- أمريكا تجر "رِجْل" مصر في قضايا تعذيب دولية
- الحكومات الغربية تُدافع عن حقوقِ العرب والمسلمين
تقرير: أحمد التلاوي
على خلاف ما هو مفترض أن تكون عليه أطراف الأزمة فإنَّ هناك أزمةً سياسيةً حادَّةً بين عددٍ من حكوماتِ الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وبين الولاياتِ المتحدة؛ على خلفيةِ ملفٍ حقوقي وسياسي ذي طابعٍ أمني كان من الأولى أن تهتم به الحكوماتُ العربيةُ والإسلاميةُ وهو ملف معتقلي جوانتنامو وقضية فضيحة السجون السرية الأمريكية التي تكشف مؤخرًا أنَّ وكالةَ المخابراتِ المركزية الأمريكية- سيئة السمعة- تقوم بإدارتها في عددٍ من البلدانِ العربية والأوروبية وتمارس من خلالها مجموعةً من انتهاكاتِ حقوق الإنسان والتي ترقى إلى مستوى جرائم الحربِ، مع كون هذه الانتهاكات تجري في سياقِ حربٍ رسميةٍ مُعلنة من جانبِ الولايات المتحدة منذ يوم الأربعاء 12 من سبتمبر من العام 2001م بعد يوم واحد فقط من عملية مانهاتن- واشنطن التي أطاحت برموز السيادة والسيطرة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية وبهيبة الأمن القومي الأمريكي يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001م.
وعلى ذلك ومنذ الحرب الأمريكية- البريطانية على العراق في ربيع العام 2003م وما تلاها من تصدع في الجبهة الغربية داخل حلف شمال الأطلنطي وخارجه طال حتى الركن الثالث في الحرب وهو إسبانيا التي تراجعت أو تبدلت مواقفها نحو 180 درجة بعد تفجيرات مدريد في مارس من العام 2004م والتي أدَّت إلى اختفاء حكومة اليمين الإسباني المتطرف بزعامةِ حزب "الشعبي" الذي كان يقوده رئيس الوزراء السابق خوسيه ماريا أزنار وفوز الحزب الاشتراكي الإسباني بقيادة خوسيه أنطونيو ثاباتيرو رئيس الوزراء الحالي.
ولم يكن التحالف الأمريكي- الأوروبي ينقصه أزمةٌ جديدةٌ مع تضعضع أركان التحالف الهش من الأساس الذي صاغته الولايات المتحدة في العراق والذي كانت ألمانيا وفرنسا- قاطرة الاتحاد الأوروبي وأهم دولتين في أوروبا- أهم المعارضين للحرب الأمريكية البريطانية في العراق بخارجه والذي أسقط في طريقه بولندا وأوكرانيا وغيرها من الدول.
ورغم محاولات الإدارة الأمريكية لاحتواء الأزمات المتكررة في الداخل والخارج على إثْر تردي الأحوال الأمنية والسياسية في العراق وكذلك في أفغانستان وارتفاع الكلفة الاقتصادية والإنسانية للحرب على ما تُسميه الولايات المتحدة بـ"الإرهاب"، إلا أنَّ تجاوزاتِ هذه الحرب من جانب واشنطن كانت أكبر من أن يتم تجاوزها من جانبِ الشركاء الأوروبيين والأطلسيين.
خلافات ألمانيا- أمريكا
![]() |
|
المستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر |
كانت "الظاهرة الأبرز" في هذا المجال- هذه الأزمة الغربية الداخلية- هي ألمانيا؛ حيث دهمت الولايات المتحدة أزمة معها من حيث لا تحتسب واشنطن؛ حيث ظنَّت أنَّ رحيلَ الحزبِ الاشتراكي الديمقراطي الألماني بزعامة المستشار السابق جيرهارد شرويدر من الحكم لصالح حكومة يمينية بقيادةِ الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني بزعامةِ المستشارة الألمانية الحالية أنجيلا ميركيل، إلا أنه كما يبدو فإنَّ تبعات وجود الاشتراكيين الألمان في الائتلاف الحاكم حاليًا في ألمانيا وممثلاً بالأساسِ في وزير الخارجية الاشتراكي فرنك والتر شتاينماير قد أدَّى إلى تطورِ أيةِ مشكلاتٍ إلى أزمةٍ كبيرةٍ في العلاقات الألمانية- الأمريكية.
