حين تتآكل الأخلاق وتنحدر القيم وتموت في النفس كل معاني الإنسانية، ويصبح الضمير أثرًا بعد عين، تتشكَّل أخلاق جديدة، وقيم دنيئة، تُفرز سلوكياتٍ تبعث على الدهشة والحيرة، يصبح معها الحليم حيران، ويصيب العاقل بها مسٌّ من الجنون!.
يتحوَّل الإنسان عندها إلى وحْشٍ في ثوب إنسان، وأفعى سامة في شكل جنتلمان!!، فينشر الألم والمرار فيمن حوله، ويصطلي بشروره البشر والحجر.
تداعت عليّ هذه المعاني وأنا أقرأ ما يحدث لإخواننا الفلسطينيين على يد النظام المصري، بحيث يصبح ما تفعله إسرائيل بهم (لعب عيال) إذا ما قورن بما يفعله النظام بهم، بما لا يخطر على عقل بشر من صنوف التعذيب.
محمد إبراهيم البردويل (46) عامًا صياد فلسطيني، أب لثمانية من الأبناء، يعمل بمهنة الصيد شاءت به الأقدار أن يحمله قاربه هو وابنه محمد في رحلة صيد إلى المنطقة الفاصلة بين البحر عند رفح ومصر، لكن عند العصر قام زورق مصري بإرجاع مراكب الصيد الفلسطينية الكبيرة من حيث أتت وسمح للمراكب الصغيرة التي كانت إحداها للشهيد محمد إبراهيم البردويل بالمرور والصيد حتى حل المساء واقتربوا من الفجر فإذا بثلاثة زوارق مصرية تنهال على مراكب الصيد الصغيرة بالحجارة والضرب وسلب محتويات المراكب، فجزع جميع الصيادين وعادوا أدراجهم، رغم أن السلطات المصرية هي التي سمحت لهم ابتداءً!!، لكن الشهيد محمد البردويل أراد أن يتحدث مع الضابط المصري بلغة الأخ والشقيق فقال له في أدب: "عاوزين انروح يا سيدي" فأجابه الضابط "وأنا عاوز أموّتكم"!.
فشعر عندها الشهيد محمد البردويل بالخطر فحاول الهرب، لكن الزورق المصري- رقم (94)- باغتهم فدهس بالزورق الشهيد وقاربه ومات من فوره، وعندما صرخ الابن لوعة واحتجاجًا على الضابط الذي قَتَل والده قال له الضابط في برود واستهتار "متعلمتش ولا عاوز كمان"!!.
هذه الحادثة تكشف عن حجم الاستهتار والوحشية التي يتعامل بها بعض رجال النظام المصري وأدواته تقربًا وزلفى للباب العالي، انتظرتُ بعد نشر الخبر في وسائل الإعلام أن يكذب الخبر أحد من الحكومة المصرية، إلا أن أحدًا لم يعلق من قريب أو بعيد على الموضوع؛ مما يعطي للخبر مصداقيته، خاصة أن أهل الشهيد ليس لهم مصلحة من أي نوع في اتهام مصر بذلك، بل قد يعود ذلك بالضرر عليهم.
هذه القصة التي رويناها تحكي فقط صفحة من سجل المرار الذي تُعَامِل به مصر الأشقاء الفلسطينيين، أما أكثر الصفحات ألمًا ولوعةً، فهو ما يحدث لهم من تعذيب في سلخانات النظام المصري، والتي تتمركز معظم التحقيقات مع الأسرى الفلسطينيين في مصر، وغالبيتهم من رجال المقاومة حول بنية حركة حماس، وطُرق تهريب السلاح إلى قطاع غزة، ومكان جلعاد شاليط، وأماكن اختباء قادة المقاومة!.
هذه الأسئلة التي توجَّه إلى رجال المقاومة الفلسطينية تحت وطأة تعذيب بالغ الشدة والقسوة، تطرح تساؤلات عديدة عن الجهة الحقيقية التي تعمل لها جهة التحقيق مع الفلسطينيين، وأعتقد أن نوعية الأسئلة تجعل الشخص متوسط الذكاء وربما معدمه يعرف إلى أي حدٍّ من سجل الهوان والخزي والعار الذي لا يمحوه تاريخ قد وصلنا!.
