الصورة غير متاحة

 مصطفى كمشيش

ربما يكون العنوان غريبًا, فما علاقة النيل كمجرى مائي بالإسلام كدين؟ وربما يقول قائل (مستنكرًا): ما هذا؟ أيُّ ربط هذا بين النيل والإسلام, وهل كل شيء يربط بالدين هكذا؟
وللإجابة عن هذا الأمر يمكن الاستفادة من نصيحة الرئيس الفرنسي الكبير شارل ديجول، الذي قال يومًا: إذا أردت أن تفهم السياسة فانظر إلى الخريطة!.

 

خريطة النيل

يجتمع نهر النيل في عاصمة السودان (الخرطوم)، ويتكون من فرعين رئيسيَّين يقومان بتغذيته وهما: فرع النيل الأبيض في شرق القارة، و"فرع النيل الأزرق" في إثيوبيا.

 

يشكِّل النيل الأزرق نسبة (80 : 85%) من المياه المغذية لنهر النيل، وهو ينبع من بحيرة تانا الواقعة في مرتفعات إثيوبيا بشرق القارة.

 

بينما يطلق عليه اسم "النيل الأزرق" في السودان، ففي إثيوبيا يطلق عليه اسم "آبباي"، ويستمر هذا النيل حاملاً اسمه السوداني في مسار طوله 1.400 كم حتى يلتقي بالفرع الآخر، النيل الأبيض، ليشكِّلا معًا ما يُعرف باسم "النيل" منذ هذه النقطة وحتى المصب في البحر المتوسط.

 

نتيجةً للإمكانيات الهائلة التي يوفِّرها نهر النيل، فقد كان مطمعًا للقوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، فقد تحكَّمت الدول الأوروبية في دول حوض النيل في تلك الفترة، ومع انتهاء السيطرة البريطانية على مصر والسودان في الخمسينيات من القرن العشرين، تمَّ توقيع اتفاقية نهر النيل عام 1959م لتقسيم مياه النيل، وترفض أغلبية دول حوض النيل هذا التقسيم ويعتبرونه جائرًا من أيام التوسع الاستعماري.

 

إثيوبيا والإسلام

تذكر المراجع التاريخية أن الوثنية كانت هي الديانة الغالبة على الشعب الإثيوبي، بينما كان الحكم نصرانيًّا، وتعدُّ إثيوبيا هي الأرض الأولى التي وطأتها أقدام المسلمين، وتعرَّفت على هذا الدين العظيم قبل أن ينتشر في الجزيرة العربية، ويرجع ذلك الفضل إلى المهاجرين الأوائل من المسلمين، وقد توطَّن الإسلام وانتشر في تلك الربوع، حتى إن ملكها أصحمة (النجاشي) وعددًا من أصحابه دخلوا الإسلام وكتموا أمرهم خوفًا من تعصُّب البلاط النصراني، ولاقتراب المنطقة من الأراضي الإسلامية المقدسة، كان تأثير الإسلام فيها واضحًا، وقد ساعد هذا القرب الجغرافي على انتشار الإسلام في المنطقة، خاصةً سواحل البحر الأحمر؛ حيث حركة التبادل التجاري مع سكان الجزيرة العربية، وفي أوائل القرن الثاني للهجرة دخل الإسلام القارة الإفريقية عن طريق الدعاة القادمين من الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر؛ حيث نزلوا في ميناء زيلع في القرن الإفريقي، وازداد انتشار عدد المسلمين وتعاظمهم في القرن الخامس الهجري؛ حيث أسَّس المسلمون دولتهم في هذه المنطقة، واتخذوا من مدينة هرر عاصمةً لهم.

 

ولقد توغَّل المسلمون بعد ذلك في الأراضي الإثيوبية، وكان معظمهم من الدعاة التُّجار الذين ينتمون إلى القبائل النازحة من الجزيرة العربية.

 

أما في العصر العباسي فقد هاجرت مجموعات مضطهدة من أنصار أهل البيت إلى تلك الأرض واستطاعت أن تنقل القبائل الإثيوبية الوثنية إلى الإسلام، وساعدت على إنهاء الصراعات القبلية، ومنذ ذلك الحين انفصلت إريتريا عن إثيوبيا، وحُكمت بالإسلام كما هو شأن الأراضي الصومالية.

