أعاد هروب الطاغية التونسي زين العابدين بن علي وسقوط نظامه القعمي والاستبدادي، والذي سيطر عليه الفساد، مسلسل سقوط الطغاة في العالم؛ حيث تشابهت النهايات، رغم اختلاف البدايات، وانتصرت إرادة الشعوب.

 

وبالعودة إلى سجلاَّت التاريخ سنجد صفحةً باسم محمد رضا بهلوي شاه إيران، ففي شهر يناير عام 1979 خرج الشاه من إيران في 16 يناير عام 1979م مطرودًا من شعبه، يبحث عن بلدٍ يستقبله بعدما أذاق شعبه الهوان والاستبداد عشرات السنين.

 

المثير أن ذلك الملك الطاغية الذي فرَّ هاربًا كان يُلقِّب نفسه بـ"ملك الملوك"، وكان يتفاخر بولائه لأمريكا وبريطانيا وخضوعه لهما، ورغم أنه كان عميلاً لهم فإنهم لم ينصفوه؛ حيث فُوجئ بأن البريطانيين يبلغونه بأنه شخصٌ غير مرغوب فيه، وقد كشفت الوثائق البريطانية التي أفرج عنها خلال الأيام الماضية أن شاه إيران تقدَّم بطلبٍ إلى الحكومة البريطانية التي كان يرأسها جيمس كالاهان- في ذلك الوقت- يطلب فيه اللجوء بعائلته لديها، ولكن جيمس كالاهان رئيس الوزراء البريطاني رفض ذلك، مثله مثل فرنسا التي رفضت استقبال "بن علي".

 

وهناك الحاكم الروماني "نيوكلاي تشاوشيسكو" الذي سقط بشكلٍ درامي مفجع؛ حيث كان مصابًا بجنون العظمة في نهاية حياته، فكان يطلق على نفسه القائد العظيم والملهم ودانوب الفكر (نسبة لنهر الدانوب)، وفجأةً نهض الشعب وبدأ يعلو صوت المظاهرات، والتي لم تهدأ، وتساقط قتلى وجرحى، وحاصر المتظاهرون قصره، وعلت هتافاتهم ضده وهو ما أصاب تشاوشيسكو بالرعب فاضطر للهرب عن طريق الممرات السرية لقصره، واستقلَّ طائرة هليوكوبتر ليهرب، ولكن الفلاحين استطاعوا القبض عليه وتسليمه للسلطة فعقدت له محاكمة سريعة تم تسجيلها على أشرطة سينمائية بثَّتها إحدى شبكات التلفزيون الفرنسية، وعند إعدامه انخلع عنه ثوب الجبروت، وبدا وكأنه كالأطفال يبكي قبل إطلاق الرصاص عليه، ولكنه أُعدم ليسدل الستار على أحد طغاة القرن العشرين.

 

ولا يختلف عنه "مجرم الحرب اليوغسلافي" سلوبودان ميلوسوفيتش رئيس يوغوسلافيا السابق، الذي تولَّى رئاسة البلاد عشر سنوات، استطاع خلالها أن يجلب الخراب والدمار والخطط الفاشلة لبلاده، فضلاً عن أنه صاحب أكبر جرائم للإبادة الجماعية للمسلمين، بحسب تقارير الأمم المتحدة؛ حيث كان وراء مذبحة سربرنيتشا، والتي راح ضحيتها 8000 مسلم، وشُرِّد 25000 إلى الدول والمدن المجاورة.

 

وبعد سنوات من الظلام الدامس والإبادة الجماعية، جنى ميلوسوفيتش ما صنعته يداه؛ حيث ألقت السلطات المحلية الصربية القبض عليه في أول أبريل عام 2001م بالعاصمة بلجراد، وتم نقله إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في 29 يونيو من نفس العام لتبدأ محاكمته بعد ذلك في 12 فبراير 2002م، وقد استمرت المحاكمة الدولية لميلوسوفيتش قرابة أربع سنوات، حتى تم العثور على جثته عام 2006م في محبسه في لاهاي، وقيل إنه انتحر.

 

ولم يكن ماكسمليان روبسبير- الذي لم يعش سوى 36 عامًا وتولى حكم فرنسا بعد أن قتل (دانتون)- بأحسن حالا ًمن سابقيه في الظلم والطغيان، بل كان كما وصفه المؤرخون مصاصًا للدماء، وبالرغم من أنه تولَّى السلطة ثلاث سنوات، فإنه انفرد بحكم فرنسا كحاكم مطلق لمدة عام واحد، وكانت أسوأ فترة حكم للفرنسيين.

 

فيما قال عنه المؤرخون إنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير!

 

واتسم بكونه ظالمًا ومستبدًّا لشعبه، بالإضافة إلى عدم قدرته على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهنا بدأت الثورة في 14 يوليو 1789م، وكان أول ما قامت به الجماهير الغاضبة هو تحطيم سجن الباستيل.

 

ويقول عنه المؤرخ الدكتور محمد متولي: "لقد مضى روبسبير.. ذلك النمر الضاري.. دراكولا مصاص الدماء.. قضى على نفسه بتطرفه واشتطاته، فقد أصدر في 10 يونيو سنة 1794م قانونًا حرَّم بمقتضاه أعضاء المؤتمر من حصانتهم البرلمانية، وكان يهدف من وراء هذا القانون إلى الإطاحة بكلِّ مَن يرفع رأسه معارضًا إياه، أو مخالفًا لأفكاره، وهنا صار عليه أعضاء المؤتمر ودبروا مؤامرةً للتخلص منه؛ حيث جهزوا قوةً عسكريةً واقتحموا دار البلدية التي كان بها، ونجحت إحدى الرصاصات التي أُطلقت عليه في أن تصيب فكه، واقتيد وهو يقطر دمًا إلى المقصلة التي كان يستخدمها لتعذيب المواطنين، كي يذوق نفس الكأس التي أذاقها لغيره.