بالرغم أن مواصلة الكيان الصهيوني عملياته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني تحمِل فروقًا واضحةً لشروط مبادرة الهدنة التي أعلنتها المقاومة الفلسطينية، فقد استمر "أبو مازن" على نهجه، كما تجلَّى ذلك في محادثاته مع الصهاينة وقادة فصائل المقاومة، التي تقوم على التعاون مع الصهاينة، والتعهد بتنفيذ التزاماته التي قطعها على نفسه في قمة العقبة، والضغط في آن واحد على المقاومة؛ من أجل تثبيت الهدنة مهددًا بأن اتِّبَاع نهج مغاير لما تقوم به السلطة قد يؤدي إلى "فتنة"!!.
وبدأت محادثات "أبو مازن" بلقائه مع السفاح شارون في القدس المحتلة عقب إعلان مبادرة الهدنة وتشجيع من مستشارة الأمن القومي الأمريكي "كوندوليزا رايس"، التي زارت فلسطين المحتلة الأسبوع الماضي، وعرض "أبو مازن" و"دحلان" على "شارون" و"موفاز" خطةً أمنيةً شاملة لفرض الهدوء على كل الأراضي الفلسطينية، وتتضمَّن عدد قوات الأمن الفلسطينية، وقطع الأسلحة التي بحوزتها، إضافةً إلى المواقع المقترحة لانتشار هذه القوات.
وكان "أبو مازن" قد طالب صباح يوم الاجتماع مع "شارون"- في كلمة أمام المجلس التشريعي- بوقف جميع الأعمال الصهيونية، خصوصًا التوغلات والاغتيالات والحصار، والانسحاب إلى مواقع ما قبل سبتمبر 2000م، إلا أن نظيره الصهيوني أعلن في المؤتمر الصحفي المشترك أنه لا تسوية مع "الإرهاب"، وأن الكيان الصهيوني سيواصل محاربته حتى الهزيمة المطلقة؛ مما يكشف أن الأهداف الصهيونية من هذه الاجتماعات- التي تتم برعاية وأجندة أمريكيين- تتمحور حول القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني.
وتأكد في هذا الاجتماع أن "الكيان الصهيوني" يربط بين تنفيذ شروط الهدنة- مثل الانسحاب والإفراج عن الأسرى ووقف العنف- وبين إقدام حكومة "أبو مازن" على إعلان الحرب على فصائل المقاومة، حيث صرح "شاؤول موفاز"- وزير الدفاع الصهيوني بعد لقاءه مع العقيد "دحلان"، على هامش اجتماع "شارون" و"أبو مازن"- أن الاختبار الحقيقي للسلطة الفلسطينية سيأتي عندما تنتقل من مرحلة صد الإرهاب إلى مرحلة اجتثاث بنيته التحتية، وأننا أوضحنا هذه النقطة لمستشارة الأمن القومي الأمريكي "كوندوليزا رايس".
وقد خرق الكيان الصهيوني الهدنة، واستمر في ذلك عقب اجتماع "شارون" و"أبومازن"، حيث أعلن أنه يرفض الإفراج عن آلاف المعتقلين الفلسطينيين، وأنه سيوافق على قائمة سيتم الإفراج عنها، وفق معايير الاستخبارات الصهيونية، كما واصلت قوات الاحتلال إطلاقَ النار على التجمُّعات السكنية، ومصادرة الأراضي، وعمليات الاقتحام في الضفة وغزة؛ لاعتقال بعض نشطاء المقاومة، ودفعت هذه الأعمال العدوانية "أبو مازن" ليس لمخاطبته نظراءه الصهاينة لوقفها أو إجراء اتصالاته مع الأمريكيين أو أي من الأطراف الإقليمية..، وإنما بعقد لقاء مع قادة فصائل المقاومة في غزة (الجمعة)، تركّز على قضية الأسرى والمعتقلين والخروقات الصهيونية للهدنة.
والمعروف أن فصائل المقاومة قد اشترطت في مبادرتها للهدنة وقْف جميع أعمال القتل والاغتيال، والتوقف عن اقتحام المدن والقرى الفلسطينية، والإفراج عن الأسرى، وتَعْتبر أن الإفراج عن عشرات من المعتقلين أمرٌ غير كاف، واستمرار المممارسات العدوانية ربما يؤدي إلى إنهيار الهدنة.
ولم يؤد الاجتماع بين "أبو مازن" وقادة الفصائل سوى إلى البحث عن آليات للإفراج عن المعتقلين، وإعلان "أبو مازن" أنه "يبارك شروط الهدنة"، غير أن هذا لا يعني أنه سيسعى بالإفراج عن جميع المعتقلين، أو وقف تنفيذ التزاماته حتى ينفذ الصهيونيون التزاماتهم؛ نظرًا لأن هدف اللقاء الواضح كان تثبيت الهدنة وعدم الانجرار وراء الممارسات الصهيونية، والحصول من الطرف الصهيوني على أقصى ما يقدمه وفْق هذه الشروط.
وعقب هذا الاجتماع أعلن عن لقاء آخر بين السفاح "شارون" و"أبو مازن" الأربعاء المقبل، في وقت صعَّد فيه الكيان الصهيوني عن عملياته العدوانية، حيث اغتال أحد قادة كتائب شهداء الأقصى، ويدخل الطرفان الاجتماع المقبل، ولكل منهما أهدافه، حيث يتعامل "شارون" مع هذه الاجتماعات على أنها جزءٌ من تحركات شاملة للقضاء على المقاومة.
ومن المفترض- وفقًا لهذه التحركات- أن يقوم الجيش الصهيوني وأجهزة الأمن الفلسطينية بمواجهة أعضاء حركات المقاومة فيما تقدم الولايات مليار دولار لإقامة مشاريع؛ "من أجل إبعاد الناس عن المؤسسات التي تديرها حركة حماس".
أما "أبو مازن" فإنه لا ينظر إلى الخروقات الصهيونية أو شروط تل أبيب التعجيزية؛ أملاً في أن يؤدي التعاون إلى فتح التفاوض على المسار السياسي؛ لذلك فإنه استَبَق الاجتماع بالإعلان عن أن بعض الأعمال في الضفة وغزة- التي استهدفت المستوطنين- هي "أعمالٌ تخريبية" تؤثر على السلام!
وبين هذا وذاك يختفي الهدف الأساسي من التفاوض لصالح أهداف جزئية مرفوضة فلسطينيًا، حيث لم يصرح قادة الحكومة الفلسطينية- حتى الآن- عن الحل الوسط، ويتمثل في دولة فلسطينية في أراضي 1967م، وهو الأمر الذي يَخشَى معه بعض المراقبين أن تؤدي التحركات الحالية والتفاوضات في الجانب الأمني إلى إجبارهم على قبول الحل الصهيوني، الذي أعلن عنه "سلفان شالوم" وزير الخارجية الصهيوني، قائلاً: إن الدولة الفلسطينية ستقوم في غزة، أمَّا الضفة الغربية فهي جزء من أرض الكيان الصهيوني!!.