 

لكنَّ وعورة الأراضي الجبلية الإثيوبية وصعوبة اجتيازها شكَّلت عاملاً من عوامل عدم انتشار الإسلام بسهولة فيها، كما هو شأن الأراضي المنخفضة والسهول؛ كاليتجراي وهرر.

 

وكان لسيطرة المسلمين على الطرق التجارية المهمة أثر كبير في انتشار الإسلام، خاصةً بعد فتحهم منطقة (زيلع) وإشرافهم منها على طريق هرر التجاري المهم، ثم أنشئوا على هذا الطريق المؤدي إلى قلب الحبشة إمارات وممالك صغيرة، مثل زفات، أدل، مودة، جداية، وغيرها جنوبي نهر (هوش).

 

وفي القرن العاشر الهجري ازداد قلق المسيحيين والأحباش من انتشار الإسلام؛ فبعثوا برسائل إلى كلٍّ من: الفاتيكان، وبريطانيا، وروسيا، وإسبانيا، يطلبون فيها تزويد المسيحيين بالسلاح؛ لإيقاف الزحف الإسلامي وإبادته، مدَّعين بأنهم محاصرون ببحر إسلامي يهدد كيان المسيحية في البلاد.

 

بدأ الأحباش حربهم الغادرة على إمارة هرر الإسلامية، ووصلوا إلى مشارفها فتصدَّى لهم الإمام الفاتح أحمد إبراهيم وردَّهم على أعقابهم، ثم أعدَّ لهم جيشًا قويًّا وزحف بجيشه هذا حتى وصل مدينة أكسوم عاصمتهم آنذاك، وحكم البلاد زهاء 16 سنة، نشر فيها الإسلام حتى وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 90%، وانتشر الإسلام كذلك بين قبائل (سلامة) الحبشية المستقرة وما حولها من قبائل البدو، وكذلك دخل ملوك بلاد (كوشي) في الإسلام، وأصبحت مدينة هرر في مملكة (دوارة) مركزًا من المراكز الإسلامية المهمة، والتي كانت في أوج تطورها واستقرارها منطلقًا للإشعاع الفكري؛ حيث شهدت حركة فكرية إسلامية واسعة، بنيت خلالها المساجد ومدارس اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وكان فيها ما يقرب من (90) مسجدًا لا تزال باقيةً حتى اليوم، شاهدة على عظمة الإسلام ونفوذه، وقد كان معظم الدعاة من اليمن والجزيرة العربية ومصر، ومن مدينة هرر هذه انطلقت الحركات الجهادية التي كانت تدعو إلى توحيد المسلمين في تلك الأرض تحت راية واحدة لتشكيل الدولة الإسلامية الإفريقية الكبرى.

 

وكان من أهم هذه الحركات حركة الإمام أحمد إبراهيم الفرَّان الجرافي، أمير هرر، الذي ما إن تعرَّضت إمارته لهجوم الصليبيين حتى دعا إلى الجهاد الشامل، وذلك سنة 1527م؛ لدرء الخطر عن الإمارة وفتح البلاد الوثنية والنصرانية.

 

واصل الإمام أحمد الزحف بجيوشه حتى فتح إثيوبيا كلها، ووصلت جيوشه إلى منطقة التاكا السودانية، وسيطرت على مساحات شاسعة من أراضي إفريقيا الوسطى والشرقية، ولولا تدخل الغرب الصليبي- ممثلاً بالبرتغاليين الذين كانوا يجوبون سواحل المنطقة وبحارها بأساطيلهم الحربية وسلاحهم الناري المتطور حين استنجدت بهم الكنيسة النصرانية- لما تمكنوا من إيقاف زحف المسلمين، وخاض المسلمون معارك دامية ومدمرة استُشهد خلالها الإمام أحمد عام 1537م، وتفرقت جيوشه وطويت باستشهاده صفحةٌ مشرقةٌ من تاريخ المسلمين.

