أكد د. محمد محسوب نائب ريس حزب الوسط، أن كلام المتحدث بما يعرف بلجنة الخمسين المعينة لتخريب الدستور حول إنكاره لأي علاقة بين الدين والدستور كلام عام خطير لأنه يتجاوز ما تجري عليه دساتير وقوانين العالم، ولأن من ورائه القصد بتغييرات كارثية تتعلق بالمادتين الثانية والثالثة من دستور 2012، أو على الأقل بالمادة الثالثة وحدها وترك الثانية كما هي خوفًا من رد الفعل الشعبي.


وأوضح في تدوينة عبر الفيس بوك أنه كان قد قرر ألا يعلق على أعمال لجنة تعديل الدستور.. لكن ما سمعه من المتحدث باسمها حول علاقة الدين بالدستور استثار قلمه، مشيرًا إلى أن الرجل يعلن، وكأنها الحقيقة المطلقة، "أن الدستور في كل العالم ملوش دعوة بالأديان ولا بيقبل ولا بيرفض أي دين".


وأكد محسوب أن الدساتير والقوانين تعالج ثلاثة حقوق وليس حقًا واحدًا: حق الاعتقاد وحق التعبير عن المعتقد وحق ممارسة الشعائر والتعبد، وهي تتفق في الحقين الأولين وتختلف في طريقة معالجة الحق الأخير.


وتابع: النظام القانوني الإسلامي هو الوحيد، حتى الآن على الأقل، الذي مدّ كفالة حق ممارسة الشعائر إلى الحق في الاحتكام للشرائع الخاصة في الأحوال الشخصية والدينية، وهذا الاستثناء قصره على أهل الكتاب دون غيرهم فلا يجوز التوسع فيه.


وأوضح محسوب أن العالم به مدرستان بشأن كفالة حق مباشرة الشعائر، الأولى وهي الغالبة عالميًّا: لا تقر بالأديان إلا ما تعترف به وفقًا للقانون، كإيطاليا في المادة 8 من دستورها الحالي. ويترتب على ذلك آثار قانونية منها أنه لا يُرخص بدور عبادة ولا ببناء مدارس ولا بإعطاء إعانات اجتماعية إلا للأديان المعترف بها.


وأضاف: أما المدرسة الثانية: فتتبنى الحيدة تجاه كل الأديان. ومثالها الأكبر فرنسا، وفيها يكتسب أي دين اعترافًا بمجرد الإعلان عنه دون حاجة لترخيص، وفي المقابل تحظر أي دعم مالي حكومي لأي نشاط ديني وتقيد من الميزات التي تسمح بها تحت مبرر الفصل التام بين الشأن الديني والشأن الدنيوي.


وأشار محسوب إلى أن مصر تتبنى منذ ألف وأربعمائة سنة مبدأ الأديان المعترف بما يتوافق مع نظامها القانوني، فلا تعطي ميزات بشأن ممارسة الشعائر والتعبد لأي طائفة دينية ما لم يكن معترفًا بها. كما يُلزمها تراث النظام القانوني الإسلامي بمنح الأديان السماوية حقًا إضافيًّا هو الاحتكام للشرائع الخاصة بتلك الأديان في مسألتي الأحوال الشخصية والدينية، على اعتبار أن ذلك يتصل بكفالة حق ممارسة الشعائر والتعبد.


وأكد أن مؤدى ذلك أنه لا يمكن تعديل المادة الثالثة من الدستور لتُستبدل عبارة "لغير المسلمين" بعبارة "للمصريين من المسيحيين واليهود"، لأن ذلك سيعني تلقائيًّا التزام الدولة بمنح كل الطوائف الدينية حقوق مباشرة الشعائر والتعبد، ولا يمثل ذلك خطورة كبيرة، لكن الخطورة تتمثل في منح كل طائفة دينية، سماوية أو غير سماوية، حق الاحتكام لشرائعها، وهو ما يهدم أساس الاستثناء الذي منحه النظام القانوني الإسلامي فقط للأديان السماوية، كما يهدم المنظومة القانونية للدولة بما سيترتب عليه من تشرذم النظام القانوني وتفتته بين تشريعات لا نهائية لن يتمكن القضاء من مواجهتها ومن ثم ستكون مدخلاً، ربما، لخلق قضاء ديني خاص.


واختتم حديثه قائلاً: الخلاصة أن التراث القانوني الإسلامي ضحى، في حدود ضيقة، بوحدة النظام القانوني في الأحوال الشخصية والشئون الدينية، لمصلحة زيادة مساحة كفالة حق مباشرة الشعائر والتعبد لأصحاب الأديان السماوية تمييزًا لها وتقديرًا، ولا يمكن مدّ هذه الميزة لغير تلك الأديان بما يجعلنا نفقد كل اتساق وترابط في نظامنا القانوني الذي يحكم الأحوال الشخصية والشئون الدينية.