تكررت الصدامات العنيفة الدموية بين الأكراد والتركمان في مدينة كركوك في شمال العراق، وسقط خلالها عدد من القتلى من الجانبين، ولم تستطع القوات الأمريكية وقوات الشرطة الكردية- التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني- وقف هذه الاشتباكات إلاَّ بصعوبة كبيرة، تردد خلالها سقوط قتيل من الجنود الأمريكيين وبعض عناصر الشرطة.
وقد فتحت هذه الصدامات العرقية- التي وقعت على خلفية دينية مذهبية- كثيرًا من التساؤلات حول مدى اقتراب العراق من أن تتحول ساحاته إلى معارك وحروب أهلية بين إثنياته ومذهبياته، وأن تكون الشرارة التي خرجت من مدينة "طوز خور ماتو" تدشينًا لمرحلة "العرقنة" في التاريخ العراقي المعاصر، بمعنى أن تتحول خطوط ودوائر الانقسام الشعبي والديني والعرقي إلى خطوط ملتهبه ودوائر مغلقة على الأقليات والمذهبيات والأعراق ويذوب الانتماء للدولة، وتصعد رابطة الدم والمذهبية لتشكل الانتماء الأول للمواطن العراقي.
هذه التساؤلات والمخاوف عن احتمالية دخول العراق إلى مرحلة "العرقنة" تجد مبرراتها في حالة التنوع الشاملة يشهدها المجتمع العراقي وارتباط هذا التنوع الذي يُصرُّ البعض على وصفه بالانقسام بالأطراف الخارجية والإقليمية، بمعنى أن هذا التنوع "مُسيَّس" وقابل "للتَّسيّس"، ونقل التنوع إلى مجال الانقسام الحاد، ويبدو أن قوة الدوله العراقية إبان حكم "صدام حسين" قد ضربت بقوة للحيلولة دون انتقال التنوع العرقي والمذهبي إلى ساحة القتال وإجبار الجميع على الانتماء للدوله العراقية، إلاَّ أنَّ ذلك لم يمنع من بعض الهبات في الإثنيات والمذهبيات التي شعرت بأن حقوقها مهضومة في العراق، واستغلَّت ارتخاء قبضة الدولة العراقية بعد حرب الخليج الثانية للتنفيس عن احتقاناتها فكانت انتفاضة الشيعة في الجنوب وانتفاضة الأكراد في الشمال.
لكن الشيء اللافت للانتباه بعد سقوط نظام "صدام حسين" هو حالة الفوضى وانهيار الدولة التي يعيشها العراقيون والتي لا يجد فيها المواطن الأمن والأمان، إلاَّ في إطارٍ من الحماية الحالية التي توفِّرها القبيلة أو العرق أورابطة المذهب، هذا الشعور رغم أنه يحقق الأمان والطُّمأنينة للفرد العادي، إلا إنه يفرض عليه التزامات خاصَّة في مقدماتها ضرورة الدفاع عن حياض الجماعة التي ينتمي إليها أيًّا كانت تكاليف هذا الدفاع؛ لأن خسارة المعركه مع الطرف الآخر تعني ذوبان الجماعة وانتقاص حقوقها، وربما تحولها إى مواطنيين من الدرجة الثانية؛ ولذلك كان التركمان أكثر عنفًا في هذه الصِّدامات، وتردد أنهم استخدموا الأسلحة من كل الأنواع، بما فيها المتفجرات.. واستندوا إلى سبب ظاهر في هذا العنف وهو أن التركمان الشيعة مُنِعوا من إقامة ضريح لهم من قِبَل الشرطة الكردية ومن ثمَّ كانت ثورتهم وغضبتهم، لكن الواضح أن الأمر أكبر بكثير من هذا السبب المباشر، إذ تبدو للحدث خلفيات ورواسب أشعلت هذا الاحتقان والغضب، ولعل في مقدماتها أنَّ الأقليات التي ملأت الدنيا ضجيجًا مثل الأكراد، والتى أعلنت أن نظام "صدام حسين" مارس عنفَه وديكتاتوريته عليهم حتَّى يعرِّب مدنها ولسانها حاولت هى الأخرى "تكريد" أي فرض الطابع الكردي الخالص على مدن الشمال، وهو ما يصطدم بالعرب والتركمان في الأساس.
ولعل غضبة التركمان العنيفة لا تخلو من وجود يد تركية ساعدت أو أوحت للتركمان بالقيام بهذه الأحداث، ولعل من المصادمات التي تُثير الانتباه هو تصريح "عبد الله جول" وزير الخارجيه التركي في نفس وقت المصادمات عن نية الحكومة التركية إرسال عشرة آلاف جندي تركي للعراق، ولاشك أنَّ إرسال هذا العدد الضخم من الجنود الأتراك سوف يكون في الشمال العراقي، ومطالبهم التي باتت أقرب إلى الواقع في تشكيل فيدرالية عراقية، وإن كانت هناك آراء لمعلِّقين سياسيين تقول إن الأمر لا يخلو من أصابع أمريكية تعبث وراءه، أو أن الأمر- على مستوى الصراع الأمني في العراق- يحظى بالرضا الأمريكي، فهو ساحة للصراع العراقي تصرف الذهن العراقي عن الوجود الاحتلالي الأمريكي وأيضًا تؤكد على الحاجه إلى هذا التواجد الاحتلالي وإبعاد أسباب وأشباح الفوضى والصِّدام.