وكانت البداية هي قضية مواطن ألماني من أصلٍ لبناني ويُدعى خالد المصري كان قد تمَّ استجوابه في سوريا عن طريق الأردن بعد الحرب الأنجلو- أمريكية على أفغانستان في أكتوبر 2001م بعامين أو ثلاثة، وكان قد تمَّ اعتقاله من قِبل القوات الخاصة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية على إثرِ الحربِ، ثم تَمَّ إطلاق سراحه في يوغسلافيا وتهديده من قِبل الأمريكيين وأجهزة المخابرات التي تتعاون معهم- وكان من بينها وهذا مؤكد جهازُ المخابراتِ السوري في مرحلةٍ من المراحلِ والأردني حتى الآن- بعدم إفشاء ما مرَّ به؛ لأنَّ الاعتقالَ كان خطأً بسبب تشابه في الأسماء!! وكان من المفترض أن تقوم السلطات الأمريكية بإبلاغ الحكومة الألمانية مما أثارَ الحكومةِ الألمانيةِ الجديدة.
وكان المصري قد اعتقل على الحدودِ بين صربيا ومقدونيا؛ حيث اشتبه ضباط الحدود المقدونية في اسمه الذي يحمله أيضًا أحد المتهمين في هجمات سبتمبر 2001م واتهموه بتزوير جواز سفره، ثم قاموا بإبلاغ وكالة المخابرات الأمريكية بأنباء اعتقاله؛ وذلك في بدايات عام 2004م، ويقول المصري إنه مكث في فندق صغير في العاصمة المقدونية سكوبي لمدة 23 يومًا قبل قيام رجال ملثمين يرتدون ملابس سوداء بتخديره ووضع عصابة على عينيه واقتياده إلى أفغانستان؛ حيث احتجز لمدة خمسة أشهر.
وفي شهادته لصحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية قال المصري إن محققًا حذره في أول يوم للتحقيق في أفغانستان قائلاً: "أنت في دولة لا يعرفك أحد فيها، ولا يوجد فيها قانون، إذا فارقت الحياة سندفنك ولن يعرف أحد"، إلا أن جواز سفر خالد المصري لم يكن مزوَّرًا، وتوصل المحقون الأمريكيون إلى ضرورة إخطار الحكومة الألمانية ثم قاموا بنقل المصري إلى ألبانيا وتركوه في طريق ريفي ضيق مساء أحد الأيام، وقال المصري عن هذه اللحظات:
"طلبوا مني ألا أنظر إلى الوراء، كنت أخشى أن يطلقوا عليَّ النار من الخلف"!!
هذه القضية أثارت سخط الألمان مما دفع ميركيل إلى أن تطالب الحكومة الأمريكية بإغلاق معتقل جوانتنامو بعدما يتكشف فيه يومًا بعد يوم من انتهاكات لحقوق الإنسان، وقالت ميركيل في هذا الصدد في تصريحات لمجلة (دير شبيجل) الألمانية قُبيل زيارتها الأخيرة للولايات المتحدة: "إن هذا المعتقَل لا يجب أن يبقى على الأمد الطويل"، مؤكدةً أهمية وجود ما أسمته بـ"وسائل أخرى" للتعامل مع المعتقلين هناك.
وقد وصل عددُ المعتقلين في جوانتنامو الآن إلى 505 من مختلفِ الجنسيات ولكنهم جميعًا من المسلمين أو من أصولٍ عربية؛ وذلك بعد أن تسلَّمت بريطانيا وأستراليا وفرنسا ودولٌ غربية وعربية أخرى- كالأردن والكويت- معتقليها من هناك والذين جرى اعتقالهم من بين مقاتلي تنظيم القاعدة خلال الحرب على أفغانستان؛ حيث ميزت السلطات الأمريكية في ذلك الحين بين فئتين من الأسرى خلال حرب أفغانستان: الفئة الأولى هي أسرى حركة طالبان وجلُّهم من أفغانستان، وهؤلاء اعتبرتهم الولايات المتحدة والسلطات العسكرية فيها مقاتلين نظاميين لهم حقوق أسرى الحرب طبقًا لاتفاقياتِ جنيف الأربع لعام 1949م وهؤلاء حظي بعضهم بمحاكماتٍ مدنية أو عسكرية أو أُفرج عنهم.