في حوار لضابط مصري بجهة سيادية مع وكالة أنباء (قدس برس) وطلب عدم كشف هويته، تحدث خلال الحوار عن كافة صنوف التعذيب التي تُمَارس بحق الفلسطينيين، والتي قال عنها: إنهم "معزولون عن العالم الخارجي، ويعيشون في ظلام مطبق بشكل مستمر في زنازين ضيقة ورطبة وقذرة للغاية لا يستطيع حتى السجّان المكوث فيها لدقائق معدودة؛ بسبب رائحتها الكريهة، في حين يُسجن المعتقل الفلسطيني فيها لأشهر متواصلة دون أن يرى الشمس".
وتابع: "كما أنهم ممنوعون من الصلاة بشكل نهائي، وأثناء التحقيق يُجْبَر المعتقل الفلسطيني على الصلاة وهو عارٍ بشكل كامل".
وأكد الضابط تعرض المعتقلين لأشكال عديدة من التعذيب الجسدي والنفسي بشكل مستمر من أبرزها الشبح وتعليق المعتقل متدليًا من قدم واحدة أو يد واحدة على أنبوب حديدي في سقف الغرفة لمدة ساعات، وقال: "يتم ضربهم على الوجه والمناطق الحساسة بالعصا الكهربائية أو عصا "البيسبول" السميكة، ويتم عصب أعينهم لأيام وقد تمتد لأسابيع وشهور وربط الأيدي بالأقدام."..
وتابع "في مرات كثيرة يُمْنَع المعتقل من النوم فيربط على عمود إنارة خارج سرداب الحبس لأيام، وإذا حاول النوم أو بدأ بالانهيار يقوم العسكري بسكب مياه باردة جدًّا أو ساخنة على جسده، وكل ذلك يحدث والمعتقل مغطَّى الرأس بكيس من القش يوضع لأيام في مياه الصرف الصحي"!.
وأضاف: "أما التعذيب بالكهرباء فيتم بشكل شبه يومي بحيث يعرى المعتقل من ملابسه بشكل كامل ويوضع جهاز كهربائي في المناطق الحساسة أو على القلب والرقبة حتى يصاب المعتقل بعدها بوهن وآلام جسدية، وقد يعجز عن الوقوف والحركة؛ ليصل به الحال أن يحتاج لمساعدة من باقي المعتقلين لقضاء حاجته)، وأشار إلى أن هناك حالة أو حالتي وفاة يوميًّا بسبب التعذيب (القدس برس).
هذه الأنباء التي تتناقلها وسائل الإعلام على الحدود مع غزة وفي قلب القاهرة، تؤكد أن ما يحدث مع الفلسطينيين في مصر، ليس محض صدفة وإنما يتم بشكل ممنهج ومدروس وبرضاء تام من النظام.
إنني أطالب كل الغيورين والعقلاء من أبناء الأمة بعدم الصمت على هذه الممارسات التي لا تترعرع إلا بسكوتنا، كما أطالب بفتح تحقيق عاجل حول صحة هذه الأخبار التي كثرت هذه الأيام، فإما أن يتم تكذيبها أو تتكشف لنا حقائقها، وينكشف القائمون عليها وربما نجد أن ما خفي كان أسوأ بكثير مما هو معلن.
الذي يشفي غليل المرء ويجعله يرتاح قليلاً رغم شدة ألمه مما يحدث، هو أن عدالة السماء واقعة لا محالة، وأن الله لا يظلم عنده أحد وسوف يقتص من كل ظالم ويأخذ الحق لكل مظلوم، وعندها لن تنفع النياشين ولا المنصب الحساس ولا البراعة في إخفاء معالم الجريمة، ولا العدالة المائلة، فهو القائل في كتابه ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)﴾(طه)، فاللهم انتقم من الظالمين.
---------
* كاتب وباحث.