المقالة التالية كتبها "صادق أبو سنة"، الذي كان يشغل سابقًا منصب وزير الطاقة الجزائري ورئيس "أوبك"، وحاليًا هو مستشار خاص للجنرال "سوسيتيه"، وقد نشرت هذه المقالة في مجلة النفط للأبحاث الاقتصادية في 16 يونيو، ويعاد نشرها الآن بإذن منه.
ناقَش اجتماع وزراء نفط "أوبك"بقطَر في 11 يونيو مسألة الأسعار الحالية- سلة "أوبك" للنفط الخام كانت 26.86 دولارًا للبرميل في أسبوع ما قبل الاجتماع-، وقرروا عدم تغيير الحصص الحالية، وأقر الاجتماع الحفاظ على سقف الإنتاج عند 25.4 مليون برميل يوميًا، وهو السقف الذي كان سائدًا قبل دخول القوات الأمريكية بغداد.
ولهذا فإن المنظمة فضلت أن تدعم أرباحها من خلال تفعيل الأخبار الإيجابية في الأسابيع الماضية، وقد ظهرت هناك بعض العوامل، التي حافظت على استقرار وتدعيم الأسعار: تأخر عودة الصادرات النفطية العراقية، والشكوك حول حقيقة القدرة الإنتاجية (PDVSA)، وانخفاض المخزون في السنوات الماضية، وانخفاض إنتاج المملكة العربية السعودي في شهر يونيو، والتعهد بعدم زيادة الإنتاج من قبل المنتجين الرئيسيين خارج "أوبك"، والمكسيك وروسيا والنرويج.
علاوةً على ذلك فقد كان الطلب قويًا نسبيًا في هذا الوقت من العام.
أزمة "سارس" استمرت وقتًا أقل من المتوقع، حلَّ استخدام الوقود محل إنتاج الكهرباء النووية في اليابان، ظلت نسبة الطلب الأمريكي على البنزين عالية، شجعت الأسعار المرتفعة نسبيًا للغاز الطبيعي على استخدام النفط مثلما حدث في الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى تلك العوامل التي أدَّت إلى ارتفاع الأسعار، فقد أدت بدورها الأحوال السياسية المتوترة في منطقة الشرق الأوسط، مثل المشاكل الأمنية في العراق وأفغانستان، والهجمات الإرهابية على الرياض، والتوتر المستمر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى تدعيم هذا الاتجاه.
وتعلم "أوبك" تمامًا أن هذه العوامل ليست باقية على الدوام، نظرًا لأن الموقف ضعيف ويحتاج إلى وقت قصير للتغير، يمكن معه حدوث انخفاض سريع في الأسعار، وقد قال رئيس المنظمة "عبد الله العطية"- قبيل الاجتماع-: إن مستوى الأسعار ظل ثلاثة أشهر مرتفعًا حتى الأسبوع الماضي، والسبب نفسي أكثر من أن يكون نقصًا في المعروض النفطي.
ولأن "أوبك" لم تستطع أن تسبق الأحداث، فقد ظل أعضاؤها غير مهتمين نسبيًا بأسعار الربع الثالث من عام 2003م، متوقعين أن بعض تلك العوامل ستظل مستمرة طوال الصيف، وأن هذا الميكانيزم سيدفع نحو بقاء الأسعار في نفس معدلها المستهدف، وقد اختارت "أوبك"أن تتبنَّى هذه العناصر المشجعة إلى أن يظهر دليل ملموس على عكس ذلك.
وهذا يوضح القرار غير المتوقع الذي تمَّ اتخاذه في إبريل الماضي لخفض الإنتاج الفعلي، بينما زاد سقف الإنتاج الرسمي بـ 9 مليون برميل يوميًا.
بالحظ أو بالحكمة استطاع وزراء "أوبك" مواجهة الصعوبات بطريقة صحيحة، واستنتجوا أن أكثر من 85% من قدرات "أوبك" الإنتاجية يتم استخدامها وذلك بدون الإنتاج العراقي، وبناءً عليه قرروا زيادة الحصص الرسمية في الوقت الذي كانت فيه الأسعار مرتفعة، وذلك من أجل خفض تلك الأسعار عند مستويات الإنتاج الفعلية.