أما الفئة الثانية فهم مقاتلو تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وهؤلاء غالبيتهم لم يكونوا من الأفغان بل كانوا عربًا ومسلمين من بعضِ دول أوروبا وجنوب شرق آسيا، ونقل منهم نحو 650 إلى معسكر "إكس- راي" في قاعدة خليج جوانتنامو التي تستأجر الولايات المتحدة أرضها من كوبا منذ عشراتِ الأعوام ولم تمنحهم السلطات الأمريكية أيةَ حقوقٍ وسيُحاكم بعضهم- بعد سنوات من الاحتجازِ غير القانوني- أمام القضاء العسكري الأمريكي الذي لا يزال يُطبِّق حكم الإعدام، مع حرمانِ هؤلاء من أيةِ حقوقٍ قضائيةٍ أو قانونية أو إنسانية؛ حيث اعتُقلوا لفتراتٍ طويلةٍ دون أن يلقوا محامين أو يعرفوا تُهمهم بالضبطِ وبعضهم معتقل طبقًا لقانونِ الأدلة السرية الأمريكي الذي يُتيح للسلطاتِ الأمريكية اعتقال أشخاصٍ محددين دون اطلاعهم على سببِ اعتقالهم حتى!!
شعار المخابرات المركزية الأمريكية

وطبقًا لقانون "الشاهد الجوهري" أيضًا الذي اعتُقل بموجبه سبعون من مسلمي الولايات المتحدة في صيفِ العام الماضي 2005م، وهي كلها إجراءات تورَّط فيها كل من البنتاجون.. وزارة الدفاع الأمريكية.. ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو (CIA).. ووزارة العدل الأمريكية بما فيها جهاز مكتب التحقيقات الفيدرالي أو (FBI) الذي هو جهاز مباحث وزارة العدل الأمريكية.
وربما كانت أزمة معتقل جوانتنامو هي التي دعت ميركيل خلال زيارتها الأخيرة إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا في النصف الأول من يناير الحالي إلى الضغط باتجاه تجديد فرصة الحل الدبلوماسي لملف الأزمة النووية الإيرانية.
ولعل في شهادة الرقيب الأمريكي إريك سار في كتابه "داخل الأسلاك الشائكة" حول ما يجري في معتقل جوانتنامو ما يغني عن أي وصف لما يحدث في هذا المكان الموبوء من جانب جنود الحرية الأمريكيين؛ حيث تتم ممارسة أسوأ ألوان التعذيب الجسدي والانتهاكات النفسية والجنسية بحق المعتقلين هناك بشكل طال المقدسات الدينية للمعتقلين؛ مما أطر لانتهاكات مماثلة في العراق وفي السجون السرية الأمريكية حول العالم، ويقول سار في كتابه إنه من بين الخمسمائة أو الستمائة معتقل في جوانتنامو لا يوجد سوى عشرين فقط يمكن أن يطلق عليهم اسم "إرهابيين" حتى بموجب المعايير الأمريكية!!
ملف السجون السرية
في الثالث من نوفمبر الماضي نقلت صحيفة (واشنطن بوست) أنباءً عن أنَّ الولاياتِ المتحدة استعملت مراكز اعتقال سرية في أوروبا الشرقية وأماكن أخرى من العالم لاحتجازِ مجموعات من الأشخاص مصنَّفين أمريكيًّا على أنهم "إرهابيون" مشتبه بهم دون السماح لهم بالاجتماع مع محامين مع استغلال مطارات القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا وخاصةًَ في ألمانيا لنقل هؤلاء المعتقلين أو تسليمهم إلى بلدان أخرى تمارس التعذيب في سجونها على نطاق واسع، رغم أن القانون الأمريكي يمنع تسليم المشتبه فيهم أو المعتقلين إلى بلدان مصنفة من هذا النوع من البلدان، ولكن يبدو أنَّ المخابرات الأمريكية رأت أن هذا هو الإجراء الوحيد الأخف وطأةً للالتفافِ على قانونٍ أمريكي آخر يمنع استخدام التعذيب أو العنف لانتزاعِ المعلوماتِ من هؤلاء الأشخاص.
وفي تقريرٍ لها صدر في الفترةِ القصيرة التالية على تكشف هذه المسألةِ نشرت منظمة هيومان رايتس ووتش- مراقبة حقوق الإنسان- ومقرها في نيويورك فيه معلوماتٍ مؤداها أن طائراتٍ تابعةً لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية والتي غادرت أفغانستان خلال عامي 2003م و2004م قامت برحلات مباشرة إلى مطاراتٍ في مناطق بعيدة في كل من بولندا ورومانيا وبلغاريا ومقدونيا وكوسوفو، واطلعت هيومان رايتس ووتش على سجلاَّت طيران تشير إلى أنَّ طائرةَ من طراز (بوينج- 737) مسجَّلة تحت رقم (N-313-B)- والتي كانت استخدمتها لنقل معتقلين من وإلى أوروبا وأفغانستان والشرق الأوسط- قد هبطت فعلاً في بولندا ورومانيا آتية من أفغانستان في مناسبتين خلال 2003م و2004م.