 

وبقيت هرر بعد استشهاده بمدارسها ومساجدها مركز نشر الإسلام ودعوته بين القبائل هناك، وكان لمجيء الحملة المصرية بقيادة رءوف باشا عام 1875م إبان حكم الإمبراطور النصراني يوحنا- الذي كان شديد البطش بالمسلمين والتعصب للنصرانية- أثرٌ كبيرٌ في دخول المزيد من قبائل الأورومو في الإسلام وانتشار الدين بشكل واسع هناك، خاصة بعد سيطرة المصريين على زيلع وبربرا وهرر، لكن قيام الثورة المهدية في السودان وانسحاب الحاميات المصرية من المنطقة أدى إلى إضعاف إمارة هرر، خاصة بعد أن لحقت بالجيش المصري هزائم متكررة من قبل جيوش الحبشة بقيادة (منليك) الذي أصبح إمبراطورًا للحبشة بعد يوحنا. فسقطت الإمارة وهزم أميرها عبد الله علي عبد الشكور أمام جيوش منليك النصراني.

 

ولا يزال المسلمون يشكِّلون الأكثرية بين سكان إثيوبيا الذي يبلغ 60 مليون نسمة، ففي العاصمة أديس أبابا وحدها تتراوح نسبة المسلمين من 30 إلى 36% من مجموع السكان، ولا زالت اللغة العربية الرسمية في 5 ولايات من بين 13 ولاية. والمسلمون هناك فئتان: الأولى: وهي أقلية من أصحاب الأموال والجاه والنفوذ. والثانية: وهي الغالبة فقيرة من الرعاة والمزارعين، وللمسلمين هناك مجلس يتولى إدارة شئونهم الدينية؛ حيث يُشرف على (160) مدرسة و (17) مسجدًا.

 

التطور المُهدر!

كان من الممكن للعرب أن يستثمروا ذلك التطور الإيجابي في إثيوبيا وإفريقيا عمومًا, وقد ظلَّت مصر على يقظة بالغة لتلك القضية حتى العهد الملكي وبدايات العهد الناصري من خلال إرسال بعثات الأزهر والدعاة والقراء للدول الإفريقية, وللأسف الشديد اُهدرت تلك الجهود فيما بعد, كما كتب بجلاء واضح الدكتور. حلمي شعراوي- مركز البحوث العربية والإفريقية- في كتابه القيم "الفكر السياسي والاجتماعي في إفريقيا", ليشعر المرء ببالغ الأسى عن غفلة صناع القرار عن التواصل مع نتائج وجهود المراكز البحثية في بلادنا!!

 

جهود التنصير وغفلة العرب!

لقد بدا جليًّا أمام القوى الغربية الاستعمارية أن الشمال الإفريقي يمثِّل بوابة عبور الإسلام لبقية إفريقيا, وهذا من شأنه أن يؤدي إلى وحدة المصير والهدف مع عمق الروابط الأخوية والثقافية, ولذلك بُذلت جهود كبيرة من دول ومنظمات لفصل تأثير الشمال على الجنوب, وكان منها ربط الشمال الإفريقي شمالاً صوب البحر الأبيض المتوسط (الاتحاد من أجل المتوسط مثالاً), كما تم تأسيس روابط إفريقية مستقلة عن الشمال كالكوميسا وغيرها, فالغرب الإفريقي الغي جوازات السفر فيما بينهم تأسيسًا لوحدته, وأصبح الجنوب الإفريقي قوة إقليمية كبيرة وكذلك الشرق الإفريقي!!

 

في تلك الأثناء انشغل الشمال الإفريقي بحالة الصحوة الإسلامية التي سادت هذه البلاد, وبدلاً من استيعابها وحسن توظيفها وترشيدها باعتبارها مكونًا هامًّا لترسيخ الهوية, سادت حالة من العداء بين الأنظمة الشمالية والحركات الإسلامية, كما ساهم الغرب في ربط الإسلام بالإرهاب؛ ليؤدي إلى محاصرة الدعوة, وتركزت الإملاءات الغربية للأنظمة بتغيير المناهج الدراسية, ونشر الثقافة الغربية (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) مما أدى إلى الخصخصة، ورسملة الاقتصاد، وشُرب البيبسي، وارتداء الجينز، وكشف بطون بعض الفتيات, واحتقار اللغة العربية, وتأسيس الجامعات الغربية على أرض البلاد الإسلامية, كل ذلك وغيره ساهم في تعميق الصراع, والانسلاخ التدريجي من هوية الأمة, فلم يكن غريبًا أن تعيش كل بلاد الشمال الإفريقي (مصر، وليبيا، والجزائر، وتونس، والجزائر، والمغرب) حالة صراع مع الإسلام على اختلاف درجات الحدة والصراع, بل والأغرب من ذلك فقد تولدت بين بلدان الشمال حالة من الفتور والخصومة وربما العداء, ولعل حالة مباراة مصر والجزائر تكشف بجلاء عن هذه القضية.

