د. حسن يوسف الشريف

الطفولة مرحلة يمر بها الإنسان، وهي مرحلة عمرية تنقصها الخبرة والنضج الفكري ودراسة التاريخ، كما تتصف بالضعف والخوف والاتكالية في حل مشكلاته مع الآخرين، وهذه هي أيضًا مظاهر الطفولة السياسية التي يجب أن نهتمَّ بعلاجها ضمن مهمة "إعادة تفعيل العقل العربي" لصناعة العقل السياسي العربي، وهذا ملفٌّ يجب أن نفتحه لنعيد قراءته من جديد، في حوار صريح شفَّاف، ليس هدفه كشف العورات، بل هدفه علاج السلبيات.

 

وإذا نظرنا إلى الواقع السياسي العربي خلال القرن العشرين ثم العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لنعرف حصاد مكاسبنا وخسائرنا، فلا تجد مراكز بحوث، لا حكومية ولا مستقلة، تعطيك دراسةً محايدةً وافيةً شاملةً، وهذا يعكس أحد مظاهر "طفولتنا السياسية"؛ فبينما الغرب المتقدم يهتمُّ بالإنفاق على دراسة تاريخه وتاريخ الآخرين؛ ليُخرج منها الفوائد والدرورس التي تهمُّه في تحسين الوضع في الداخل والسيطرة على الخارج لحماية مصالحه، لا نكاد نُخرج نحن دراسةً ذات قيمة فعلية تناقش الأمور بمصداقية وحيادية.

 

ونلفت النظر إلى أن مراكز البحوث عندهم حرة في أن تقول رأيها، بينما في العالم الثالث هي تخضع للرقابة، لكي لا تخرج عن رأي النظم الحاكمة؛ لأن النظم السياسية في العالم الثالث- الذي نحن منه- تحرص على احتكار السلطة والرأي.

 

المهم أنْ نعرفَ أن دراسة التاريخ أمرٌ مهمٌّ لكل من يعمل بالعمل السياسي؛ لأنه مكتوبٌ على من لا يدرس التاريخ أن يعيش طفلاً، ويجب على الأطفال أن يبتعدوا عن العمل السياسي.

 

ومن مظاهر طفولتنا السياسية أن مفهوم الحكومة عندنا هي "مؤسسة سلطة"، وليست "مؤسسة هدف"، وشتان بين المفهومين، فالقيادات في الدول المتقدمة هي حارس أمين لتنفيذ أهداف إستراتيجية العليا، أو إستراتيجية حريتها محصورة فقط في التكتيك، على عكس مفهوم السلطة عندنا؛ فهي تخضع لتفاسير أخرى، فمثلاً السلطة عندنا هي أسرع طريق لجمع الثروة، وهي أقوى حصن للهروب من القانون!!، عندهم يتعرَّض ابن (توني بلير) للقبض عليه إذا خالف إشارة المرور، ويخضع (أولمرت) مرات عديدة للتحقيق معه في قضايا فساد وتَلقِّي رشوة، ويُحقق مع (كلينتون) بسبب "فضيحة مونيكا"، بينما عندنا من أراد الثراء الفاحش والهروب من القانون فليلتحق بالحكومة أو بالحزب الحاكم.. يا للسخف!.

 

عندهم السلطة للقانون، وعندنا السلطة تفعل كل شيء ولو خالف القانون، أو مصلحة الوطن، صدرت منذ سنوات أوامر عليا لا يُعرف مصدرها بغلق قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، وظل رئيس القسم الدكتور (عصمت زين الدين) يحاول إقناع عميد الكلية ورئيس الجامعة بأن يعرف الجهة التي تقف وراء الإغلاق، ولم يعرف، وأضرب عن الطعام، وكانت جريدة "الوفد" يومها تتابع هذا الموضوع ، وتم ما أرادوا.. والسؤال: لمصلحة من هذا؟!

 

صدرت أوامر لتدمير شركات الاستثمار الخاص "الريان والشريف والسعد و..."، وتمَّ التدمير الساحق لأموال الناس، رغم أننا سألنا كبار أساتذة الجامعة الاقتصاديين هل في هذه الشركات أخطاء فنية؟ قالوا: لا، إنه قرار سياسي وليس اقتصاديًّا.. إنه تدميرٌ غبيٌّ لاقتصادنا الوطني؛ بسبب "الطفولة السياسية" التي نعاني منها، بينما في الدول المتقدمة ليس هناك تصفية حسابات ولا حتى مجاملات إذا كان ضد مصلحة الوطن.

 

لذا لا يمكن للدول التي تحكمها "الطفولة السياسية" أن ترى تقدمًا ملموسًا علميًّا أو تكنولوجيًّا أو فكريًّا.. إنهم يخافون من كل متفوق.. إنهم أعداء النجاح، فالأمن عندنا هو الذي يقود الجامعات ويكتب التقارير عن كل الشخصيات من مدير الجامعة وحتى المعيد، وحتى في وزارتي التعليم والإعلام أيضًا، فيده في كل شيء فهو ليس "أمن دولة"، بل هو "أمن النظام"؛ لذا فنفقات وزارة الداخلية في العالم العربي تفوق عشرات المرات ميزانية مراكز البحث العلمي عندنا.

 

كوارث "الطفولة السياسية" امتدت إلى إفشال تجربة الوحدة بين مصر وسوريا خلال الخمسينيات؛ لأن تقارير الأمن هي التي كانت تحكم وليس الحوار والشفافية (تجديد الفكر القومي، د. الفقي).

 

ومن مظاهر "الطفولة السياسية" ليس فقط "احتكار السلطة"، ولكن "احتكار الرأي"؛ بينما في الدول الناضجة هي "دولة كل الآراء" وليست دولة الحزب الحاكم كما هو حال العالم الثالث عندنا.

 

لذلك فعلينا أن نسعى للخروج من مرحلة "الطفولة السياسية" والوصول إلى مرحلة "النضج السياسي" إذا كنا نريد أن نحفر لنا مكانًا مرموقًا على خريطة السياسة الدولية، وإلا فعلى الأطفال وسياسة الطفولة أن تظلَّ داخل "حضانة الأطفال".