كتب- سمير سعيد

لاحت مؤخرًا بوادر أزمة طاقة في أوروبا بعدما أوقفت شركة "غاز بروم" الروسية للغاز الطبيعي- والتي تملكها الدولة- صادراتِها إلى أوكرانيا المجاورة (48 مليون نسمة) خلال فصل الشتاء نتيجة خلاف على الأسعار، في الوقت الذي تتولى فيه موسكو رئاسة مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى وتريد إبراز دورها مصدرًا للطاقة يمكن الاعتماد عليه. وقالت "غازبروم" الروسية إنها خفَّضت إمدادات الغاز لأوكرانيا بمقدار الربع- وهو حصتها اليومية من الواردات- بعدما رفضت كييف توقيع اتفاق جديد تدفع بموجبه أربعة أضعاف المبلغ الذي كانت تدفعه في مقابل الوقود، وكل الغاز الذي يضخ إلى أوكرانيا الآن مخصص للشحن إلى أوروبا التي تحصل على 25% من حاجاتها من الغاز من روسيا (التقديرات الروسية تقول إن أوروبا تحصل على 50% من احتياجاتها من الغاز من روسيا).

 

ويأتي قطع الإمدادات هذا بعد فشل المفاوضات بين الشركة والسلطات الأوكرانية بشأن التوصل إلى اتفاق تدفع أوكرانيا بموجبه أكثرَ من أربعة أمثال السعر الذي تدفعه حاليًا مقابل حصولها على الغاز الروسي، وتدفع حكومة كييف في الوقت الحالي 50 دولارًا لكل ألف متر مكعب في الوقت الذي يبلغ فيه سعر هذه الكمية في السوق الدولية بين 220 إلى 230 دولارًا، وتستورد أوكرانيا من روسيا ما يزيد على 47% من احتياجاتها السنوية التي تصل إلى 76 مليار متر مكعب.. أما الباقي فتقوم بتأمينه عن طريق الإنتاج المحلي بنسبة 20%، بينما تحصل على الباقي من جمهورية تركمانستان السوفيتية السابقة.

 

وقد برر الجانب الروسي قرارَه بانتهاء مدة الاتفاق المعمول به مع الجانب الأوكراني وضرورة توقيع اتفاق يتضمن مراعاة ارتفاع أسعار الغاز في السوق الدولية.

 

بداية الأزمة

وكان من المقرر أن تناقش قضية التعاون في مجال الوقود والطاقة، وبالذات موضوع توريد الغاز الروسي إلى أوكرانيا ونقله عبر أراضيها إلى دول الاتحاد الأوروبي أثناء زيارة رئيس الوزراء الروسي ميخائيل فرادكوف إلى كييف في 23 من شهر نوفمبر الماضي، إلا أن رئيس الحكومة الروسي ألغى زيارته لأوكرانيا بسبب عدم التوصل إلى اتفاقات محددة بصدد أسعار توريد الغاز لتبدأ أزمة الغاز الروسي مع أوكرانيا.

 

ومن المعروف أن روسيا تورِّد الغاز إلى أوكرانيا بسعر 50 دولارًا لكل ألف متر مكعب، وكانت شركة "غاز بروم" الروسية قد اقترحت على نظيرتها الأوكرانية "نيفط غاز أوكرانيا" رفع سعر البيع بدايةً من 1 يناير 2006 إلى 160 دولارًا لكل ألف متر مكعب، وفي نفس الوقت رفع سعر نقل الغاز عبر الأراضي الأوكرانية من 09ر1 دولارًا إلى 75ر1 دولارًا لكل ألف متر مكعب، غير أن الجانب الأوكراني لم يقبل بهذا الاقتراح، ومِن ثم شدَّدت شركة "غاز بروم" الروسية مطالبَها برفع الأسعار مرةً أخرى، وأعلن نائب رئيس الهيئة الإدارية للشركة ألكسندر ميديفيديف أن كييف فوَّتت الفرصة، والحديث لم يعد يدور حول 160 دولارًا لكل ألف متر مكعب من الغاز الروسي وإنما عن 220-230 دولارًا لكل متر مكعب، وهي الأسعار التي تتعامل بها روسيا مع دول الاتحاد الأوروبي.

