أُعلن في بغداد عن تشكيل أول حكومة عراقية في ظل الاحتلال الأمريكي، وجاء تشكيل هذه الحكومة بصيغة عرقية ومذهبية تُشبه ما تَمَّ إنتاجه في مجلس الحكم الانتقالي، فاحتل الشعة ثلاث عشرة حقيبةً وزاريةً والسُّنة خمس حقائب والأكراد خمس حقائب، والمسيحيون والتركمان كل منهما حقيبة واحدة.
وقد لُوحظ في تشكيل هذه الحكومة غير المتجانسة عرقيًّا وسياسيًّا ومذهبيًّا عدة أمور، أهمها أنها صورة مكررة للطائفية والمذهبية التي عليها مجلس الحكم الانتقالي؛ مما يعكس إصرارًا أمريكيًّا على أن تكون هذه الصيغة هي الأساس الجديد للحكم في العراق، ويؤكد ذلك مخاوف بعض العراقيين من أن تكرس الطائفية في الدستور الجديد يُعيد إنتاج الحالة اللبنانية في الحكم في العراق.
ولا شك أن تكريس الطائفية في نظام الحكم في العراق في ظل الاحتلال الأمريكي سيخل بالأسس التي قامت عليها الدولة العراقية الحديثة في العشرينيات من القرن الماضي إذ أنه يهدف إلى رفع بعض الطوائف والأعراق لقبول التعاون بالتعاون والتعامل مع الأمريكيين كما تهدف لرفع الآخر للتربص والغصب، والملاحظ منذ مؤتمر لندن للمعارضة العراقية قبل الحرب وجود اتجاه أمريكي لإعطاء الشيعة وزنًا سياسيًّا كبيرًا للبعض بحجة مراعاة عددهم، وطمعًا في تعاونهم كما سبق لتلافي انخراطهم في المقاومة ولدفع الآخرين للصدام معهم.
![]() |
|
محمد باقر الحكيم |
الأمر الآخر: أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة جاء متزامنًا مع حدثين من الضروري الالتفات إليهما، أولهما: أنه جاء عقب اغتيال "محمد باقر الحكيم" زعيم المجلس الأعلى للثورة الأمريكية، والكشف السريع المريب عن المتهمين باغتياله، وهو ما يعكس اتجاهًا أمريكيًّا للتغطية على حادث الاغتيال المفجع بنبأ كبير يسرق الأضواء والاهتمامات عن غضب الشيعة وأحزانهم على اغتيال أحد الزعماء البارزين، ودق الأجراس الأمريكية بضرورة المسارعة للحصول على الحقائب الوزارية
ثانيهما: أن تشكيل الوزارة الجديدة التي جاءت بدون رئيس والتي سيكون رئيسها هو رئيس المجلس الانتقالي، والذي سيتولاه هذا الشهر "أحمد الجلبي" الشخصية الأمريكية القريبة للغاية من الأمريكيين والبنتاجون، ومعنى هذا أن "الجلبي" أو رجل أمريكا الهام في العراق هو الذي سيمسك في هذا الشهر الهام بأزمة الأمور في العراق، ولن يجْرؤ على القيام بمغامرة ما عندما يتولى رئاسة الحكومة قد تكلف الأمريكيين الكثير، وهذه المغامرة التي يتحسب لها هي أن تضرب الحكومة على الحس الوطني العراقي، وتمارس ضغوطها على الأمريكيين للانسحاب من العراق.
الأمر الثالث: أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ضم عناصر من التكنوقراط بعدد كبير وملحوظ، وهو ما يشير إلى اتجاه أمريكي تحدث عنه البعض قبل شهور في أن الولايات المتحدة ستعتمد في إدارتها للعراق السياسية والمدنية على عناصر التكنوقراط العراقيين، وستحاول إعطائهم أدوارًا سياسيةً؛ لأنها لا تثق في النخبة السياسية الحالية في العراق حتى القريبين منها، وبالتالي ستقوم بعملية إحلال تدريجي للتكنوقراط مكان السياسيين معه إعطاء أدوار سياسية للتكنوقراط حتى يكونوا هم الطبقة السياسية الجديدة في العراق، ورغم إدراكنا أن هؤلاء التكنوقراط الموجودين في الوزارة مسيسين إلا أننا نتحدث عن اتجاه وانحراف في المسار عن الخط السياسي الحالي الموجود في العراق مازال في مرحلة البدايات والتشكيل لكنه سيكون هو الاتجاه العام إذا استمر الاحتلال الأمريكي للعراق.
![]() |
|
بول بريمر |

