في الوقت الذي تبذل فيه الجهود لإقرار تعيين اللواء "نصر يوسف" وزيرًا للداخلية وإعطاءه صلاحية السيطرة على جميع الأجهزة الأمنية وتوحيدها، أصدر "عرفات" قرارًا بترقية العقيد "جبريل الرجوب" إلى رتبة العميد وتعيينه مستشارًا للأمن القومي في محاولة واضحة لكسب صراع النفوذ مع "عباس" و"دحلان".
المعروف أن "جبريل الرجوب" كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة في نفس الوقت الذي كان "دحلان" يديرالجهاز في القطاع، وقد أقيل في منتصف العام الماضي بعد تدمير مقر الجهاز في "بيوتينا" غرب رام الله ووجهت إليه اتهامات بالخيانة والجاسوسية بعد ما خرج من المقر وأصر على الاحتفاظ بأسرى من (حماس) و(الجهاد) و(شهداء الأقصى) رغم التأكد من وقوع اجتياح عسكري صهيوني لتدمير مقر الجهاز!! واتهم "الرجوب" "دحلان" بالمشاركة في ما أسماه "مؤامرة للإطاحة" به، وعقب لقائه بالرئيس "عرفات" أعلن "الرجوب" أن المنصب الجديد يشمل العضوية في مجلس الأمن القومي والذي سيشرف على إعادة صوغ الأجهزة الأمنية وأدائها ويعمل على التنسيق بين أعضاء اللجنة الرباعية لتنفيذ خطة خارطة الطريق.
واعتبر البعض داخل فتح أن هذه الخطوة تأتي في إطار (مناكفة) "عرفات" لرئيس الوزراء "عباس" الذي يطالب بتوحيد الأجهزة الأمنية تحت مظلة واحدة، وكان قد أصدر قرارًا خطيًا يفوض العقيد "دحلان" بتلك المهمة، وبذلك فإن هذا التعيين لشخص معروف عنه عداءه لـ"عباس" و"دحلان" يهدف إلى إبقاء السيطرة على الأجهزة الأمنية في يد عرفات والمقربين إليه.
فيما يرى آخرون أن قرار تعيين "الرجوب" جاء في إطار رؤيته لكيفية مواجهة الضغوط الأمريكية والصهيونية من أجل تخليه عن سيطرته على بعض الأجهزة الأمنية واستغلال النداء الأمريكي له بمساعدة عباس لتحقيق ذات الهدف، الذي يتمثل في كسب صراع النفوذ مع تيار "عباس –دحلان". وكان وزير الخارجية الأمريكي "باول" قد صرح بالقول "إنني أدعو الرئيس "عرفات" إلى العمل مع رئيس الوزراء "عباس"، وأن يوفر لرئيس الوزراء "عباس" تلك العناصر الأمنية الموجودة تحت السيطرة لتستطيع السماح بتحقيق تقدم في خريطة الطريق وإنهاء ما يسمونه الإرهاب.
ويجئ تعيين "الرجوب" المعروف هو الآخر بعلاقاته الوثيقة مع الصهاينة، والذي وجهت إليه اتهامات عديدة بالفساد كخطوة لتحقيق هذا الهدف، كما يصب في ذات الاتجاه إصداره الأوامر للأجهزة الأمنية التابعة له في قطاع غزة بمنع إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على المستعمرات والبلدات الصهيوينة، إذ قال اللواء "عبد الرزاق المجايدة" إن التعليمات التي صدرت للقوات الخاضعة لقيادته بحفظ الأمن والاستقرار في جميع المناطق ومنع الانتهاكات والهدف من وراء ذلك هو منع إطلاق قذائف الهاون والصواريخ، خصوصًا أن قطاع غزة هو المركز الرئيسي لإطلاقها باتجاه البلدات والمستعمرات الصهيونية.
وإن كان هناك فريق ثالث يرى أن ذلك القرار يجيء بالتنسيق مع الأطراف العربية والمعنية، الساعية إلى حل الخلافات بين "عرفات" وتيار "عباس"، على خلفية مطالبة الأخير بتوحيد الأجهزة الأمنية تحت مظلة أمنية واحدة من أجل استكمال الالتزامات الواردة في خطة "خارطة الطريق"، على اعتبار أن هذا القرار يعد بمثابة حل وسط بينهما. فضلاً عن أنه يعزز مواقع التيار الجديد في السلطة الفلسطينية كما يرغب الأمريكيون والصهاينة، فإنه في المحصلة الأخيرة لن يساعد "عرفات" على كسب صراع النفوذ مع تيار "عباس- دحلان"، ولعل الدليل على ذلك أن الأمريكين والصهاينة اعتبروا أن نداء "باول" كان بمثابة (زلة لسان)، وأن "عرفات" ما زال يعوق "عباس" و"دحلان" عن آداء المهمة الموكولة لهما بالقضاء على حركات المقاومة.
والتساؤل المطروح هو هل من الملائم البحث عن الحلول الوسط أو السعي إلى كسب صراعات النفوذ دون التفكير في تطوير التعامل مع الأمريكيين والصهاينة لمواجهة دوامة العنف وعدم الاستقرار؟، في الوقت الذي يطور فيه أعضاء من الكونجرس أفكارًا حول تكرار تجربة واشنطن في العراق؛ حيث يطالبون بتدخل عسكري أمريكي أو أمريكي- أطلسي في فلسطين للقضاء على حركات المقاومة وذلك بعد فشل "شارون" في القضاء عليها!!.