 

في ذلك الوقت كانت جهود (الآخر) على قدم وساق في إفريقيا, فالغرب الذي يطالبنا بتغيير هويتنا واعتناق العلمانية, كان (ولا يزال) يدعم جهود التنصير عبر أعلى مستوياته السياسية والاقتصادية من خلال واجهات اجتماعية أو خيرية أو طبِّية أو إغاثية, ولذلك نرى كيف تغيرت نسب تعداد المسلمين في هذه البلاد هبوطًا بسبب الجهود التنصيرية من جهة والفراغ الدعوي القادم من الشمال من جهة, والجهود السياسية والاقتصادية الدولية من جهة أخرى, كما نشطت إسرائيل بشدَّة لتحتل ذلك الفراغ (فهذه البلاد لا تلعب!!)، وكان الأولى بنا (كعرب ومسلمين) أن تُبذل الجهود للمحافظة على الوجود الإسلامي في هذه الدول ترسيخًا للهوية وتحصينًا وتقويةً للروابط بيننا وبينهم، حتى في حالة السودان, كانت خصومتنا لحكومة البشير ذات التوجه الإسلامي, وكانت الروابط والعلاقات والاستقبالات الرئاسية لجون جارانج وقادة حركة تحرير السودان (تحرير السودان ممن؟ ومن أي شيء؟) دون النظر إلى خطورة انفصال الجنوب السوداني الملاصق لدول المنبع والساعي لتكوين دولة مستقلة مسيحية في جنوب السودان.

 

الدوافع سياسية ثقافية وليست اقتصادية!

لقد أظهرت الأزمة الحالية في استقلال دول المنبع في قرارها واتفاقها دون دول المصب أثار الغفلة العربية عن هذه الدول, وإذا كانت الدول الكبرى تسعى لتحقيق مصالحها عبر السياسة والاقتصاد والثقافة, فإننا تجاهلنا ذلك كله, وربما يقول قائل: إن الدافع لهذه الأزمة هو الدافع الاقتصادي لدول المنبع, وربما يكون ذلك صحيحًا, لكنه ليس الدافع الأهم وليس الدافع الرئيسي, فأغلب دول المنبع تعتمد على الأمطار في زراعتها, كما أن ما يجري على أراضيها من مياه النيل يكفيها وزيادة, لذلك فإن الدافع السياسي الذي يدعم الصراع الثقافي هو الأبرز بامتياز.

 

جدار هنا وجدار هناك

إن الداعين إلى تقزيم دور مصر داخل حدودها فقط دون النظر إلى أهمية الجار وعمق روابطنا به, هم الذين نادوا بحق مصر بناء جدار فولاذي بيننا وبين غزة (بين مصر وحماس, وليس بين مصر وإسرائيل!!), واستصدروا فتاوى تقول بحق مصر أن تفعل على أراضيها ما تشاء حفاظًا على أمنها القومي, فهل يكون مقبولاً الآن أن نؤمن بحق إثيوبيا أن تفعل على أرضها ما تشاء, فتقيم سدودًا على النيل عبر مشروعات كبرى لشركات إيطالية وصينية ويابانية؟

 

وأخيرًا: إن الحفاظ على هويَّتنا وعدم الانجرار وراء مساعي الغرب في طمس ومسخ هويتنا سيظل حصنًا حصينًا لوحدتنا وتحقيق مصالحنا, ولعل الصلح المجتمعي بين الأنظمة وشعوبها تحقيقًا للحرية والعدالة والديمقراطية والمحافظة على ثقافة أمتنا سيعمل على تقوية أمتنا أمام المخاطر التي تتهددها, وها هو الخطر أتى من صهاينة وغرب كنَّا نظن أن النفع في الركون إليهم, ولعل ذلك يُوقظنا من غفلتنا فننهض بأمتنا وفق ثقافتنا, نعمل لها وننشرها, فقد اتضح أنها أهم ركائز أمننا القومي الذي يتجاوز حدودنا الضيقة التي أراد أعداؤنا حصرنا فيها, وللأسف روَّج لذلك فريق من بني جلدتنا لكنهم ليسوا قطعًا من محبي ثقافتنا.

------------

* mkamshish@hotmail.com