اغتيل السيد "محمد باقر الحكيم" زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، مع أكثر من مائة عراقي عقب صلاة الجمعة في النجف الأشرف بواسطة سيارة مفخخة تُشبه سيارات الحراسة الخاصة بالحكيم، وقد فجَّر اغتيال الحكيم "الشخصية القوية في العراق" وفي الأوساط الشيعية، أسئلةً حول الجهة التي تقف خلف هذه العملية، والاستفادة المتحققة من استبعاد هذه القيادة الكبيرة من الساحة العراقية، وتأثير عملية الاغتيال على الأوضاع المضطربة داخل العراق في ظل الاحتلال الأمريكي.

وقد وقعت عملية الاغتيال بعد دقائق من خطبة "الحكيم" للجمعة، والتي انتقد فيها الهجمات على القوات الأمريكية والتي نسبها إلى أنصار الرئيس المخلوع "صدام حسين"، ثم كان الانفجار المروع الذي حطم أجزاء من ضريح الأمام "علي" على رؤوس المصلين، وامتد تأثيره إلى مقر الشاب الشيعي "مقتدي الصدر" وعقب الانفجار أشارت أصابع الاتهام من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية نحو أنصار الرئيس المخلوع "صدام حسين"، وانتقد البيت الأبيض الأمريكي، والحاكم الاحتلالي الأمريكي للعراق "بول بريمر"، والحكومة البريطانية، هذا الحادث، كما أصدرت المقاومة العراقية بيانًا أدانت فيه الحادث، ونفت أن تكون لها أي صلة به، كما نفى "مقتدي الصدر" وتياره الشيعي المنافس للحكيم والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية أي صلة لهم بالحادث من قريب أو بعيد.

وإذا كان الجميع تبرأ من اغتيال الحكيم، فإن وضع الحادث في سياقه، والبحث في المستفيد من هذا الاغتيال قد يميط اللثام عن الحقيقة التي يبدو أنها لن تظهر، ولن يعترف بها أحد أو ينسبها إلى نفسه.

وقد وقع هذا الحادث المأساوي بعد سلسلة من الحوادث المشابهة التي نفذت بدقة عالية، وكفاءة لم يتطرق إليها خطأ، ومعلومات استخباراتية دقيقة للغاية، وتكنولوجيا متقدمة، وتدريب راق، وتمتع المنفذون لهذا الحادث بقدرة كبيرة على الحركة والتخفي ومراقبة الهدف والوصول إليه، وظهرت هذه الخلطة العجيبة لنجاح العمليات السرية والاغتيالات في تدمير السفارة الأردنية، وتدمير مقر الأمم المتحدة، ومحاولة اغتيال "محمد سعيد الحكيم"، المرجعية الشيعية الكبير، واغتيال "محمد باقر الحكيم"، وهي عمليات يربط بينها خيط واحد لا يريد الكثيرون أن يعترفوا به أو يروه وهو الغياب الأمريكي الواضح عن محيط الحادث، فهو غياب لا يجزم بالاتهام لكنه لا ينفي الاشتباه.

وقد ناقش البعض تحديد المسئول عن الحادث من خلال البحث عن المستفيد من تغيب "الحكيم" عن الساحة العراقية، وتداول الاتهام بين ثلاث جهات هي أنصار الرئيس المخلوع "صدام حسين"، وأنصار "مقتدي الصدر"، وتنظيم القاعدة، ثم أضاف إليها "بول بريمر" الجهة الخارجية، ولعله يقصد سوريا على وجه التحديد، واستند هذا الرأي إلى أدلة واهية حاول ربطها بالصراع على المرجعية الشيعية بين الأسرتين ربما كان العراقيين "آل الصدر" و"آل الحكيم" لكن هذا التفسير التنافسي للحادث غير مقنع لاعتبارات متعدة: أهمها أن الشيعة من أنصار "الصدر" لا يمتلكون هذه الكفاءة لتنفيذ مثل هذه العملية التي تُشير الدلائل أن خلفها جهاز مخابرات يتجاوز طموحات التنافس على الحوزة في النجف، إضافةً إلى أن تيار "الصدر" ومن خلفه الشيعة يجلون المدينة ومقام الإمام "علي"، ومن المستبعد أن ينفذوا مثل هذه العملية ضد الأبرياء في هذا المكان، كما أن تيار "الصدر" يدرك أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة "الحكيم" هو التيار الأقوى بين الشيعة.

أما ما يُسمى أنصار الرئيس "صدام حسين" فإنهم أشبه بالشبح غير المحدد الذي يتهم بارتكاب كل شيء رغم أنه كيان غير معروف، وربما غير مترابط، ومن المحتمل أن يكون غير موجود بالقدر الذي يتحدث عنه الأمريكيون وغيرهم، ولكنه سيبقى (الشماعة) السهلة التي تعلق عليها العمليات الغامضة التي تهدف إلى خلق الأوراق في العراق.

أما الأطراف الخارجية التي تحدث عنها "بريمر"، فإن إيران مستبعد تمامًا من القيام بهذه العملية؛ لأن اغتيال الحكيم موجه إليها في حقيقة الأمر؛ لأن الحكيم الذي أمضى في إيران ما يقرب من 22 عامًا لا شك في أنه كان من أقرب المقربين إليها في العراق رغم الاختلاف الجزئي في الرؤى بينهما.

ومن ثَمَّ فإن مصلحة الاحتلال الأمريكي أن يتلاعب بخطوط الانقسام العرقي والثقافي والمذهبي في العراق، ويحول أسلحة العراقيين إلى بعضهم البعض، بافتعال الفتنة الطائفية، ونشير هنا إلى أن القوات الأمريكية أخلت قبل أيام النجف، وأعلنت انسحابها من المدينة، ثم سارعت عقب الاغتيال إلى الحديث عن أن قواتها لم تكن موجودة في المدينة؛ لأنها تنظر إليها على أنها مدينة مقدسة!!! كما أن الصور التي بثتها وكالات الأنباء لم يظهر في خلفيتها أي جندي من الأمريكيين حتى يبدو العمل وكأنه عراقي حالص، لكن تبقى للاحتلال شبهة قائمة في التنفيذ، أو التغاضي عن التنفيذ ومراقبة المشهد وإخراجه دون القيام بدور الممثل المحترف الذي أتقن الدور، وإن كان هناك من المراقبين من يرى إدراج الكيان الصهيوني والموساد بقائمة الاتهام بعد أن تسرب بل تدفق اليهود على العراق.. وقد فتح لهم الاحتلال البريطاني البوابة!!.