ في بطون التاريخ غير مأسوف عليهم من أحد، لا أعاد الله شيئًا من تلك الأديان بعد أن ذُقنا حلاوةَ التوحيد ونهلنا من دين محمد.
وبالمناسبة فالنصرانية ليست دينًا مصريًّا، بل هي دينٌ وافدٌ على بلادنا، كما أن الإسلامَ دينٌ وافدٌ من الجزيرة العربية، التي نزل فيها الوحي على محمد- عليه السلام-، وكل ما في الأمر (وهذا هو المهم، وهو الفيصل الحاسم) أن الذين اعتنقوا دين محمد هم الأغلبية الساحقة، على حين أن الذين ظلوا يتمسكون بدين النصرانية هم الأقلية، وكلا الفريقين مصري صميم له احترامه وحقه في أن يؤمن بما يقتنع لدين به.