وطبقًا للتقريرِ فقد تمكَّنت هيومان رايتس ووتش من التحقق من مصداقية هذه السجلات، وحسبما تُشير إليه فقد توجَّهت الطائرة (N-313-B) من العاصمةِ الأفغانية كابول إلى مطار سزيماني في شمال شرقي بولندا قُرب مدينة سيزيتنو في مقاطعةِ وارميا مازوري في 22 سبتمبر 2003م؛ حيث توجد منشآت تدريبية كبيرة وقواعد للاستخباراتِ البولندية بالقربِ من هذا المطار ثم هبطت الطائرة في اليوم التالي في قاعدة ميخائيل كوجالنيسيانو العسكرية الجوية في رومانيا الواقعة على البحر الأسود- التي استعملت خلال العمليات في العراق وأفغانستان منذ العام 2002م- ثم تابعت رحلتها إلى المغرب ثم إلى قاعدة جوانتنامو.
وكانت مجموعةٌ مماثلةٌ من الطائرات التي تستعملها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لنقل السجناء قد هبطت في مطاراتٍ أخرى طيلة السنين الماضية في كل من الأردن ومصر والمغرب وليبيا كما في ألمانيا وسويسرا والمملكة المتحدة وأسبانيا والبرتغال ومقدونيا وقبرص واليونان وجمهورية التشيك.

وقد أكدت أطرافٌ عِدةٌ من بينها هيومان رايتس ووتش والمخابرات السويسرية والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية- وكلها فتحت تحقيقات في هذه المسألة- والسيناتور السويسري ديك مارتي ضلوع كل من حكومتي بولندا ورومانيا في مثل هذه العمليات، إضافةً إلى الحكومة المصرية حيث تفجَّرت مؤخرًا فضيحة تجسس من جانب المخابرات السويسرية على برقيات السفارة المصرية في سويسرا، وكان من بين ما اعترضته الأجهزة السويسرية برقية أرسلتها وزارة الخارجية المصرية إلى السفارة المصرية في لندن حول استجواب 23 من المعتقلين العراقيين والأفغان في قاعدة ميخائيل كوجالنيسيانو العسكرية الجوية.
وفي هذا الصدد طالب ديك مارتي- الذي يترأَّس لجنة التحقيق الأوروبية في فضيحة السجون السرية- بتتبع الفاكس المصري الذي حصلت عليه المخابرات السويسرية بعد اختراق نظام اتصالات وزارة الخارجية المصرية مع السفارات المصرية في الخارج، وأكد مارتي أن الفاكس يحمل توقيع أحمد أبو الغيط وزير الخارجية ويقدم "أول دليل حكومي موثق على وجود هذه السجون السرية"، مؤكدًا أنها "المرة الأولى" التي تأتي المعلومات عن السجون الأمريكية من دولةٍ عربية، وأعلنت وزارة الدفاع السويسرية أنها أمرت بإجراء تحقيق حول قيام صحيفة (سونتاجس بليكس) السويسرية بنشر تفصيلات رسالة الفاكس المصرية "الحكومية".
كما استشهد مارتي أيضًا بالأدلةِ بقضية رجل الدين المصري أسامة مصطفى حسن الملقب بـ"أبو عمر"، الذي قام عملاء من المخابرات المركزية الأمريكية باختطافه من مدينة ميلانو الإيطالية في عام 2003م ونقلوه جوًّا إلى مصر للتحقيقِ معه.
هذه هي بعض من ملامح أو قشور تفاصيل ملف سياسي وإنساني- من أهم ما يمكن- تفاعَل في الفترة الأخيرة، وجاءت فيه وللأسف (رِجْل) حكوماتنا "السنّية" في مصر والعالم العربي والإسلامي في مقابل أنه للأسف أيضًا فإنَّ الاعتراضاتِ جاءت من حكوماتٍ أوروبية لا علاقةَ لها بالإسلامِ أو المسلمين تدافع عن مواطنين عرب ومسلمين!!
