يبدو أن الزعيم الليبي "معمر القذافي" قرر خوض مغامرة جديدة على غرار تصريحاته ومواقفه الصادمة للكثيرين، والتي تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وذلك بإلقاء الأحجار التي يملكها في جعبته لتحريك المياه الراكدة منذ زمن طويل في العلاقات الليبية الأمريكية.
فقد أدلى "القذافي" منذ أيام بتصريحات يشير مجملها إلى تحول جذري في السياسة الليبية الخارجية نحو الولايات المتحدة والغرب، إذ قرر هذا (الزعيم) أن يُحصل ما فاته في العلاقة مع واشنطن بالسير السريع نحوها وعلى دربها وفق شروطها، وبكلمات من الغزل السياسي، ومحاولة لفت الانتباه الأمريكي إلى ليبيا وإغراء واشنطن بالتعامل معها، ونسيان الماضي بينهما.
فأكد "القذافي" أن بلاده مستعدة لتقبل المسئولية القانونية عن حادث "لوكيربي"، الذي وقع قبل 15 عامًا، ودفع 2.7 مليار دولار كتعويضات لأسر ضحايا الطائرة المنكوبة، ولم يكتف بذلك، بل بشّر بنظام عالمي جديد تكون فيه أمريكا والولايات المتحدة حليفتين في الحرب ضد الإرهاب، وأكد أن ليبيا ستكون أفضل صديق لأمريكا من أي بلد نفطي آخر (يقصد السعودية)، وقال: "لا مصلحة لنا في معاداة دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، وإذا كنّا في خصام مع أمريكا سنكون الطرف الخاسر.
والواقع أن هذه الغزل للولايات المتحدة ليس جديدًا، ولكن سبقه غزل آخر منذ وقوع 11 سبتمبر، ولجوء الولايات المتحدة إلى شنِّ حرب دولية على ما يُسمى بالإرهاب، ثم شن الولايات المتحدة الولايات المتحدة حربها على العراق وإسقاطها لنظام "صدام حسين" واحتلالها العراق، وقد قرأ "القذافي" هذه التطورات وأدرك معها أن كثيرًا من الاتهامات والمبررات والذرائع الأمريكية التي استخدمتها واشنطن لشن هاتين الحربين تنطبق على ليبيا في ادعاءات رعايتها للإرهاب واحتلالها لمكان ثابت في قائمة الإرهاب الأمريكية، وادعاءات امتلاكها أسلحة الدمار الشامل، ومن ثم فإنها قد تصبح هدفًا أمريكيًا مستقبليًا، وأن استمرارها على سياستها السابقة المناوئة للولايات المتحدة سيضعها في دائرة الاستهداف والتصويب، لذلك عدَّل "القذافي" خطابه السياسي الخارجي، وحاول لفت انتباه واشنطن إلى أنه يتغير بسرعة حتى في سياساته الداخلية وإرسال الرسائل المتكررة لواشنطن بهذا المضمون؛ لأن العصا الأمريكية التي ضُرب بها "صدام" كانت إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة تتبنى منطق القوة في التعامل مع خصومها المناوئين.
وتضمنت الرسائل التي بعث بها "القذافي" للولايات المتحدة رغبةً في التعامل مع واشنطن، وإغلاق الصفحات السابقة في علاقات البلدين من توتر وعنف، والتي بلغت ذروتها بشن الولايات المتحدة غارات جوية عام 1986م استهدفت "القذافي" نفسه، ففي يناير 2003م أعلن "القذافي" لمجلة "نيويورك تايمز" عن وجود تعاون ليبي أمريكي للقضاء على تنظيم القاعدة، وأعرب عن تفاؤله بمستقبل العلاقات بين البلدين، وفي تصريحات أخرى أعلن "انتهاء الصراع مع الإمبريالية الأمريكية، وبدء مرحلة من التعاون وانتهاء مرحلة السلاح والبندقية"، كما وصف "بوش" الابن عقب أحداث سبتمبر بأنه "مثل أبيه طيب، وليس شريرًا".
وعلى الصعيد السياسي الداخلي انتهج النظام بعض السياسات الانفتاحية نحو خصخصة القطاع العام والاعتراف بفشل تجربته، والاتجاه نحو اقتصاديات السوق، وإعطاء هامش من الحريات تمثَّل في تبني ابن القذافي المُسمى "سيف الإسلام" تأسيس مؤسسة خيرية عالمية، وقيادته لحملة دولية لمكافحة التعذيب تحت شعار "لا للتعذيب"، ثم اختيار ليبيا لرئاسة لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة 2003م، وإعلان وزارة العدل الليبية استعدادها لحل جميع مشاكل الليبيين الموجودين بالخارج، ودعوتها للمقيمين في الخارج للعودة بحرية، وإعلان الوزارة عن الانتهاء من تطوير قانون العقوبات الليبي الذي يقدر ويقرر حرية الإنسان، وإصدار قوانين تنظم المطبوعات – في الفترة المقبلة-، وتتيح مساحةً أكبر لحرية الصحافة والنشر.
ويبدو أن الولايات المتحدة قرأت الرسالة الليبية، وفهمت مغازلة "القذافي" لها، ويتوقع مراقبون أن تسفر المفاوضات الحالية بين ليبيا وبريطانيا والولايات المتحدة عن تسوية الأزمة الليبية، وإسقاط اسم ليبيا من قائمة الدول المساندة للإرهاب واحتمال رفع العقوبات عن ليبيا، والتي كلفت الاقتصاد الليبي ما يقرب من 30مليار دولار.. وإن كان هناك مراقبون آخرون يرون أن اعتراف "القذافي" بالمسئولية عن حادث لوكيربي هو بمثابة سيف أمريكي بريطاني يظل مسلطًا على عنق العقيد في أي وقت، ولتحقيق المزيد من الأهداف والأغراض الأمريكية والإنجليزية دونما مقابل.
إن مشكلة النظم السياسية العربية- بعد أحداث سبتمبر خاصةً- أنها تحاول الاقتراب أكثر وأكثر من الولايات المتحدة، وتنفيذ مطالبها دون أن تفكر في الاقتراب من شعوبها ومحاولة بناء جسور من الثقة معها، ولعل السبب في ذلك أن الزعيم والقائد الذي يوضع في دائرة الاستهداف الأمريكية قلما ينجو من العقاب الأمريكي الصارم، أما الشعوب فإنها تريد الحرية والعدل والديمقراطية والمساواة، وهي مطالب لا تستطيع هذه القيادات أن توفرها وإلا تخلت عن مقاعد الحكم ومغانمه.