أكبر دليل على فشل النظام الحاكم في مصر وفساده واستبداده هو عدم استطاعته الاستمرار أو البقاء يومًا واحدًا بدون قانون الطوارئ الذي جمَّد الحياة السياسية والعامة في مصر على مدى ثلاثة عقود متصلة في سابقة ليس لها مثيل في بلاد الدنيا؛ وذلك لأن حالة الطوارئ هي حالة استثنائيَّة، تُفرض في أوقات الحروب والكوارث الكبيرة، وقد تحوَّلت في عهد الرئيس مبارك إلى حالة دائمة لمدة تسعة وعشرين عامًا، فلم يحكم مبارك مصر يومًا واحدًا بدون الطوارئ، وهذه شهادة الفشل الذريع، هذا بالإضافة إلى ما خلَّفته حالة الطوارئ من تردٍّ للحالة المصرية داخليًّا وخارجيًّا، وأدت إلى الجمود والتخلُّف؛ لأنَّ اليد المرتعشة لا تحسن البناء، وكذلك الشعب المقهور المظلوم، المهدرة حقوقه وحريَّاته، المنتهكة آدميَّته، المسلوبة ثرواته، المحروم من المشاركة في صنع القرار؛ لا يستطيع أن يصنع تنمية أو يحقق رخاءً؛ لأن يده مثقَّلة بأغلال الطوارئ على مدى ثلاثة عقود متَّصلة .

 

وإذا نظرنا سريعًا إلى حصاد حالة الطوارئ في السنوات الماضية سنجد ما يُندى له الجبين، وتدمع له العيون على وطن كان له قدره ومكانته، ثم انزلق إلى هاوية سحيقة، لا يعلم إلا الله متى وكيف يخرج منها.

 

فمثلاً على الصعيد الداخلي أدت حالة الطوارئ إلى حالة من الجمود السياسي، والاستبداد وإبعاد المخلصين من أبناء الوطن، وتولية أهل الثقة لا أهل الكفاءة، حتى صرنا نسمع يوميًّا عن رموز الحزب الحاكم المزوِّرين والفاسدين والهاربين، فما من قضيَّة فساد كبرى أو تجارة غير مشروعة إلا وتجد وراءها رجال الصفوة المقربين من سدة الحكم، وكأنَّهم لا يريدون أن يحتكروا السلطة والثروة فقط، بل يحتكرون أيضًا الفضائح وملفات الفساد الكبرى، هذا عن الجانب السياسي، وقس على ذلك كل جوانب الحياة في مصر من زيادة التضخم والديون وإرهاق المواطنين بالأعباء، وزيادة معدلات الفقر حتى بات أكثر من 40% من الشعب المصري يعيشون تحت الفقر، ومعظم أبناء الشعب المقهور لا يجدون رغيف الخبز المخلوط بالمسامير والسرطان إلا بالذل في طوابير غير آدميَّة، ولا تتوفر لهم المياه النظيفة، أو الصرف الصحي، أو غيرها من الأساسيات الآدميَّة التي تحافظ على كرامة الإنسان، والتي يوفِّرها أي حاكم لشعبه.

 

ولو كان هذا الحاكم محتلاًّ، فإنه يوفِّر لمن يحتلُّهم المرافق، وأسس الحياة المعيشية الأولية، ومن إهدار للمال العام، وبيع أصول البلد بأبخس الأسعار، وانتشار المرض حتى احتلت مصر المرتبة الأولى عالميًّا في نسبة الإصابة بمرض السرطان والفشل الكبدي، وغيرها من الأمراض التي تصيب ملايين المصريين.

