في اختراق بجدر العزلة الدولية المفروضة من قبل المجتمع الدولي على حركة حماس يأتي لقاء الرئيس الروسي مع رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" بحضور الرئيس السوري، بشار الأسد في سياق الخروج عن نص التعامل الدولي مع الحركة منذ فوزها في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وتحديدًا بعد اعتبارها منظمة إرهابية من قبل الرباعية الدولية.
وبرغم اختلاف الرؤى والتحليلات حول أهمية ودلالات الاجتماع يظل اللقاء الأول للرئيس الروسي ميديفيدف ووفد حماس برئاسة مشعل حدثًا كبيرًا قد نقترب من توصيفه بالتاريخي، وذلك لأهمية أطراف اللقاء الثلاثة، "روسيا، سوريا، حماس".
وتأتي تلك الأهمية لجملة اعتبارات تخص الأطراف حضور اللقاء، فيأتي الحضور الروسي في المقدمة بما تمثله روسيا من ثقل دولي كأحد أعضاء الرباعية الدولية وعضو دائم في مجلس الأمن وثاني قوة عسكرية على مستوى العالم، والطرف الثاني "حركة حماس" أكبر فصيل فلسطيني مقاوم واللاعب القوي في الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتكتمل الأهمية بالحضور السوري الذي يمثل قاعدة التهديد الصهيوني بدعمه لمحور المقاومة ضد الكيان الصهيوني؛ حزب الله، حماس وتحالفه مع إيران.
الكيان الصهيوني لم يتحمل أن يمرر اللقاء دون أن يعلن عن انزعاجه الشديد فعقب على اللقاء بإصدار بيان للخارجية الصهيونية أكد فيه على إرهابية الحركة، مستنكرًا بذلك اللقاء معها بتوصيف "حماس" على أنها "منظمة إرهابية بكل معنى الكلمة، تلطخت أياديها بدماء العديد من الصهاينة بينهم قادمون جدد من روسيا وسائر دول الاتحاد السوفيتي سابقا"، في رسالة فيها تعدٍّ واضح لأصول التعامل بين الدول، وكأنها تفرض على روسيا- من منطوق بيانها- المنظمات التي تتعامل معها والأخرى التي لا يجب أن تتعامل معها، في تدخل صهيوني واضح في الشأن الروسي.
الراصد للتحركات الروسية منذ تولي الرئيس ميديفيدف الرئاسة يدرك أهمية الخطوات التي تخطوها روسيا والتي تتميز بإعادة هيكلة مشاريعها السياسية والاقتصادية حتى تصبح قوة عالمية مؤثرة في إطار النظام العالمي المتعدد الأقطاب، حيث أصدر الرئيس الروسي منذ وصوله للرئاسة عدة مبادئ للسياسة الخارجية الروسية تحقق عالمية الدور الروسي، أو ما عرف بمبدأ ميدفيديف وهي خمسة مبادئ تنص على إعطاء الأولوية للمبادئ الأساسية للقانون الدولي والسعي إلى بناء عالم متعدد الأقطاب, وعدم السعي إلى المواجهة مع دول أخرى, وأن تحمي مواطنيها أينما كانوا, وتطوير روابط مع الأقاليم الصديقة.
تلك المبادئ تعطي مؤشرًا واضحًا للطموح الروسي الإستراتيجي الذي يدفعها للنهوض من تحت أنقاض "ركام الاتحاد السوفيتي السابق" لتكون دولة قوية ذات دور محوري على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما يفسر طبيعة العلاقة الروسية الإيرانية، والسورية وكذلك العلاقة مع حركة حماس.
فالنشاط الروسي في المنطقة وقيامه بفعل مؤثر وإيجابي في القضايا العالقة يمنحها دورًا هامًّا على المستوى الدولي، وبالتأكيد يضاعف من خطوات الوصول لهذا الدور نجاحها في إيجاد حل في قضية الصراع العربي الصهيوني.
