رغم نفي الأنباء التي ترددت عن توقف مفاوضات السلام السودانية وفشلها وتأجيلها إلى أجل غير مسمى، فقد فشلت بالفعل الجولة الأخيرة من المفاوضات السودانية بين الحكومة وحركة التمرد في مدينة (نانيوكي) الكينية في التوصل إلى اتفاق حقيقي بشأن عدة قضايا خطيرة يصعب الاتفاق حولها مثل الشريعة والعاصمة وتوزيع المناصب والثروة ووضع الجيش السوداني وجيش حركة التمرد رغم مرور حوالي أسبوعين على التفاوض.
ولا شك أن هذا الفشل أثار المخاوف من أن يكون الفشل (مرتبًا) ومتعمدًا من جانب حركة التمرد في الجنوب، وأنه يجري بترتيب خاص مع الأمريكان لتوجيه ضربات عسكرية إلى الخرطوم وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية مشددةً، خصوصًا أن واشنطن حددت شهر أكتوبر المقبل كمهلة نهائية للتفاوض تعاقب بعدها الخرطوم.
صحيح أن المفاوضات كان من المفترض أن تستمر حتى 24 أغسطس الجاري، وتم مدها إلى 20 سبتمبر المقبل، إلا أن المفاوضات لا تزال تدور في دائرة مفرغة، والمتمردين يغالون في مطالبهم؛ لأن الوسطاء الأفارقة والغربيين يبدون غير محايدين ويطرحون اقتراحات تصب في صالح التمرد.
فمنذ انطلاق جولة المفاوضات السابعة الحالية حول (وثيقة ناكورو) المشبوهة التي وضعها الوسيط الكيني "لازار سيمبويه"، والفشل يُصاحبها بسبب تمسك الأطراف بمواقفها وعجز الوسطاء في الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد) في إيجاد حلول توفيقية لاعتماد جدول أعمال يُرضي الحكومة ومحاربيها في حركة التمرد (الحركة الشعبية لتحرير السودان) بزعامة الدكتور "جون قرنق".
وبينما كان زعيم المتمردين "قرنق" يقضي إجازته في مدينة الغردقة الساحلية المصرية على البحر الأحمر هو وأسرته، ويصرح لصحف القاهرة أنه لن يرضى بأقل من رئاسة السودان جنبًا إلى جنب مع الرئيس السوداني "عمر البشير" رافضًا حتى اقتراح الوسطاء بتعيينه نائبًا للرئيس، كان فريق التفاوض التابع له في كينيا يتفنن بكل الأشكال لمد أجل التفاوض ورفض أية تنازلات لا تتضمن- وفق مطالبهم- قسمة عوائد بترول السودان بين الشمال والجنوب، والإبقاء على جيش التمرد كما هو بجوار الجيش الحكومي ووزير دفاعه، إضافةً إلى المطالبة بإلغاء تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في العاصمة الخرطوم تحت دعاوى تحويلها إلى عاصمة قومية أو "علمانية"- بمعنى أدق- حيث أكَّد زعيم التمرد رفضه "بواسطة دين معين" ويقصد الإسلام!!.
استئناف القتال والتدخل الأمريكي وارد:
وخطورة وقف المفاوضات وفشل هذه الجولة السابعة وتأجيل التفاوض إلى أجل غير مسمى أن كِلا الطرفين هدَّد باللجوء إلى القوة المسلحة مرةً أخرى، وهدَّد المتمردون بفتح ما أسموه (8) جبهات قتال ضد الحكومة السودانية، فيما هدَّد الأمريكان بعقاب الحكومة السودانية وأمهلوها حتى أكتوبر المقبل للقبول بأي اتفاق.
فقد نقلت صحيفة "الصحافة" المستقلة السودانية في أوائل أغسطس الجاري عن "جون بريندرغاست" المستشار الخاص للمجموعة الدولية للأزمات المقربة جدًا من المفاوضات السودانية قوله بأنه "يتعين على الطرفين مواجهة عواقب وخيمة في حال فشل المفاوضات الجارية".
