الأخبار الواردة من الجماهيرية الليبية الاشتراكية العُظمى ومن نيويورك تقول إن الجماهيرية العظمى... إلخ وجَّهت رسالةً إلى الأُمم المتحدة تعلن فيها مسئوليتها الجنائية عن حادث تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكيربي "بانجلترا" عام1989م، ومقتل العشرات من الركاب الذين كانوا على متنها، كما تقول الأنباء إن ليبيا وأمريكا توصَّلتا إلى اتِّفاق تدفع ليبيا بمقتضاه 2.7 مليار دولار كتعويضات لأسر ضحايا الطائرة، وذلك نظير قيام أمريكا وبريطانيا باتخاذ الإجراءات الكفيلة برفع العقوبات المفروضة على ليبيا.

لفت انتباهي- وأنا أسمع أخبار اليوم (السادس عشر من أغسطس)، عبر إذاعة إحدى الدول غير العربية- إجابة مسئول ليبيّ عن سؤال زكيّ، وجهه إليه المذيع، فحواه: هل هناك ضمانات لدى ليبيا تكفل لها قيام أمريكا باتخاذ الإجراءات والخطوات الكفيلة برفع العقوبات عنها، ونهوضها بما تأمله ليبيا من وراء الاتفاق وعدم الدخول بليبيا فى متاهات وأزمات جديدة، بعد اعترافها الصريح بمسئوليتها الجنائية عن الحادث والذي سلمته للأمم المتحدة؟
المفاجأة تمثلت في إجابة المسئول الليبي الهمام، الذي قال إن ليبيا تثِق في عهود ووعود وكلام المسئولين الأمريكيين!!... الأمر الذي يعني أن ليبيا وضعت الرأس والأيدي والأقدام في قفص الاعتراف بارتكاب الجريمة والمسئولية الكاملة عنها، دون أيّ ضمانات أمريكية وبريطانيَّة تَحُول دون إغلاق بابه وإحكام إغلاقه!!
ثمَّة أكثر من ملحوظة تضعنا أمام ما يشبه "السذاجة" التي صار يتَّسم بها الموقف الرسمي لحكام عرب حين يجدون أنفسهم أمام "الغول" الأمريكي، الذي ازداد استغلالاً بعد أحداث سبتمبر2001م، فلا يتمخض موقفهم إلا عن التسليم أو الاستلام، وكأنهم لا يدرون أن التسليم أو الاستسلام في موقف إنما يقود إلى مزيد من التسليم أو الاستسلام في نفس الموقف، وأيضًا في المواقف الأخرى.

كأتي بالمسئول الليبي لا يدري ولا يدرك ولا يقرأ شيئًا عن الوعود البريطانية والأمريكية للعرب والمسلمين، منذ أن وطأت أقدام المستعمر البريطاني أرض العرب والمسلمين، ومنذ أن وقعت أمريكا بجحافلها وجيوشها على أرض العرب والمسلمين في الحرب الثانية.. حتى اليوم.

لقد بدا المسئول الليبي وكأنه لا يدري شيئًا عما حدث ويحدث في فلسطين منذ أن فتحت بريطانيا- التي تولت الانتداب عليها في أوائل القرن العشرين- الأبواب أمام فلول اليهود لتتدفق على القطر العربي من كل حدب وصوب بعد أن منحتهم وعدًا بإنشاء دولة لهم على أرضه وعلى حساب شعبه، ثم تولت أمريكا دعم الكيان الدخيل الغاصب منذ أواخر الأربعينيات حتى اليوم، وانحازت إلى الصهيونيين في تجريد العرب من كافة حقوقهم ومساعدة اليهود لاغتصاب كل أرضهم، مع إطلاق الوعود والتصريحات الكاذبة للتخدير.. حتى يتم اقتطاع وهضم كل الأرض الفلسطينية وتمكين اليهود من الامتداد شرقًا وغربًا وشمالاً ليُقيموا الوطن القومي المزعوم على أشلاء وأطلاء كل العرب والمسلمين.

المسئول الليبي بدا وكأنه يعيش في عالم منعزل عما جرى ويجري في العراق، من تدمير وتخريب وقتل وإزهاق أمريكي لأرواح أبناء الشعب العراقي، في ظلِّ وعود وتصريحات المسئولين الأمريكيين، التي لم يحظَ وعدٌ أو تصريحٌ فيها بالوفاء أو التنفيذ.

أمَّا ما حاقَ وحلّ بأفغانستان.. من دمار وقتل وقهر وإرهاب أمريكي.. فلعله هو الآخر لم يصل إلى مسامع المسئولين الليبيين، الذين أعلنوا المسئولية عن قتل وإبادة270 من الركاب الذين كانوا على متن طائرة لوكيربي1989م، وقبلوا أن تدفع ليبيا من أموال الشعب الليبي القادح 2.7 مليار دولار، هذا أولى بها لتصحيح مسار اقتصادها الذي حل به الخراب, وإنعاش مدنه وقُراه التي حلَّ بها الفقْر.

المضحك أن التصريحات الأمريكية البريطانية التي أطلقها المسئولون الأمريكيون أو البريطانيون مع تقديم ليبيا لاعترافها بمسئوليتها الجنائية عن حادث لوكيربي قالت إن الاعتراف الليبي ليس صريحًا، كما أن أمريكا مستعدة للنظر في رفع العقوبات عن ليبيا بعد وصول مبالغ التعويض الليبي لأسر ضحايا لوكيربي.

المضحك أيضًا أن المسئوليين الليبيين وصفوا فرنسا بالانتهازية، حين أعلنت مصادر فرنسية أنها لن توافق على رفع العقوبات عن ليبيا، إلاَّ إذا سادت في التعويضات بين ضحايا لوكيربي وضحايا طائرة فرنسية سقطت فوق النيجر، واتهم قادة الجماهيرية بأنهم كانوا وراء تفجيرها وقبلوا دفع تعويضات لفرنسا تبلغ حوالي 33 مليون دولار، وكثير من المؤشرات تقول إن المسئولين في الجماهيرية العظمى لن يترددوا في رفع التعويضات لفرنسا لتصل إلى مستوى تعويضاتهم لأمريكا، فالبترول يتدفق، والموارد تدفع كتعويضات، والشعب يتحمل، ولك الله يا فلسطين.. ويا قدس..!!