تقرير: أحمد التلاوي

في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم العربي تقريبًا هدَّد النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام- في تصريحاتٍ له قبل أيام لمجلة (دير شبيجل) الألمانية- بإقامة حكومةٍ في المنفى تعبر عن كافة ألوان الطيف السياسي السوري المعارض، بما فيه الإخوان المسلمون في سوريا الذين يتخذون من العاصمة الفرنسية باريس مقرًّا لهم.

 

هذه الخطوة من جانب خدام تعتبر نقلةً نوعيةً في العمل السياسي المعارض في العالم العربي، فباستثناء الحالة الفلسطينية- التي هي استثناءٌ من الأصل- لم يعرف العرب معارضًا سياسيًّا قام بهذه الخطوة لعواملَ عدةٍ، على رأسها سبب أولي بسيط وهو هيمنة أجهزة الأمن على العمل السياسي في العالم العربي تقريبًا، حتى إن المعارضة السياسية في الخارج لا يمكن لها أبدًا أن تخرج عن حدود معينةٍ حمراءَ، إذا ما تجاوزتها يجري استئصالها ولو بالتصفية الجسدية.

 

ولعل الحالة الأكثر بروزًا في هذا الشأن كانت حالة ليبيا في مطلع عقد الثمانينيات الماضية، حينما قام العقيد الليبي معمر القذافي بتوجيه إنذارٍ للمعارضة الليبية في الخارج، إما العودة إلى ليبيا أو التصفية، وهو ما تم بالفعل مع عدد من المعارضين الليبيين في الخارج ممن لم يستجيبوا لهذا الإنذار؛ حيث قامت اللجان الثورية الليبية وجهاز المخابرات العامة الليبية باغتيال وتصفية نشاط عددٍ من هؤلاء.

 

والحقيقة أن موقف خدام تأتي أهميته من وضعه في سياقاتٍ أخرى تتعلق بجديد مواقف المعارضة السورية، ونخصُّ هنا بالذكر الإخوان المسلمين السوريين بقيادة المراقب العام السيد صدر الدين البيانوني، الذين أحدثوا اختراقًا أكبرَ من اختراق خدام بمراحلَ طيلة عام 2005م المنصرم؛ حيث كانوا أول الداعين لخروج القوات السورية من لبنان في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 من فبراير 2005م.

 

ثم وفي أبريل الماضي أيضًا دعا الإخوان في سوريا إلى عقد مؤتمر وطني شاملٍ، تشارك فيه كل التيارات السياسية بالبلاد، مع إلغاء القوانين المقيِّدة للحريات والأحكام العرفية، والاعتراف بمكونات المجتمع السوري وخصائصه، بالإضافة إلى وضع مشروعٍ وطنيٍّ لمكافحة الفساد؛ وذلك ضمن استحقاقات عدة للإصلاح السياسي والإداري وكذلك الاقتصادي الملحَّة والمطلوبة في البلاد.

 

ثم جاء نوفمبر الماضي ليحمل موقفًا جديدًا؛ حيث أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بيانًا دعت فيه لتنفيذ القرار الدولي رقم 1636 الذي يدعو دمشق للتعاون مع لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري، وأكد الإخوان في بيانهم- مخاطبين المجتمع الدولي- أهميةَ التمييز بين الشعب السوري والنظام الحاكم في دمشق وأخطائه، وأخيرًا فقد أعلن الإخوان السوريون- وهم الآن أكبر قوة سياسية معارضة لدمشقَ باعتراف الأمريكيين أنفسهم- تأييدَهم لأي تحرك سياسي يقوم به عبد الحليم خدام لإسقاط النظام السياسي السوري.

 

ولذلك يمكننا الآن أن نفهم حقيقة الموقف السوري الرسمي ومأزقه بين ضغوط متنامية من جانب معارضة داخلية ليست ضعيفةً ولم تعد مقيَّدةً بالأداة الأمنية الرسمية التي لم تعد حرةً في فعلها كما كان في الماضي- المكتب الثاني (المخابرات العسكرية) والمكتب السياسي (مباحث أمن الدولة) وغيرها- بعد اغتيال الحريري.. وبين قوى دوليةٍ ضاغطةٍ وبقوة بحيث إنها تطالب الآن باستجواب رئيس دولة الرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع أمام لجنة تحقيق يرأسها قاضي تحقيق، وليس أمام سلطة دولية يمكنها أن توازي القيمة البروتوكولية على الأقل لرئيس دولة.