 

فالمصريُّون يموتون إما بالسرطان أو الكبد أو الجلطات أو يموتون كمدًا، وإذا نجوا من هذه الأمراض فإنَّهم يموتون على الإسفلت بأكثر من 50 ألفًا سنويًّا بين قتيل وجريح، أو يموتون في العبارات والقطارات، أو تحت أنقاض العشوائيَّات، أو قتلى في طوابير الذل والإهانة، ومع انتشار الفقر والمرض يأتي الضلع الثالث لمثلث التخلُّف وهو الجهل بزيادة نسبة الأميَّة وتردي حال التعليم، حتى إنَّ الجامعات تقذف سنويًّا آلاف الخريجين الذين لا يُحسن معظمهم القراءة والكتابة وغير المؤهَّلين لسوق العمل، وفي آخر إحصاء لأفضل خمسمائة جامعة في العالم لا توجد أية جامعة مصريَّة في الوقت الذي يحتل فيه الكيان الصهيوني مراكز متقدمة بأكثر من جامعة فيه!!.

 

كل هذه الكوارث هي حصاد مر للطوارئ، بالإضافة إلى قتل الانتماء في نفوس الشباب وفقدان الهويَّة، وافتقاد الشباب للمشروع القومي الذي يضحُّون من أجله، وتهجير العقول المصريَّة التي يمكن أن تساعد في التنمية؛ حتى أصبح معظم المصريين يشعرون أنَّهم غرباء في أوطانهم، ولا تُكلِّم أحدًا في مظاهر الفساد إلا ورد عليك "أنَّ البلد دي مش بلدنا دي بلد الكبار المتربعين على قمة السلطة والمحتكرين للثروة".

 

هذا على الصعيد الداخلي، أمَّا على الصعيد الخارجي فالأمر أشد وأنكى، أصبحت مصر الحضارة والتاريخ والجغرافيا أكبر بلد عربي إسلامي في المنطقة، أصبحت بلدًا معزولاً، لا تملك التأثير ولا تستطيع حتى تأمين المياه لمواطنيها، فها هي دول حوض النيل توقع الاتفاقيات بدون مصر، وبمساعدة حليفنا الإستراتيجي الكيان الصهيوني، غابت مصر عن المشهد تمامًا، وفقدت صلاتها القويَّة بأخواتها العرب أو الأفارقة، وتمسكت فقط بحماية أمن الصهاينة من المقاومة.

 

غابت مصر عن السودان وعن إفريقيا وعن دارفور، كما غابت عن دول شمال إفريقيا، وأصبحت العلاقات يتحكم في مصيرها مباراة لكرة القدم، وغابت أيضًا عن دول الخليج التي تجاوزتها بمراحل، وأصبحت لها وزن أقليمي ودولي أقوى من مصر، وأصبحت إيران المسلمة ومشروعها النووي خطرًا على أمن مصر لا الكيان الصهيوني وترسانته النووية؛ حتى تركيا لم تستطع مصر مبارك مد جسور التواصل معها، ولو من منطلق وطني بحت، كما فعلت بعض الدول العربية، وباعت مصر القضية الفلسطينية بلا ثمن، ونصبت من نفسها شرطيًّا لحماية أمن الصهاينة وخنق المقاومة الوطنية الإسلامية الصامدة؛ فبنت جدار العار، وأغلقت المعابر، وتعهَّدت بتقديم الغاز المملوك للشعب المصري هديَّة للصهاينة المجرمين.

 

وقد يُثار تساؤل: وهو ما علاقة كل ذلك بقانون الطوارئ؟ والرد في غاية الإيجاز؛ هو لو أنَّ أبناء الشعب المصري الشرفاء خرجوا ليعترضوا على بناء الجدار العازل أو تصدير الغاز للصهاينة أو للمطالبة بنزاهة الانتخابات والإصلاح السياسي، أو خرجوا حتى للمطالبة بتحسين أحوالهم المعيشيَّة السيئة؛ لكان الرد قاسيًا من جانب النظام وشرطة النظام بالسحل والضرب والإهانة والاعتقال والترويع بموجب قانون الطوارئ!!.

 

إذن فليس هناك تنمية ولا تقدم ولا رخاء ولا إصلاح إلا بإلغاء الطوارئ، وليس هناك حياة كريمة إلا بعد تحقيق الإصلاح السياسي الذي يعد بوابة الإصلاح الحقيقي الشامل.

 

ونسأل المولى عزَّ وجلَّ أن يوفقنا إلى تحقيق هذا الإصلاح، وأن يزيح الفاسدين الظالمين أنَّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

-------------

* المحامي.