هاني المكاوي

ماذا لو نضب نيل مصر؟ وماذا يفعل المصريون إذا درس طلابنا نهر النيل بمادة التاريخ بدلاً من الجغرافيا, أقصد- لا قدر الله- أن نيل مصر وسر حضارة 4 آلاف عام؛ يصبح في زمن الماضي, ويدخل النيل العزيز في الاستخدامات النحوية لكان وأخواتها، تمامًا مثل أشياء كثيرة مثل: كان لدينا قطن طويل التيلة، وكنا يومًا من الأيام سلة غلال العالم, وصار الشباب بلا انتماء, أصبح المصري مهانًا، وربما مقتولاً في أغلب البلاد حتى بلاد العرب أوطاني, وأضحى دور مصر العربي والإفريقي ضعيفًا للغاية, وظلَّ الفساد متناميًا، وبات تدريس الدين في المؤخرة, وأضحت البلاد بلا شركات كبرى بعد بيع القطاع العام, سوف نقول كان النيل يروي الفقراء وينقل البضائع ويطعم البسطاء سمكًا نيليًّا طازجًا.

 

وتقول إن أسعار المياه أصبحت أغلى من المياه الغازية، وسوف نكتب معشر الصحفيين عن خطة الحكومة في توفير شربة مياه لكل مواطن, وسوف يتعهَّد دكتور أحمد نظيف ومن يخلفه بكوب مياه نظيف ليكون لنا من اسمه نصيب، ولو مرة في عمرنا!

 

أما الزملاء في صفحات الاقتصاد سوف يكتبون عن احتكار المياه الجوفية بين كبار رجال أعمال الحزب الوطني، وأن أحمد عز ومحمد أبو العنيين وحسن راتب وأحمد بهجت ومحمد فريد خميس سوف يدخلون معركة "تجارة ماء الحياة"؛ لأن الربح مضمون وهل يستطيع الإنسان الاستغناء عن شربة ماء.

 

المهم أن الحزب الوطني سوف يتدخل لتوزيع كعكة المياه، بشرط أن يقوم رجال الأعمال بتوفير زجاجة مياه معدنية لكل ناخب في انتخابات 2015م، ووقتها سوف ينشغل الزملاء محررو البرلمان بالكتابة عن استغلال المياه كرشاوى انتخابية، أما الديمقراطية ستكون الأولوية التالية!!.

 

سوف تتوقف مشروعات التعليم والصحة، ويعلن وزير المالية أن الأولوية لتوفير شربة ماء لكل موطن, وسوف تحدث حالات إغماء بالمدارس بسبب نقص مياه الشرب، وعدم قدرة المدارس الحكومية على توفيرها، وتقوم المدارس الخاصة بزيادة رسومها بدعوى توفير مياه نظيفة، أما المدارس الدولية سوف تستورد المياه لأبناء كبار المسئولين من فرنسا تمامًا مثل العطور وبعض أنواع الطعام.

 

ونظرًا لعدم وجود مياه للري سوف يعتزل الفلاحون المهنة، وتدرس الحكومة إلغاء وزارة الزراعة لسببين: الأول عدم وجود زراعة، والثاني هو توزيع أراضي الدولة على مجموعة محددة من المستثمرين، وسيكون لديهم آبارهم الخاصة من المياه الجوفية، وبالتالي ستُلغى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بعد عامين من إلغاء وزارة الري؛ عقوبةً لها على الفشل الذريع في إدارة ملف النيل الضائع.

 

قبل أن يحدث هذا السيناريو- لا قدر الله- يجب علينا أن نراجع أنفسنا، وأن نعتبر قضية أزمة مياه النيل قضية حياة أو موت، ولا نُفرِّط كثيرًا في التصريحات العنترية، بعد أن تركنا إفريقيا ودول حوض النيل أكثر من نصف قرن أسرى للنفوذ الأجنبي والتوغل الصهيوني.

 

وبدأت حكومتنا كعادتها التحرك في الوقت الضائع حتى ضاع كل شيء، ضاعت الكرامة المصرية حتى على أرض العروبة وصارت حياة المصري أرخص الجنسيات.

 

صرنا بلا حاضر ونسي التاريخ الأجداد؛ حتى لو عادوا للدنيا مرةً لقالوا ليسوا هؤلاء أحفادنا أنهم فرَّطوا في كل شيء، وهانت عليهم أنفسهم حتى هانوا على الأمم والولايات والدول والعزب والنجوع.

 

وبقدر ما يجب أن ندافع به عن نهرنا الغالي يجب أن نبحث في الوقت نفسه عن البدائل حتى لا نقع ضحايا لبزنس المياه في المستقبل.

 

أين علماؤنا من استثمار المياه الجوفية في الصحراء الغربية والشرقية التي يستولي عليها الكيان الصهيوني جيولوجيًّا؟! لماذا لا نستعين بالعالمين رشدي سعيد وفاروق الباز قبل أن يحرمنا الموت منهما؟!.

 

أما البديل الثاني فهو تحلية مياه البحر الأبيض المتوسط، وقد حقَّق الكيان الصهيوني بمساعدات فرنسية تقدَّمًا كبيرًا في هذا البديل، ومسئولو مصر في غفلة عما يعملون؛ لأنهم مشغولون بتزوير الانتخابات وتفصيل القوانين المقيدة للحريات العامة والنقابية.

 

هذه الكلمات مجرد هواجس مواطن مصري، حاول أن ينظر لمصر هبة النيل بدون نيل، فوجد أن المشهد الوطني سيكون حالك الظلام؛ خاصةً أن لدينا حكومةً ونظامًا لا يراعي في مصري إلاًّ ولا ذمةً, وأنا أدعو كل مواطن أن يفكر ماذا لو رفع الحزب الحاكم وحكومته شعار شربة مياه لكل مواطن, وهل يكون ذلك مثل الشعارات السابقة: "شقة لكل مواطن.. وتعليم مجاني لكل مواطن.. وعلاج لكل مواطن.." نرجو من اللطيف أن يلطف بنا ولا يحوجنا لشعارات الحكومة؛ لأننا لا نقدر على العطش!.

-----------

* صحفي مصري