 

إشكالات لبنانية

لم تقتصر السِّجالات السياسية على سوريا وحدها، بل انتقلت تلقائيًّا إلى ما كان في الماضي القريب جدًّا الفناء الخلفي لدمشق؛ حيث بدأت الخلافات ما بين حلفاء سوريا في لبنان ومعارضيها وبعض حلفائها السابقين بشكل هدَّد- بالفعل- بالعودة إلى أجواء الحرب الأهلية، فبدايةً ومنذ فترةٍ وجيزةٍ تحدثت أنباء عن وجود تدريباتٍ عسكريةٍ تُجريها الميليشيات المسلحة التابعة لحزب القوات اللبنانية المحظورة في الأردن، وهو حزبٌ ماروني يتزعمه الدكتور سمير جعجع الذي أُفرج عنه من سجون وزارة الدفاع اللبنانية مؤخرًا بعد أن سُجن في مطلع التسعينيات الماضية لتورطه في العديد من جرائم الحرب خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

 

فيما ذكر وزير الداخلية اللبناني الأسبق سليمان فرنجية- الحليف الأكبر لدمشق في لبنان- أن هناك تدريباتٍ تُجريها القوات اللبنانية في اللقلوق في أعالي منطقة جبيل بلبنان، كما ذكر أن تيار المستقبل الذي يتزعمه الآن سعد الحريري- رئيس أكبر كتلة نيابية في البلاد- يجري تدريباتٍ في الأردن أيضًا.

 

وهو ما يشير إلى عدد من الأمور: أولها أن سلاح حزب الله اللبناني وسلاح المقاومة العربية والإسلامية في لبنان- وبخاصة السلاح الفلسطيني في المخيمات وخارجها- قد أصبح محلَّ مساجلات، فأولاً بات كل طرف في لبنان ينظر لسلاح حزب الله على أنه سلاحٌ طائفي يحمي الطائفة الشيعية ومصالحها بما يوجب وجود سلاح في أيدي الطوائف الأخرى مثل الموارنة ويمثلهم حزب القوات، والسنة ويمثلهم تيار المستقبل.

 

أما سلاح المقاومة الفلسطينية فقد أصبح سلاحًا "غير شرعي" ويمثل وجوده "افتئاتًا" على سلطة الدولة اللبنانية والقانون والشرعية هناك بحسب الإملاءات الأمريكية والصهيونية على الحكومة اللبنانية الحالية، وأثير بالفعل من جانب الأمريكيين في محادثاتهم الأخيرة مع حكومة فؤاد السنيورة في لبنان، كما وُضعَ بندٌ رئيسٌ في قرارات مجلس الأمن الدولية المعنية بالملف السوري- اللبناني مثل القرارات 1559 و1595 و1636.

 

كذلك فإن الطائفية- وهي ثاني هذه الأمور- كانت وراء انسحاب الوزراء الشيعة (حزب الله وحركة أمل) من الحكومة اللبنانية بعد الدعوة لتحقيقٍ دوليٍّ في اغتيال الصحفي جبران تويني، وجاءت الضربةُ العسكرية الصهيونية في العمق اللبناني ضد اللاجئين الفلسطينيين؛ بدعوى وجود قواعد عسكرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل)، ودخول تنظيم القاعدة إلى الجنوب اللبناني بالفعل؛ حيث أعلن أبو مصعب الزرقاوي (زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) مسئوليته عن قصفة الكاتيوشا على الشمال الصهيوني قبيل ضربة بيروت الأخيرة من جانب الصهاينة ردًّا على ذلك وفق فهمٍ خاطئٍ لطبيعة الجهة التي وقفت وراء ضرب شمال الكيان لتضاف إلى تردد اسم الأردن في الشأن اللبناني أخيرًا لتؤكد ثالثًا وجودَ أبعادٍ إقليميةٍ جديدةٍ للموقف في لبنان.

 

مؤشرات مستقبلية

من خلال السلوك الأمريكي في العراق- تلفيق أي وضع سياسي للتهليل بانتصار أمريكي في العراق لسحب ما أمكن من القوات هناك- والدعوة لتحسين أوضاع الفلسطينيين في لبنان لتوطينهم بالطبع، والضغط على إيران والتغيير السياسي المرتقب في الكيان الصهيوني، واتجاه حزب كاديما الجديد ببرنامج "تسوية" للفوز في انتخابات الكيان العامة المقررة في الثامن والعشرين من مارس المقبل 2006م.. كل ذلك يشير إلى ظروف جديدةٍ قادمةٍ في المنطقة يتم بمقتضاها حصار آخر البؤر المعارضة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك دمشق وطهران، و"تطبيع" أوضاع الكيان الصهيوني في المنطقة، وضمان أمنه القومي ولو بالقوة المسلحة.