وقال: إن الإدارة الأمريكية حددت أكتوبر المقبل موعدًا أقصى للتوصل إلى اتفاق وإلا ستعمد إلى تفعيل ما يُسمى (قانون سلام السودان) الذي يفرض عقوبات على هذا البلد، وأضاف أن الولايات المتحدة ستقطع علاقاتها مع "الحركة الشعبية"، كما ستفرض عقوبات عليها إذا كانت السبب في إفشال المفاوضات، كما أنها ستطبق قانون (سلام السودان) إذا كانت حكومة الخرطوم هي المسؤولة عن ذلك".
والمشكلة هنا أن واشنطن تحمل دومًا حكومة الخرطوم المسئولية عن فشل المفاوضات، كما أن موقف الخرطوم الرافض من البداية لاعتماد وثيقة "ناكورو" أساسًا للتفاوض بسبب تعارضها مع ما سبق الاتفاق حوله في (ماشاكوس)، كما أن خمسة دول من دول منظمة (الإيجاد) معروفة بعدائها للسودان، وتسعى لإظهار الخرطوم كسبب لفشل المفاوضات رغم أن دولتي إثيوبيا وكينيا أعلنتا تحفظهما على وثيقة "ناكورو" نفسها.
نقاط الخلاف:
ومع أن المصادر السودانية تؤكد أنه تم الاتفاق على قرابة 80% من نقاط الخلاف بين الحكومة والمتمردين، خصوصًا الفترة الانتقالية وتوزيع المناصب الحكومية والثروة، وأن ما تبقى هو فقط 20%، إلا أن نقاط الخلاف الرئيسية بين الخرطوم والمتمردين المتبقية أكثر خطورةً وصعوبةً، كما أن المتمردين سعوا لوضع المزيد من الشروط والعقبات وفرتها لهم وثيقة "ناكورو"- رغم أنها مجرد إطار للتفاوض، إلا أن المتمردين تمسكوا بها وأثاروا الدنيا لاتهام الخرطوم بأنها لا تقبل الوثيقة!.
فماذا تقول الوثيقة (ناكورو) المتنازع عليها؟!
باختصار تقترح الوثيقة إنشاء جيش خاص بالجنوب للمتمردين وبنك مركزي جنوبي، مع تعيين أحد قادة التمرد "جون قرنق" نائبًا للرئيس السوداني "عمر البشير" يكون له الحق في الفيتو "الاعتراض" والمشاركة فيما يخص إعلان الحرب وتحركات الجيش السوداني، ودعوة وحل البرلمان، والتعيين في الوظائف الدستورية الكبرى!.
أما الأخطر فهو اعتبار الخرطوم "عاصمة قومية" وهذه التسمية غامضة، وتعني بوضوح أن يتم إلغاء تطبيق وقوانين الشريعة الإسلامية في الخرطوم وتحويلها إلى عاصمة علمانية بدعوى وجود بضعة آلاف من المسيحيين فيها ومن غير المسلمين!.
والمشكلة الكبرى أن الوثيقة- المكتوبة باللغة الإنجليزية- يجري تفسيرها من الطرفين على طريقة قرار مجلس الأمن رقم 242 المتعلق بالقضية الفلسطينية، والذي يعتبره الفلسطينيون أنه نص على الانسحاب من (كل) الأراضي الفلسطينية، فيما يتلاعب به الصهاينة ويقولون إنه ينص على الانسحاب من (أراض) وليس (كل الأراضي)!.
فالخرطوم تعتبر أن الوثيقة تُعطي المتمردين الحق في الانفصال عمليًا بدل خيار الوحدة، بسماحها بوجود وزيري دفاع شمالي وجنوبي يرأس كل منهما جيش مختلف (شمالي وجنوبي)، كما تعطيهم الحق في إنشاء بنك مركزي مستقل في الجنوب، وربما التعامل بعملة أخرى غير العملة السودانية.
وبالمقابل ينفي المتمردون ذلك، ويقول زعيمهم "قرنق"- في حوار مع مجلة المصور الحكومية المصرية 21 أغسطس الجاري-: إنه ليس صحيحًا أنه سيكون هناك بنك مركزي جنوبي مستقل، ولكن بنك موحد و(سلطة نقدية موحدة ممثلة بالبنك المركزي السوداني)، ولكن سيكون هناك أيضًا (بنك مركزي لجنوب السودان) سيكون تابعًا للبنك المركزي السوداني الحكومي لتوفير الاحتياجات المالية لمدن الجنوب السوداني".
