الحكاية الثالثة:

بعد تحرير عكا عام 1291 ميلادية، وتطهير بلادنا من آخر خواجة، عشنا طويلاً بمأمن من أخطارهم.

 

ولكن بعد خمسة قرون في عام 1798م، جاء خواجة ثانٍ من البر الثاني، من فرنسا، اسمه نابليون بونابرت، وقد أزعجه التوسع الاستعماري لعدوته اللدودة بريطانيا، ووصولها إلى الهند.. فجمع مستشاريه، وأعرب لهم عن رغبته في اقتحام الشرق لضرب المصالح البريطانية، وسألهم: من أين يبدأ؟

 

فرجعوا إلى دفاترهم القديمة، منذ جدهم الأكبر لويس التاسع، وبعد البحث والدراسة والتشاور، أخبروه أن المدخل الصحيح إلى الشرق هو مصر، ونصحوه بذلك حتى لا يكرر خطأ الحملات الصليبية الأولى التي بدأت بالشام وانكسرت عند مصر.

 

لم يكذب نابليون الخبر، وأعدَّ حملته الشهيرة، ووجدناه على أبواب مصر وسواحلها عام 1798م، ومكث عندنا 3 سنوات ثم أُجبر على الانسحاب، ولكن كانت حملته بداية الموجة الجديدة من الحروب الاستعمارية.

 

وإذا كانت الحملات الأولى التي عُرِفت باسم الحروب الصليبية استمرت ما يقرب من 200 عامًا : من 1096 إلى 1291م.. فمتى انتهت الحملات الاستعمارية الثانية التي بدأها نابليون؟

 

لم تنتهِ بعد..

فمنذ نابليون وحتى أوباما، لا يزال العدوان الاستعماري مستمرًّا ومتصلاً، لم ينقطع أبدًا، فالخواجات لم يرحلوا أبدًا عن أوطاننا طوال أكثر من مائتي عام من 1798 حتى 2010م، فلقد ظلت أرضنا متسخةً دائمًا بوجودهم، ولا تزال.

 

***

وتذكرة سريعة قد تكون مفيدة:

- في 1798/1801م حملة نابليون على مصر.

 

- 1805/1807م الحملة الفاشلة للخواجة الإنجليزي فريزر على مصر.

 

- 1830م فرنسا تحتل الجزائر.

 

- 1839 بريطانيا تحتل عدن.

 

- 1820: 1853م الإنجليز يستولون بالتدريج على إمارات الخليج الذي يتحول إلى بحيرة إنجليزية.

 

- 1861 بريطانيا تحتل عمان رسميًّا.

 

- 1880 بريطانيا تحتل البحرين رسميًّا

 

- 1881 فرنسا تحتل تونس.

 

- 1882 الإنجليز يحتلون مصر.

 

- 1887 محمية بريطانية في الصومال.

 

- 1889 محمية إيطالية في الصومال، ثم اقتسموها تمامًا عام 1920م

 

- 1898 بريطانيا تحتل السودان.

 

- 1899 بريطانيا تحتل الكويت رسميًّا.

 

- 1904 الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا لاقتسامنا.

 

- 1911 إيطاليا تحتل ليبيا.

 

- 1912 فرنسا تحتل مراكش.

 

- 1915 بريطانيا تسيطر على الحجاز من خلال المعاهدات الثنائية، وحق الإشراف على العلاقات الخارجية ومرتبات شهرية للأمراء.

 

- 1916 اتفاق سايكس بيكو لاقتسام المشرق العربي.

 

ثم قامت حرب الخواجات الأولى 1914- 1918م، المشهورة باسم الحرب العالمية الأولى، بسبب المنافسة والصراع على استعباد خلق الله وتقسيم العالم، والتي بلغ عدد ضحاياها 8.5 ملايين قتيل و29 مليون جريح ومفقود وأسير.

 

وخلالها وبعدها قام الخواجات باحتلال باقي الأقطار العربية التي لم تكن قد احتلت بعد مثل العراق وسوريا التي قسموها إلى أربعة أجزاء: هي لبنان وسوريا الحالية والأردن وفلسطين.
ثم جزءونا جميعًا لتسهيل اقتسامنا وتوزيعنا كغنائم حرب على المنتصرين منهم، فخرجنا من الحرب ونحن جميعًا أقطارًا محتلة ومقسمة، وأصبحنا دولاً مستقلة! مستقلة عن بعضنا البعض، وفي مواجهة بعضنا البعض.

 

ويا ليت الأمور توقَّفت عند هذا الحد.. فلقد اخترعوا لنا لعنةً جديدةً، لم يفعلوها مع أي شعبٍ آخر من البلدان التي احتلوها، هي لعنة وطن لليهود في فلسطين، والذي شرعوا في زرعه بعد الحرب الأولى، حتى إذا اضطروا إلى مغادرة أرضنا لأي سبب، تبقى لهم قاعدة فيها.