 

وتجدر الإشارة إلى أن الغاز في أوكرانيا يُعتبر أقل تكلفةً مما هو عليه في أوروبا بالنسبة للسكان؛ إذ يصل في أوكرانيا إلى 36 دولارًا لكل ألف متر مكعب، ويصل في روسيا إلى 44 دولارًا لكل ألف متر مكعب, في حين أن جيران أوكرانيا يدفعون مبالغ أكبر بكثير؛ حيث تدفع بولندا 223 دولارًا لكل ألف متر مكعب من الغاز الروسي، بينما تدفع مولدافيا 112 دولارًا في الوقت الذي يكلف فيه الغاز سكان أوروبا حوالي 523 دولارًا!!

 

الموظفون الأمريكيون ومبادئ جديدة!!

 

سيرجي لافروف

وجديرٌ بالذكر أن التغيير في السياسة الروسية كانت موسكو قد أعلنته في وقت سابق لانفجار الأزمة؛ حيث أعلنت روسيا عن نية اعتماد مبادئ جديدة لسياسة التعامل مع البلدان الكائنة في الساحة السوفيتية سابقًا في الصيف الماضي عندما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إنه حانَ للبلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة أن تبدأ بإقامة علاقاتها "على أساس الممارسة العالمية"، بينما صرَّح مسئول في الرئاسة الروسية بأن موسكو بصدد تغيير سياستها تجاه البلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة؛ لأنها لا تريد الاستمرار في "دعم اقتصاد عدد من البلدان ببيع موارد الطاقة إليها بأسعار تكبِّد موسكو الخسائر"، في حين "يحصل حكامها على الرواتب من الأمريكيين"!!

 

ولم تعد موسكو منذ نهاية الصيف الماضي تتحدث عن وجود روابط قوية تجمع بلدان الاتحاد السوفيتي السابق كرابطة الثقافة والسياسة والتاريخ، وفي حقيقة الأمر فقد خرجت المنظمة التي تجمع هذه البلدان (رابطة الدول المستقلة) من حيِّز الوجود؛ لأن روسيا قسمت البلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة إلى فريقين: الأصدقاء وغير الأصدقاء، وبالنسبة لغير الأصدقاء فقد قررت روسيا رفعَ أسعار بيع الغاز إلى أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، أما بالنسبة للأصدقاء فقد وعدتهم موسكو بأنها لن ترفع أسعار الغاز إلى حدٍّ كبير.

 

كييف تسرق الغاز!!

وقد تفاعلت مشكلة الغاز الروسي إلى درجة إعلان رئيس الوزراء الأوكراني يوري يخانوروف بأن من حقّ بلاده أخذ 15% من الغاز الروسي المصدَّر عبر أراضيها إلى أوروبا.

 

وقال يخانوروف قبل أيام من مهلة رأس السنة التي حددتها موسكو لوقف تزويد كييف بالغاز في حال لم يتم الاتفاق على أسعار جديدة: "إذا صدَّرت روسيا عبر الأراضي الأوكرانية ألف متر مكعب من الغاز فإن من حق أوكرانيا أن تأخذ لنفسها 150 مترًا مكعبًا منها"، ورأى أن ذلك يُعتبر صيغةً قانونيةً؛ لأن أوكرانيا تأخذ هذه النسبة مقابل مرور الغاز على أراضيها ومقابل العمل المرافق لذلك.. حسب قوله.

 

وكان نائب رئيس إدارة شركة "غاز بروم" الروسية ألكسندر ميديفيديف قد صرح في وقت سابق بأن الشركة سترفع دعوى ضد الجانب الأوكراني في محكمة إستوكهولم في حال استقطاع 15% من الغاز الروسي، وقال ميديفيديف بهذا الشأن: "نحن مستعدون للتوجه إلى المحكمة السويدية إذا أقدمت أوكرانيا على ذلك، ولكنَّ هذا الإجراء سيكون الأخير".

 

وعلى خلفية تصريحات يخانوروف اتهمت الحكومة الروسية و"غاز بروم" أوكرانيا بسرقة الغاز الروسي المخصَّص للدول الأوروبية، مستندًا إلى تصريحات يخانوروف، وأن النقص الذي شعرت به الدول الأوروبية في إمدادات الغاز مع قطع "غاز بروم" ضخَّ الغاز المخصص لأوكرانيا جاء نتيجة "سرقة" الأخيرة لنسبة من حصة أوروبا لتعويض قطع ضخِّ الغاز عنها!!

