﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ (سورة الحج: 27)، نداء علوي تشرف به الأرض، وتهتز له جنباتها بُشرى وطربًا، ويستجيب له الخلائق من أمة محمد- صلى الله عليه وسلم، وقد أسمع الله به نُطفًا في أرحامِ الأمهاتِ وأحياء وكائنات، فكان حال الموحدين أن هرعوا مرددين: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك، والملك، لا شريك لك".

 

الكل يُلبي؛ من مشارق الأرض ومغاربها، ومن أقصاها إلى أقصاها، حتى إنه يهل علينا من عواصم الإلحادِ والحديد والنار يهل علينا آلاف الموحدين متجردين لله- عز وجل- وجهتهم واحدة، قاصدين البيت الحرام، يرددون في صعيدٍ واحد: "لبيك اللهم لبيك...".

 

الكل يقف على عرفات؛ الملوك والشعوب، الرؤساء والمرءوسون، الوزراء والغفراء، الأغنياء والفقراء... لا تيجان ولا نياشين، لا ذهبَ ولا حرير، لا دراهم ولا دنانير، ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16).

 

ويوم عرفات، ذلك المؤتمر العالمي، نفخر به نحن- المسلمين- ونفاخر به أهل الأرض جميعًا، يفيض الله تبارك وتعالى فيه من رحماته، فيتجلى للناس وينزل سبحانه إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، يجمع ملائكته فيقول: "يا ملائكتي، انظروا لعبادي، أتوني شعثًا غبرًا ضاحين، أشهدكم أني قد غفرت لهم" (أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص).

 

فاسمع أيها العالم، واشهدي أيتها الدنيا يوم أن وقف النبي- صلى الله عليه وسلم- على عرفات يخاطب الدنيا كلها؛ ليقرر أنه لا عنصرية، ولا ظلم، وطغيان؛ بل مساواة، وعدل، واحترام لكرامة الإنسان، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، "إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (أخرجه البخاري ومسلم).

 

يقول فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب في كتابه (الحج معسكر رباني) عن يوم عرفة:

"هنالك ينكشف الغطاء، وتنفتح أبواب السماء.. فيتوجه الحجاج إلى الله بقلوبٍ انزاحت عنها ظلمة الشهوات والأهواء، وأشرقت عليها الأنوار، فسمت حتى رأت الأرض ومَن عليها ذرة صغيرة، تحملها رياح القدرة، ثم سمت حتى سمعت تسبيح الملائكة بألسنة الطاعة، ثم سمت حتى تدبرت القرآن غضًّا طريًّا، كأنما نزل به الوحي أمس، وسمعت النداء من جانب القدس:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، فأجابت: لبيك اللهم لبيك!.. فرددت بطاح عرفات، وأرجاء الحرم، ورددت السموات والأرض: لبيك اللهم لبيك!.. هنالك تتنفس الإنسانية التي خنقها البارود، وعلامات الحدود، وسيد ومسود، وعبد ومعبود، وتحيا في عرفات حيث لا كبير ولا صغير، ولا عظيم ولا حقير، ولا مأمور ولا أمير، ولا غني ولا فقير.

 

هنالك تتحقق المثل العليا التي لم يعرفها الغرب، إلا في أدمغةِ الفلاسفة وبطون الأسفار، فتزول الشرور، وترتفع الأحقاد، وتعم المساواة، ويسود السلام، ويجتمع الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في صعيد واحد، لباسهم واحد، يتوجهون إلى رب واحد، ويدينون بدين واحد، ويصيحون بلسانٍ واحد: لبيك اللهم لبيك!.. هنالك تظهر المعجزة الباقية فتُطوى الأرض، ثم تُؤخذ من أطرافها، حتى تُوضع كلها في عرفاتٍ فتلقى شطآن إفريقية، بسواحل آسيا، ومدن أوروبا بأكواخ السودان، ونهر الكنج بنهر النيل، وجبال طوروس بجبال البلور، فيعرف المسلم أنَّ وطنه أوسع من أن تحده على الأرضِ جبال أو بحار، أو تمزقه على المصور ألوان فوق ألوان، أو تُفرقه في السياسةِ خرق تتميز من خرق، وأعلام تختلف عن أعلام.

 

ذلك لأنَّ وطن المسلم في القرآن، لا في الترابِ والأحجار، ولا في البحيراتِ والأنهار، ولا في الجبال والبحار.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: 10)، ما قال "إنما العرب"، ولا "إنما الأتراك"، ولا "إنما الأكراد".

 

هنالك يتفقد الإخوة إخوتهم، فيعين القوي الضعيف، ويُعطي الغني الفقير، ويُساعد العزيز الذليل، فلا ينصرفون من الحجِّ إلا وهم أقوياء أغنياء أعزاء.

 

هنالك يذكر المسلم كيف مرَّ سيد العالم- صلى الله عليه وسلم- بهذه البطاح، مهاجرًا إلى الله.. تاركًا قريته التي نشأ فيها، وقومه الذين ربي بينهم، وكيف جاء حتى وقف على "الحزورة"، فنظر إلى مكة وقال: "إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وإنك لأحب بلاد الله إليَّ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت"، ثم يستقبل هذه الصحراء الهائلة، ليس معه إلا الصديق الأعظم، يتلفت كلما سار، ليتزود بنظرةٍ من مكةَ، حتى غابت وراء الأفق الفسيح، فانطلقا يؤمان الغار.

 

هل علمت هذه البطاح أن هذا الرجل الفرد، الذي قام وحده في وجه العالم كله، يصرع باطله بقوةِ الحق، ويبدد جهالته بنور الإسلام، ويهدي ضلالته بهدي القرآن، والذي خرج من مكة مستخفيًا، سيعود إليها بعشرةِ آلاف من الأبطال المغاوير، فتفتح له مكة أبوابها، وتتهاوى عند قدميه أصنامها، ثم تعنو له الجزيرة، ثم يخضع لدينه نصف المعمورة؟

 

هل علمت هذه البطاح أن هؤلاء النفر الذين مروا بها هاربين من جبروت قريش وسلطانها، سيعزون حتى تدين لهم قريش، ثم يعزون حتى يُرثوا كسرى وقيصر في أرضيهما، ثم يعزون حتى يُرثوا الأرضَ ومن عليها، وسيكثرون حتى يبلغوا خمسمائة مليون، وسيتفرقون في الأرض داعين مجاهدين فاتحين ثم يجتمعون في عرفات حاجين منيبين ملبين: "لبيك اللهم لبيك...".

 

في عرفات تتجلى عظمة الإسلام، دين الحرية والمساواة والعلم والحضارة، ومن عرفات يسمع المسلمون داعي الله يدعو حي على الصلاة!.. حي على الفلاح!.. فيجيبون: لبيك اللهم لبيك!.. وينطلقون ليعملوا للآخرة كأنهم يموتون غدًا، ويعملون للدنيا كأنهم يعيشون أبدًا.. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة" (رواه البيهقي الترغيب والترهيب 2/324).

 

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة" ( رواه الترمذي وأحمد التاج ج2/ 160).