يعقِد رئيسا الوزراء الفلسطيني "محمود عباس أبو مازن" والصهيوني "أرييل شارون" اجتماعًا جديدًا في القدس المحتلة؛ لبحث الخطوات المقبلة بعد إعلان الهدنة من جانب الفصائل، وتوصّل الطرفان إلى اتفاق أمني قامت الإدارة الأمريكية برعايته من خلال إيفاد مستشارة الأمن القومي "كوندليزا رايس"؛ بهدف التقريب بينهما، ثم تسلَّم الفريق الأمني الأمريكي برئاسة "جون وولف" مهمة الإشراف على الاتفاق وتنفيذ الطرفين لالتزاماتها.
وفي نفس الإطار يعقد الطرفان اجتماعًا أمنيًّا يرأَسه عن الجانب الفلسطيني العقيد "محمد دحلان"، وعن الجانب الصهيوني الجنرال "عاموس جلعاد" منشق الأنشطة الصهيونية في الأراضي المحتلة، ويهدف هذا الاجتماع إلى مناقشة آليات الانسحاب من مناطق فلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 28 سبتمبر 2000م خلال شهر من الآن.
ونظرًا لوجود العلاقات الدافئة والصرافات الوطيدة بين "أبو مازن" و"دحلان" من جهة، ونظيريهما الصهيونييْن من جهة، فقد تحدثت الصحف العبرية عن وجود اتفاقات وتفاهمات سرية مع الحكومة الفلسطينية الجديدة، أبرز بنودها ما توقعه "شارون" نفسه في أحد تصريحاته من أن هذه الحكومة ستبدأ الحرب على الفصائل لنزع أسلحتها بالقوة بعد شهر من الآن.
وبغض النظر عن مصداقية هذه الدعايات الصهيونية، التي تتوافق مع نهج تيار "أبو مازن"، الذي يتلخص في "أننا "تعبْنا" و"زهقنا"، ويجب أن نستدرج الصهاينة للتفاوض بدلاً من أن يتطور الأمر إلى حرب، وأن ترضخ للمطالب الأمريكية حتى تستطيع أن تحقق "الوعد" بدولة فلسطينية، فإن الاجتماع الجديد بين "شارون" و"أبو مازن" يعقَد على أرضية أمريكية بعد أن شاركت مستشارة الأمن القومي في تذليل العقبات أمام التوصل إلى الاتفاق الأمني بإعادة الانتشار في غزة وبيت لحم.
وكانت "رايس" قبل زيارتها لفلسطين المحتلة دعت إلى حشد جهود الدولة الأوروبية والعربية لمنع الدعم عن حركة حماس، معتبرةً أن قرار الاتحاد الأوروبي- بمنع الدعم عن كتائب عز الدين القسام- غير كاف، على اعتبار أن الإدارة الأمريكية تريد منع الدعم عن المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والثقافية، التي ترعاها الحركة، وتعمل على تخفيف وطأة الحصار عن الشعب الفلسطيني.
وعقب عودتها لبلادها كشفت وسائل الإعلام الأمريكية عن تقديم "رايس" لما اعتبرته "رشوة" للحكومة الفلسطينية، بمقدار مليار دولار، سيتولى فريق أمريكي- صهيوني- فلسطيني مسئولية إنفاقها على مشروعات اقتصادية في الأراضي المحتلة، وتهدف "الرشوة" إلى تعزيز حضور "عباس" وسلطته من جهة، فضلاً عما تعتبره الإدارة الأمريكية أنها ستساعد على تفكيك الفصائل الفلسطينية، من خلال إقامة مؤسسات اجتماعية وتعليمية ومستشفيات،مما يؤدي إلى سحب البساط منها.
وتركت "رايس" مهمة الإشراف على تنفيذ الطرفين لالتزاماتها الواردة في الاتفاق الأمني وخريطة الطريق إلى الفريق الأمريكي برئاسة "جون وولف"، الذي يهدف في الفترة الحالية إلى إعطاء فترة سماح للسلطة؛ حتى يمكن خلالها بناء جهاز أمني قوي، ولكن ذلك لا يمنع أن تقوم السلطة بعمليات قابلة للقياس والبرهان ضد نشطاء الانتفاضة؛ تنفيذًا لما جاء في الاتفاق الأمني، وفي حال حدوث ذلك يتحدث الأمريكيون عن إمكانية مطالبة "شارون" بإخلاء مزيد من النقاط الاستيطانية العشوائية- التي أقامها المستوطنون بجهودهم.
بعبارة أخرى: إن ما يجري من تحرّكات واتصالات لا يتناول الحديث عن إطلاق الأسرى، ووقف استيطان الدولة في الأراضي المحتلة، ناهيك عن القضايا الجوهرية التي تم تأجيلها، بما يعني أنه لا يوجد تفكير في مفاوضات مباشرة بإشراف أمريكي بتحقيق الهدف الرئيسي من الخطة الأمريكية، وأن مثل هذه اللقاءات- بين أنصار الحكومة الفلسطينية الجديدة ونظرائهم الصهيونيين- تتعلق بالشق الأمني فقط، وهو الذي يجعله الأمريكيون والصهيونيون في بؤرة همّهم واهتمامهم.