عقب اغتيالها الشهيد "إسماعيل أبو شنب" عاد الكيان الصهيوني إلى نهجه القائم على تحميل رئيس سلطة الحكم الذاتي "ياسر عرفات" مسؤلية العنف والعمليات الاستشهادية، وهو النَّهج الذي يحقق تصويبتين برمية واحدة، هما التغطية على العمليات الإجرامية لجيش الإحتلال من جهة، والضغط من أجل استمرار ما تسميه الإصلاحات في بنية السلطة بما يسمح بتهميش عرفات ونقل الصلاحيات إلى تيار "أبو مازن"، الذي يرتبط بشبكة علاقات وثيقة مع الصهيونيين والأمريكيين.

وبالرغم من جميع الاتهامات الموجَّهة إلى "عرفات"، خصوصًا فيما يتعلق بالمسئولية عن الفساد المستشرى في السلطة واتخاذه قرارات فردية أدَّت في نهاية المطاف إلى تولِّي "أبومازن" معظم المناصب في الحكومة الفلسطينية الجديدة، فإن الأحداث الأخيرة أثبتت أنه يحرص على إحداث حالة التوازن الصعبة بين التيار الشعبي- ممثلاً فى المقاومة-، وتيار آخر هامشي يتولَّى مقاليد السلطة في الوقت الراهن.

فبالنسبة للتيَّار الشعبي- ويظهر في موقف (حماس) وجيل الشباب في حركة (فتح) وبقية حركات المقاومة- فإنَّه يدعو إلى تبنّي نهج المقاومة ويرفض الاقتتال الداخلي، مبادرًا إلى إعلان الهدنة حين يُدرك أن المصلحة الفلسطينية تقتضي ذلك، أما تيار "أبو مازن"- الذي تمَّ تنصيبُه بمساعدة أمرييكية وصهيونية في سياق ما يسمَّى بـ(إصلاح السلطة)- فإنه يهدف إلى نزع أسلحة حركات المقاومة، وتوجد فيه عناصر تندفع نحو قتال (حماس) و(الجهاد).

ويحرص "عرفات" على إيجاد حالٍ صعبة من التوازن، من خلال دعم السلطة ومراعاة البُعد الخارجي من جهة وبين صدّ نزَعات الاقتتال الداخلي بين السلطة وحركات المقاومة ولعل هذا الدور يفسِّر تحوُّل الإدارة الأمريكية عن مقاطعة "عرفات" ومخاطبته على لسان وزير الخارجية "كولن باول" بالتعقُّل والإبقاء على خريطة الطريق والتهديد بأن عدم انصياع "عرفات" يعني إطلاق جيش الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة.

و الملاحظ أن الكيان الصهيوني بعد اغتيال "أبو شنب"- وبضوء أخضر أمريكي- رفض كل الدعوات بالالتزام بالهدنة، أو إطلاق مبادرة هدنة بشروط جديدة على اعتبار أنها ترى أن  خريطة الطريق الأمريكية لا تهدف سوى إلى القضاء على حركات المقاومة- التي تسمِّيها تنظيمات الإرهاب- وأن جيش الاحتلال سيتولَّى هذه المهمة وِفْق الخطط الموضوعة إلى أن تقوم حكومة "أبو مازن" بتنفيذها.

و يبدو أن الدعاية الصهيونية مازالت تصور أن أساس المشكلة يكمن في "عرفات" وليس في الاحتلال؛ لذلك سارعت إلى تحميله مسئولية العنف والتطورات الأخيرة فأظهر أحدث استطلاعات للرأي أنَّ 78% من الصهيونيين يعتبرون أن "عرفات" كان وراء الهجمات الاستشهادية الأخيرة، فيما توقَّع 56% تزايد الهجمات خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.

واتجهت حكومة "شارون" إلى الضغط بأساليب مختلفة على "عرفات"؛ من أجل نقل مسئولية الأجهزة الأمنية إلى رئيس الوزراء الصهيوني فاقترحت عملية نقل هذه المسئولية إلى "أبومازن" مقابل إعطاء رئيس السلطة حريةَ الحركة في الضفة وغزة، بدلاً من حصاره المستمر في المقاطعة بمدنية رام الله.

ولكن "عرفات" رفض هذا الاقتراح بطريقة غير مباشرة، عندما رفض طلبًا تقدم به "أبومازن" لنقل مسئولية أجهزة المخابرات العامة والأمن الوطنى والاستخبارات، التي تأتمر بأمر "عرفات"، واقتراح على "أبو مازن" التنسيق في إطار مجلس الأمن القومي الذي سيرأسُه "عرفات" نفسه، كان هذا الرفض ذريعةً لتزايد الهجوم الإعلامي الصهيوني على "عرفات" وفرصته أن الاستمرار في طريق الهدنة وتطوير خطط حربية ضد الشعب الفلسلطيني قد تفوق العنف المصاحب للغزو الصهيوني للبنان بدءًا من العام 1982م .

وهناك محددات لنجاح أو فشل هذا السلوك الصهيوني لعل أهمها:

أولاً: الحصول على ضغط أمريكي على رئيس السلطة الفلسطينية، وهو بدأ بالفعل بطرق تبدو وكأنها ناعمة وغير مباشرة من خلال مناشدة "عرفات" التدخل لإنقاذ خريطة الطريق، ومطالبة الدول العربية وأعضاء الرباعية في نفس الوقت الضغط على السلطة لضرب ما تسميه واشنطن (التنظيمات الإرهابية).
فضلاً عن تهديد واشنطن بأن عدم تحرك السلطة ضدَّ حركات المقاومة لا يعني سوى مزيدًا من الضوء الأخضر لجيش الاحتلال لتنفيذ مخططات حربية جديدة ضدَّ الشعب الفلسطيني.
ثانيًا: تطوير حالة التوازن داخل المجتمع الفلسطيني بطريقة تمنع الهدف من الضغوط الأمريكية والصهيونية، والذي يتمثل في وقوع حرب أهلية فلسطينية، ولعل هذا ما دفع حركة (حماس)- عقب اغتيال الشهيد "أبو شنب"- إلى دعوة حكومة "أبو مازن" إلى عدم استهداف أعضائها واعتبار الحوار هو الأساس لحلّ جميع الإشكالات إلا أن تحقيق ذلك التطوير يحتاج إلى رافعة عربية لا تتجه إلى الضغط على حركات المقاومة فقط للالتزام بالهدنة، وإنما تتوجه بمقدار من الضغط على حكومة "عباس أبومازن" لصرفها عن استهداف حركات المقاومة، والتساؤل الآن هو: هل ستهدف الجهود العربية إلى تحقيق حالة من التوازن تمنع بعض عناصر حكومة "أبو مازن" من الاندفاع الجنوني نحو قتال (حماس) و(الجهاد) أم أنها- كالعادة- ستكون بهدف سد الذرائع الصيونية، والمساعدة على المراوغة في المكان ذاته؟!