 

الموقف الأوكراني

 

الرئيس الأوكراني والرئيس الروسي 

وفيما يتعلق بالموقف الأوكراني الرسمي فإن كييف ترفض بالكلية كل ما يتعلق بالخطوة الروسية وتعتبرها ابتزازًا، وقد حاولت كييف أكثر من مرة السعي لدى موسكو للتراجع عن قرارها الأخير أو القبول بالاقتراح الأوكراني الذي عرضه يوشينكو، والذي يقضي بأن يتم رفع أسعار الغاز الروسي بشكل تدريجي، وفي هذا الإطار كان لقاء رئيسَي الحكومتين الروسية ميخائيل فرادكوف والأوكرانية يوري يخانوروف الذي انعقد في موسكو أواخر ديسمبر الماضي، إلا أنه فشل فشلاً ذريعًا في إيجاد تسوية لهذه الأزمة.

 

أما الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو- الذي يعيش الأزمة أكثر من أي مسئول في الحكومة- فقد كان خطابُه في أغلب الأحوال متوازنًا وقدَّم أكثر من مقترح لحل الأزمة، إلا أن موسكو كانت أكثر تشددًا في المحافظة على قرار شركة "غاز بروم" رافضةً الحلول الوسطى أو إعطاء أي فرصة ليوشينكو لتحسين وضعه الذي اهتزَّ بسبب هذه الأزمة.

 

وحاول يوشينكو- من خلال تصريحاته- عدم التصعيد وإيجاد حلول وسطى لحل الأزمة، رغم تصريحه أكثر من مرة بأن الخطوة الروسية الأخيرة "لا تستند إلى أية أسس اقتصادية، وقد كانت أبرز تصريحاته ما جاء في مقابلة أجراها مع 3 قنوات تلفزيونية أوكرانية في 30 ديسمبر الماضي؛ حيث صرَّح بأنه يرى أن سعر الغاز الروسي الذي تستورده بلادُه من روسيا يجب أن يكون بحدود 80 دولارًا لكل ألف متر مكعب، و75ر1- 8ر1 دولار لكل ألف متر مكعب في 100 كلم كأجور لترانزيت الغاز الروسي المصدَّر عبر الأراضي  الأوكرانية.

 

وذكر يوشينكو أن السعر الذي تقترحه روسيا (230 دولارًا لكل ألف متر مكعب) غير مقبول بالنسبة لأوكرانيا؛ لأنه لا يستند إلى أية أسس اقتصادية على حد قوله، وردَّ يوشينكو بالإيجاب على سؤال حول إمكانية التعاون مع روسيا في حل مشاكل صعبة، قائلاً: "نعم.. إن علاقتنا ودية مع الرئيس بوتين وهو شخص يمكنني إجراء حوار معه".

 

مطلب سياسي

ورأى ساسةٌ أوكرانيون كثيرون في مطالبة شركة "غاز بروم" طلبًا سياسيًّا، وقال النائب الأوكراني ليفكو لوكيانينكو لصحيفة "كوميرسانت" الأوكرانية: إن هذا (أي طلب رفع أسعار الغاز) يرتبط بالانتخابات البرلمانية الأوكرانية المقبلة؛ حيث يفترض أن يؤدي رفع أسعار الغاز إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي الأوكراني وإلى عجز في الموازنة الأوكرانية وارتفاع معدلات التضخم، ثم ستقول روسيا إن الحكومة الأوكرانية لا تقدر على إدارة شئون البلاد، وإن مؤسسة الحكم الأوكرانية بحاجة إلى أناس جُدُد أمثال "يانوكوفيتش" رئيس الوزراء الأسبق، وإذا أعطى الأوكرانيون أصواتَهم لـ"يانوكوفيتش" وغيره من "مرشحي روسيا" للانتخابات البرلمانية فسوف تخفِّض روسيا أسعار الغاز.

 

وقد شهدت الأيام القليلة الماضية توترًا في العلاقات الدبلوماسية الروسية الأوكرانية وتبادلاً للاتهامات بين الجانبين على المستوى الرسمي والدبلوماسي، كان أبرزها وأعنفها تصريحات النائب الأول لوزير الخارجية الأوكراني أنطون بوتيكو، الذي اتَّهم روسيا يوم الإثنين 2 يناير بممارسة سياسة غير وديَّة، مؤكدًا أن روسيا ستتفكَّك!! وقال في حديث لقناة التلفزيون الأوكراني الخامسة- في تعليقه على مشكلة الغاز بين روسيا وأوكرانيا- إن "هذا عمل غير ودي وضغط اقتصادي على أوكرانيا".

 

تفكك روسيا!!