والمشكلة هنا أن هذا البنك المركزي للجنوب سيكون مستقلاً عمليًا في الفترة الانتقالية- وهي أربعة سنوات- ما يعني تعزيز الانفصال، خصوصًا أنهم يطالبون بعُملة سودانية جديدة موحدة للسودان كله.
أيضًا لا ينفي المتمردون أنهم يسعون لإيجاد جيشين ووزيري دفاع في السودان الجديد الانتقالي، ولكنهم يقولون إنه لابد من تعيين (وزير مسئول عن الجيش الشعبي)- كما تنص "وثيقة ناكورو"- وهذا الوزير سيكون بالطبع وزير دفاع لجيش التمرد يختلف عن وزير دفاع الجيش الوداني الحالي القومي!.
مصر تتدخل:
وقد تدخلت مصر بالفعل في المفاوضات عقب ظهور "وثيقة ناكورو" وأعلنت رفضها لها لأنها تكرس الانفصال الذي تخشاه مصر ليس لأنه يؤثر على المياه التي سيتحكم فيها الجنوبيون، ولكن لأنه يضر بأمنها القومي ويهدده، وأعلن وزير الخارجية المصري بوضوح رفض مصر للوثيقة.
كما لعبت القاهرة دورًا في إقناع الطرف الكيني الذي يدير المفاوضات على أرضه برفض هذه الوثيقة، الأمر الذي دفع وزير الخارجية الكيني للإعلان من القاهرة في زيارته الأخيرة أن الوثيقة قابلة للتعديل، مما أدَّى لتليين موقف الحكومة وقبولها الحضور للمفاوضات رغم رفضها لها في البداية وإعلانها أنها لن تحضر ولن تقبل الوثيقة.
ويبدو أن هذا الموقف المصري قد أعطى دفعةً للموقف السوداني، وأعاد القاهرة إلى الحضور القوي في القضية السودانية بعدما سبق أن اختارت الابتعاد أثناء مفاوضات "ماشاكوس" غضبًا من الحديث – في اتفاق "ماشاكوس"- عن حق الجنوبيين في حق تقرير المصير وتفسيره على أنه قد يقود إلى الانفصال.
كما أن تصريح وزير الخارجية الكيني عقب زيارته لمصر بإمكانية إحداث تعديلات على وثيقة (ناكورو) قد أزعج حركة التمرد بشدة ودفعها إلى طلب تأجيل المفاوضات عدة أيام حتى يعيد ترتيب أوراقه والسعي للإيهام أن الخرطوم تعطل المفاوضات وأنها سبب فشلها حتى تعطي الفرصة لواشنطن لضرب السودان خصوصًا في ظل ورود أنباء عن وضع واشنطن الخرطوم على لائحة المطلوب ضربهم.
ففي الثاني من يوليه الماضي 2003م نشر موقع سراتفور (sratfor) الإخباري الاستراتيجي تقريرًا يعتمد على معلومات استخبارية أمريكية يؤكد أن الهجوم الأمريكي القادم (بعد أفغانستان والعراق) سوف يكون في السودان، وسينطلق من جيبوتي حيث قاعدة أمريكية تنطلق منها القوات.
وقال التقرير: إن الهجوم المرتقب لن يكون ضد الحكومة السودانية بشكل مباشر، ولكن ضد قواعد إرهابية في غرب السودان، ضمن عملية سرية ضد الإرهاب في أفريقيا، وأن هذا الهجوم سيكون (جزءًا من اندفاعة أكبر في الصيف لمطاردة خلايا القاعدة في أفريقيا وأماكن أخرى قبل أن تتوفر لهم الفرصة لشن هجوم على الأراضي الأمريكية، وضد منشآت أمريكية في الخارج.
فهل تفشل مفاوضات الجنوب خصوصًا أن المطالب المفروضة على الخرطوم صعبة وتتضمن تخليًا عن الشريعة وعن وحدة الجيش وتمس سلطة رئيس الدولة؟! وهل يستغل المتمردون ذلك في تصوير الخرطوم على أنها غير متعاونة وأنها سبب فشل المفاوضات؟!
وهل ينتهي الأمر بضرب السودان عقب فرض سلسلة عقوبات عليه كما جرى للعراق؟!.