 

***

هكذا صرنا بعد 120 عامًا من عدوان الخواجة نابليون.. لقد عدنا إلى الوضع الذي كان يعيش فيه أجدادنا الفاشلون البائسون قبل الميلاد، عدنا 20 قرنًا إلى الوراء.

 

***

مصر والخواجات مرة أخرى:

قبل أن نواصل حكايتنا، يجب أن نتوقف هنا قليلاً عند حكاية مصر مع الخواجات في هذه الفترة:

 

فكما نعلم جميعًا أنه في 1805 عُيِّنَ محمد علي واليًا على مصر بضغطٍ شعبي على السلطان العثماني، واستطاع أن يقرأ تاريخ المنطقة قراءةً صحيحة، على الوجه الذي قرأه كافة قادة الأمة على مرِّ العصور، وعلى الوجه الذي قرأه قادة الخواجات منذ الحروب الصليبية.

 

وقرر أن يجدد شباب الأمة بتأسيس دولة جديدة تخلف الدولة العثمانية وترِثَها، وبالفعل استطاع أن يضم الحجاز والسودان والشام.

 

وكاد أن يفعلها، لولا أن اجتمع الخواجات على البر الثاني، الاتحاد الأوروبي القديم، وقرروا وأد هذه الدولة الوليدة، وضربوه في معركة نفارين، ووقعوا معه معاهدة كامب ديفيد الأولى، المعروفة باسم معاهدة لندن عام 1840م، وفيها أطلقوا يده في حكم مصر والسودان هو وذريته كما يشاء، ولكنهم حَرَّموا عليه خلق أي امتداد عربي أو إسلامي.. ومن يومها حتى يومنا هذا ومصر معزولة عن أمتها.

 

ولو اعتبرنا سايكس بيكو 1916م هي اتفاقية لتقسيم المشرق العربي، فيمكننا أن نعتبر معاهدة لندن هي سايكس بيكو مصر.

 

وبعد عزل مصر، انهارت الأمة، وتساقطت أقطارنا الواحد تلو الآخر في أيدي الخواجات على الوجه الذي تقدَّم.

 

***

ونعود إلى الحكاية الأصلية:

بعد الحرب العالمية الأولى، ظل الخواجات فوق دماغنا ربع قرن تقريبًا، إلى أن قامت حربهم الثانية 1939- 1945م التي كانت هي الأخرى بسبب الصراع على اقتسام العالم والسيطرة عليه، والتي راح ضحيتها هذه المرة 60 مليون قتيل، منهم 40 مليون مدني، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 مليون جريح.

 

وبعد الحرب، تغيَّر العالم قليلاً، فذهب خواجات كبار وجاء غيرهم، فحل الأمريكان والسوفييت محل الإنجليز والفرنسيين.

 

واستطاعت معظم الأقطار العربية أن تتحرر وتستقل مستغلة ظروف التغير في موازين القوى، وكادت الأرض العربية أن تنظف، ولكن كانت فلسطين قد اغتصبت منا عام 1948م، بعد مسلسل طويل بدأ منذ عام 1917م كما تقدَّم. واتسخت أوطاننا باستعمارٍ من نوعٍ جديد، هو الاستيطان الصهيوني الإحلالي.

 

وعاشت المنطقة بضعة سنوات قليلة من التحرر والتحدي للخواجات، شهدت خلالها تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي، والوحدة المصرية السورية 1958- 1961م، وثورة الجزائر واستقلالها 1962م، وميلاد جيل جديد من المقاومة الفلسطينية 1965م.

 

ولكن ما هي إلا بضعة سنوات قليلة وإذا بالكيان الصهيوني يشنُّ علينا عدوانًا جديدًا عام 1967م، ويغتصب أجزاءً إضافيةً من أوطاننا في سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة؛ لتتسخ أرضنا أكثر وأكثر.

 

وحتى بعد حرب 1973م التي حققنا فيها نصرًا عسكريًّا على الصهاينة، إذا بالأمريكان ينجحون في إخراج مصر من الحرب والصراع، ويعزلونها مرةً أخرى كما فعلوا مع محمد علي، ويتسلمون 99% من مقاليد الأمور، وتسقط مصر مرةً أخرى في التبعية للخواجات، ولكن للأمريكان هذه المرة وليس للإنجليز.

 

لتلحق بأخواتها من الأقطار التي لم تغادر حظيرة التبعية على الإطلاق مثل الأردن والسعودية وأقطار الخليج وإماراته وغيرهم.. وبسقوط مصر وعزلتها، تدهورت أحوال الأمة أكثر و أكثر.

 

وتستمر كرة الثلج في السقوط، فيجتاح الخواجات الجدد بقيادة أمريكا المنطقة ويحتلون الخليج العربي 1991م، الذي يتحول إلى بحيرة أمريكية، ولأول مرة تحارب جيوش عربية تحت قيادة جيوش الخواجات ضد قطر عربي.. وبعد حصار 12 سنة للعراق، يقومون باحتلاله عام 2003م احتلالاً عسكريًّا تقليديًّا مماثلاً لحملات الخواجة القديم نابليون وأقرانه من خواجات القرن التاسع عشر.