ولم يشكل هذا القرار مفاجئة، فكان من المتوقع أنها ستطالب الأعضاء بالالتزام بالحصص عند سقف الإنتاج الفعلي، لكنها فعلت أكثر من ذلك بدون إلحاح.
وفي البيئة الحالية المحيطة بالسوق، فإن أي قرار آخر كان سيُتخذ كان سيقابل بالرفض، وخلال الاجتماع فإن خفض الحصص- والذي كان ضروريًا في الأسابيع القليلة السابقة على الاجتماع- لم يعد مطلوبًا بطريقة عاجلة، فمن جهة فإن خفض الإنتاج كان من الممكن أن يُحدث ارتفاعًا جادًا في الأسعار، بينما من الجهة الأخرى، فإنه بالنسبة لارتفاع الفائض الذي يلوح في الأفق فقد حدا بـ"أوبك" إلى عدم رفع الحصص، وبذلك استطاعت أن تواجه الانخفاض في الأسعار الذي كان متوقعًا لأسابيع عديدة.
ولم تكن العراق ممثلة في هذا الاجتماع، ولكنها كانت في بؤرة الاهتمام، بينما ظل موقفها المستقبلي غير مؤكد، فعلى المدى القصير فإن غياب العراق المستمر عن السوق مكّن "أوبك" من الإبقاء على سقوف الإنتاج الحالية، وهذا سمح لبعض الأقطار "باستثناء السعودية" برفع طاقاتهم الإنتاجية، مثل فنزويلا وأندونيسيا، وتعتمد الإستراتيجية المستقبلية لـ"أوبك" على إعادة تصدير النفط العراقي، والذي سيعود إلى نفس الطاقة الإنتاجية السابقة على الحرب قبل نهاية هذا العام.
والعامل الجديد هو الدور الرئيسي الذي لعبته المملكة العربية السعودية في التحكّم في السوق؛ مما أعطى الأعضاء الآخرين القدرة على الإنتاج وفق الطاقة القصوى أو أقل منها، وأعطى القرار بإبقاء الإنتاج عند 25.4 مليون برميل يوميًا؛ من أجل إحداث التوازن في السوق على الأقل في الربع المقبل من السنة.
وكانت السعودية هي البلد الوحيد الذي كان موثوقًا في إعلانه عن خفض المعروض بمقدار 900 ألف برميل يوميًا بحلول 1 يونيو 2003م، وبذلك من المتوقع أن تبلغ حصتها الجديدة 8.2 مليون برميل يوميًا، والتي تعتبر الحد الأدنى لحصة السعودية.
ولذلك نستطيع أن نتوقع أن تقوم السعودية بدور المنتج الذي يرفع أو يخفض الإنتاج في الشهور القادمة، وأن تقوم بضبط إنتاجها، بناءً على المتغيرات المختلفة، وخصوصًا مستوى الصادرات العراقية، بعبارة أخرى فإن السعودية بمفردها ستتقدم بإنتاج ما لم يصدره العراق حتى الآن.
ومن أجل الحفاظ أو الدفاع عن الأسعار بهذه الطريقة ستقوم هذه الدولة بتعزيز موقفها في المفاوضات القادمة، وفي الوقت الذي بدأ يتساءل فيه المراقبون عن قيادة السعودية لعالم النفط كان ذلك بمثابة فرصة مُثلَى لهذه الدولة لاستعادة أهميتها الإستراتيجية، وتولي موقف مسئول بالنسبة إلى سوق النفط العالمي.
وسوف يتعزز الدور القائد للسعودية من خلال الوحدة التي اتسم بها عمل منظمة "أوبك" لبعض الوقت، ويتشكل الإجماع حول المبادرات والمقترحات السعودية، على خلاف ما كان في السابق، حيث تقوم السعودية حاليًا بحشد جهودها واهتمامها من أجل القيادة، والواضح أن هذا الأمر ممكن الآن؛ نظرًا لأنه لا يوجد عضو في "أوبك" يسعى للمخاطرة بإضعاف التوافق الحالي داخل المنظمة حول الأسعار المرتفعة ومستويات الإنتاج المرتفعة.