لا شك أن المساحة الخالية التي يخلفها النظام الدولي برئاسة أمريكا، نتيجة العجز عن حل قضايا الصراع العالمية والتي تأتي القضية الفلسطينية ضمن أولوياتها، يزيد الطموح الروسي في ملء دوائر الفراغ السياسي ذات التأثير على المستوى الدولي، وإذا أخذ في الاعتبار الانحياز الأمريكي لمطالب الكيان الصهيوني وعدم قيامه بدور الوسيط النزيه، إضافة إلى سراب الوعود الأمريكية بإيجاد حل "عادل" للقضية، نصل إلى المشهد الآني في العالم العربي الذي يتسم بحالة من ضعف الثقة في الدور الأمريكي، الشيء الذي انعكس على محاولات إعادة إطلاق مباحثات السلام حيث تم الاتفاق على إطلاق المفاوضات غير المباشرة بصعوبة ملحوظة، وباشتراط عربي- "غالب الأمر دون فاعلية"- بتقييم المناقشات بعد 4 أشهر، تلك المناخات المتناقضة تؤهل بشكل كبير لضرورة وجود لاعب آخر يحدث التوازن المطلوب في جملة القضايا العالمية المثارة.
ويتصاعد بالتأكيد أهمية دور هذا اللاعب مع انحدار الدور الأمريكي وضعفه في إدارة الصراعات الدولية، ويتسق هذا المعنى تمامًا مع عرض لدراسة نشر على صفحة موقع (الجزيرة) (22/6/2009) بعنوان- الولايات المتحدة والقوى الصاعدة- يشير إلى صعود عدد من القوى الناهضة على الساحة الدولية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن الواحد والعشرين، أبرزها ما يسمى بمجموعة الـ "BRIC" التي تضم كلاًّ من البرازيل وروسيا والهند والصين إضافة إلى وجود دول مؤهلة لتصبح قوى رئيسية مثل كوريا الجنوبية وتركيا ولا شك أن الدور الروسي يقدم نفسه ليكون اللاعب المتميز.
تلك حقيقة يؤيدها السعي الملحوظ للدبلوماسية الروسية لعقد مؤتمر دولي للسلام تدعو له منذ فترة طويلة, غير أن انعدام الرغبة الأمريكية تحول دون التئام المؤتمر بسبب الخشية من تصاعد الدور الدولي الروسي، وهذا يعطي تفسيرًا للرغبة الحثيثة لدى البيت الأبيض لاستعادة المفاوضات الفلسطينية الصهيونية تحت أي غطاء وإن كانت بالمفاوضات غير المباشرة حتى لا يسمح لدبلوماسية أخرى غير الأمريكية تملك مبادرة التحرك في هذا الملف الحيوي.
الاستقبال العربي للقاء الثلاثي كان فيه كثير من الصمت والغموض المبرر، فقد تسبب في شيء من الإحراج للأنظمة العربية التي يرفض أكثرها استقبال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، كما جعلها على حالة اللا تعقيب على الاجتماع خشية تأثر العلاقات مع الجانب الأمريكي، ولم تلتقط الأنظمة العربية إشارة التلويح بفاعلية الدور الروسي في حل القضية الفلسطينية إذا استمرت حالة المفاوضات اللا نهائية المتبعة، نتيجة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تجعل من "الكيان الغاصب" خارج مجرد الضغط وليس الإلزام بقرارات الشرعية الدولية أو المعاهدات التي تضمن الأمن والسلم العالمي كمعاهدة عدم انتشار السلاح النووي.
وبرغم إشارة القيادي في حركة فتح، نبيل عمرو، إلى أهمية قضية التلويح ببديل عن الدور الأمريكي حين أكد في تصريح له ذكرته العديد من الصحف المصرية أن اللقاء كان بمثابة رسالة للكيان والعالم مفادها: "أن روسيا تمتلك التأثير في معادلة الشرق الأوسط، وأن الاحتكار الأمريكي للتحرك في الشرق الأوسط بات له منافسون جدد"، لم تلتفت السلطة والأنظمة العربية عمدًا إلى ذلك الطرح الموضوعي "القديم- الحديث"، ويبقى السؤال إلى متى يظل الوضع العربي مرتهنًا للسياسة الأمريكية المنحازة دائمًا للطرف الصهيوني، سياسة الدور المشبوه الذي نتج عنه ضياع الحقوق العربية في فلسطين والجولان، والحقائق جميعها تؤكد أنه لم تثبت قدم لاتفاق واحد تم برعاية أمريكية منذ أن دخلت في مسار التسوية السلمية منذ اتفاق أوسلو- فإلى متى يظل؟!
------------
* صحفي مهتم بالشأن الفلسطيني.