وأكد بوتيكو أن روسيا تحاول زعزعة وضع أوكرانيا الاقتصادي وجعله في حالة ميئوس منها، ويرى أن "روسيا ستتفكك عاجلاً أم آجلاً"، وأضاف أن "كل الإمبراطوريات تتفكك كما كان الحال بالنسبة للإمبراطورية الرومانية؛ ولهذا فإن الإمبراطورية الروسية ستتفكك أيضًا ولو ليس عن قريب، وما دام هذا لم يحدث فعلينا أن نبني علاقاتنا مع روسيا".

 

ومن جانبها قامت الخارجية الروسية باستدعاء القائم بأعمال سفارة أوكرانيا في موسكو ليونيد أوسافوليوك وأعلنت له عن رفض الوزارة الشديد للتصريحات التي أدلى بها النائب الأول لوزير الخارجية الأوكراني أنطون بوتيكو حول روسيا في 2 يناير الجاري، وأعلنت الخارجية الروسية أن عودته إلى التاريخ وتصريحاته بشأن مستقبل روسيا تبدو خرقاء بالنسبة لدبلوماسي رفيع المستوى مثله وتعتبر غير مقبولة بالنسبة للعلاقات الروسية الأوكرانية.

 

وأشارت أيضًا إلى عدم لباقة وبطلان ادعاءات الدبلوماسي الأوكراني بالضغط الاقتصادي الذي تمارسه روسيا على أوكرانيا من أجل زعزعة الوضع فيها، وأكد الجانب الروسي بهذا الصدد سعيَ روسيا إلى إقامة علاقات ودية مع أوكرانيا على أساس مبادئ اقتصاد السوق والمنفعة المتبادلة.

 

قرار سياسي

وإجمالاً يمكن القول بأن القرار الروسي الأخير كان قرارًا سياسيًّا أكثر منه اقتصاديًّا؛ وذلك لأنه يهدف إلى تحقيق بعض المكاسب السياسية لروسيا والموالين لها في أوكرانيا، ومنها:

- التأثير على حملة الانتخابات الأوكرانية النيابية المقرر إجراؤها في 26 مارس القادم والتي يواجه فيها الرئيس الأوكراني الحالي فيكتور يوشينكو (الذي صعد إلى السلطة في "الثورة البرتقالية" قبل عام مضى بدعم المخابرات المركزية ودول أوروبا) تحديًا صعبًا من الأحزاب المؤيدة لموسكو وعلى رأسها "حزب المناطق" بزعامة فيكتور يانوكوفيتش الحليف الأول لموسكو في أوكرانيا.

 

- خطوة تأديبية للرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو؛ نتيجةَ ولائه للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص وكرد فعل روسي على حكومة يوشينكو الذي أسقط- بتحالفه مع الغرب- الحليفَ الروسيَّ رئيس الوزراء الأوكراني السابق ومرشح الرئاسة أمام يوشينكو في انتخابات 2004م فيكتور يانوكوفيتش.

 

- خلق أزمات داخلية أوكرانية اقتصادية وإضعاف المعسكر الغربي في أوكرانيا بزعامة يوشينكو؛ حيث أدت هذه الأزمة إلى رفع أسعار الغاز بنسبة 25% والكهرباء بنسبة 20%، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي الأوكراني وإلى عجز في الموازنة الأوكرانية وارتفاع معدلات التضخم، ووضعٌ كهذا سيهزُّ حكومة يوشينكو ويصبُّ في صالح المعارضة الموالية لموسكو والتي بدأت في استغلال الأزمة لتقوية مكانتها.

 

- شق تحالف المعسكر الحاكم الموالي للغرب، وهو ما أدى بالفعل إلى زيادة الانقسامات في صفوف الجبهة التي قامت بالثورة البرتقالية والتي بدت مهددةً بانفراط عقدها.

 

- قطع الطريق على يوشينكو في محاولاته ضمَّ بلاده إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي, ومما يعنيه ذلك توسيع حدود الحلف لتشمل بلدًا كان حتى عهد قريب من أهم حلفاء موسكو بين دول الاتحاد السوفيتي سابقًا.

 

- دعم إستراتيجية بوتين الهادفة على المدى المتوسط إلى زيادة نفوذ موسكو على مسرح السياسة الخارجية الدولية من خلال مصادر الطاقة التي تتمتع بها.

 

- كما تهدف روسيا- التي تتسلم للمرة الأولى خلال هذا الشهر رئاسة الجولة الحالية لمجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى- إلى ترقية مكانها كمصدر مهم ومحوري لتوفير مصادر الطاقة, وذلك من خلال أزمة إمداد الغاز الروسي لجارتها أوكرانيا.