ولذلك نلاحظ أن اجتماعات "أوبك" لم تعد تنتهي بتوجيه الأعضاء انتقادات للتصرفات السعودية، وهذه الحال ظهرت منذ أن عملت المملكة من أجل الحفاظ على الأسعار، وِفْق المعدل المستهدف من 22- 28 دولار للبرميل، وكذلك منذ أن أظهرت بوضوح تفضيلها سعر 25 دولارًا للبرميل.
وتكرار الاجتماعات في الفترة الأخيرة مع طبيعة القرارات التي اتخذتها "أوبك" يوضحان المدخل الحالي لـ"أوبك"، والذي يكمن في تجاوز المشكلات وتجنب المخاطرة، وهو ما يعكس البراجماتية الجديدة لـ"أوبك"، فالوزراء لم يجربوا أن يتوقعوا الأحداث، وبالتالي يخاطرون باتخاذ الموقف الخاطئ، مثلما حدث في مؤتمر "بالي 1997م"، وهذا يحدث خصوصًا في الفترات التي تتَّسم بعدم التأكد، وكذلك عندما يتسم السوق بدرجة عالية من التفاعل، فوزراء المنظمة يفضلون مدخلاً أو اتجاهًا قصير المدى، كما أشرنا من خلال حقيقة أنه تمت الدعوة إلى اجتماع في 31 يوليو برغم أن اجتماعًا آخر أقيم بالفعل في 24 سبتمبر في فيينا، لذلك فلماذا تظهر على السطح القضية الشائكة الخاصة بالحصص، والتي تعود بالأجندة إلى الوراء عندما تتم مناقشة خفض الإنتاج؟!!
وخفض حصص الإنتاج من الممكن أن يتحقق بصورة جدية في حال التهديد بانهيار الأسعار، فعلى سبيل المثال أشار بيان اجتماع قطَر إلى اثنين من البدائل: خفض حصص الإنتاج أو الإبقاء على سقف الإنتاج الحالي، ولكن المناقشات لم تشهد سخونة، حيث تمت بلورة اتفاق بسرعة، وكما قررنا أعلاه فلم يتم البحث عن قرار آخر في ضوء الأسعار الحالية، "وهذا يمكن رؤيته وفقًا لانخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي"، وعدم التأكد الذي يتعلق بالطلب العالمي ومستويات الفائض من النفط.
وهناك اثنين من الأمور تبرر مدخل "أوبك"، ولكل منهما حصيلة مشابهة، الأول: أنه ولأسباب عديدة ستظل الأسعار في معدلاتها "22 – 28 دولارًا للبرميل"، وفي هذه الحالة فإن الموقف يمكن إعادة النظر فيه في الاجتماع القادم، والثاني: أنه ستتم زيادة الإنتاج بطريقة تؤدي إلى تزايد حاد في مستويات الفائض؛ بما يؤدي إلى انهيار الأسعار إلى أقل من 22 دولارًا للبرميل، وفي هذه الحالة سيكون أمامنا وقت لخفض الإنتاج وفق الحدود التي أوصت بها "أوبك"، أو أن يتم معالجتها في اجتماع طارئ للمنظمة.
وهذا سوف يبرر الإشكالية الدقيقة التي تتعلق بكيفية توزيع الكمية التي يتم خفضها بين الأعضاء، وهو الأمر الذي سيكون من السهل التفاوض بشأنه داخل "أوبك" ومع المنتجين غير الأعضاء، على أساس إنتاج 25.4 مليون برميل يوميًا.
إذا كانت هذه الإدارة أسهل على المدى القصير في ضوء ارتفاع الأسعار.. فإن "أوبك" يجب ألا تنسى دروس الماضي، وأهمها أن استمرار الارتفاع في الأسعار يؤثر في النهاية على الطلب الإجمالي، وعلاوةً على ذلك فإذا كانت بعض الدول لا تلتزم بحصتها التي تقررت في المفاوضات.. فبمجرد أن يبدو الإنتاج العراقي في التصاعد فإنه يجب على المنظمة أن تتبنَّى رؤيةً طويلة المدى من أجل تجنُّب مفاجآت خطيرة في السوق.