 

وهم الآن بصدد تفتيته، هو والسودان وباقي المنطقة في سايكس بيكو جديدة.

 

***

الخلاصة أن ما بدأه نابليون لم ينتهِ بعد، والحملات الاستعمارية الجديدة لم تنتهِ بعد، وأن الأمة العربية لم تحقق بعد الهدف البديهي الأول لكل الأمم وهو التحرر والاستقلال.

 

كل بلدان العالم الثالث، كانت محتلةً خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وكلها تحررت مثل الهند والصين وإيران وتركيا وغيرها.

 

إلا نحن..

فلسطين مغتصبة..

العراق محتل..

الجولان مغتصب..

مصر، قلب العرب والمسلمين، تابعة..

الجزيرة العربية بكل أقطارها ودولها تابعة..

وتفتيت الأمة قائم على قدم وساق.

هذه هي خلاصة حكايتنا الثالثة مع الخواجات، والتي يمكن أن نبلورها في الدروس التالية:

الدرس الأول:

هو نفس الدرس القديم يتكرر للمرة الثالثة في تاريخنا الممتد لـ5000 سنة: تجزأنا، فهزمنا، فسقطت أوطاننا مرةً أخرى في أيدي الخواجات من البر الثاني.

 

المرة الأولى كانت قبل الميلاد، والتي كانت من نتيجتها ما يزيد عن ألف سنة من الاحتلال التي بدأها الإسكندر الأكبر 332 ق.م، ولم تنتهِ إلا بالفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي.

 

والمرة الثانية كانت مع الحروب الصليبية 1096- 1291م

 

والمرة الثالثة من عام 1798وحتى الآن 2010م

 

***

الدرس الثاني:

- العدو واحد هو الخواجات على البر الثاني.

 

- الإغريق والرومان والبيزنطيون والفرنجة الصليبيون والفرنسيون والإنجليز والطلاينة والأمريكان والصهاينة، كلهم شيء واحد، ومشروع واحد.

 

- وهم يفهمون ويستوعبون تاريخنا أفضل منا، ويحفظونه عن ظهر قلب. ويواجهوننا على أساسٍ من هذا الفهم.

 

***

الدرس الثالث:

- كل الترتيبات التي صنعها لنا الخواجات في القرنين الماضيين باطلة.. الاحتلال والحماية ومعاهدات الصداقة وعصبة الأمم، والانتداب والتجزئة والتقسيم، ووعد بلفور والأمم المتحدة وتقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل وقبولها في الأمم المتحدة وغيرها الكثير، كل هذا باطل.

 

- كل الدول العربية القائمة، أيًّا كانت أنظمة الحكم فيها، هي كيانات باطلة، أنشأها الخواجات منذ الحرب العالمية الأولى، وكلها عاجزة عن حماية الأمة والدفاع عنها.

 

- حرمان المواطن العربي من حقِّ المقاومة والدفاع عن وطنه الواحد في فلسطين أو العراق أو غيرها باطل.

 

- وكذلك حرمان المواطن العربي من حق الانتقال والعمل والإقامة في أي بقعةٍ من وطنه العربي باطل.

 

- وحرمان المواطن العربي من التمتع بكامل خيرات أمته في السعودية والكويت والإمارات وغيرها باطل؛ فثروات الأمة ملكية مشتركة بين كل مواطنيها.

 

- الحدود بيننا باطلة، والتطبيقات كثيرة.

 

***

الدرس الرابع :

- مصر هي قلب الأمة وجزء منها، وليست وطنًا قائمًا بذاته.

 

- مصر ليست الصين، وإنما هي بكين.

 

- عزلها الخواجات عام 1840م عن أمتها، فهزموهما معًا.

 

- وعزلوها مرةً أخرى عام 1979مع كامب ديفيد، فهُزِمَ الجميع.

 

***

الدرس الأخير:

يجب أن نحرر كامل التراب العربي من الخواجات، من الصهاينة والأمريكان وحلفائهم.. هذه هي مهمتنا الأولى، التي لها الأولوية على كل ما عداها، وهي مهمة قديمة لم ننجزها بعد.

 

صحيح إننا لم نكفَّ أبدًا عن المقاومة طوال القرنين الماضيين، وصحيح أننا لا زلنا نقاوم في فلسطين ولبنان والعراق وغيرها، ولكننا نفشل دائمًا بسبب تفتتنا وانقسامنا، فكل منا يرد العدوان عن نفسه فقط رغم أن المعتدى واحد ومشروعه واحد.

 

ولن نستطيع أن نحقق أي نهضة أو تقدم أو تغيير إلا بعد أن نتحرر، إلا بعد أن نطرد الخواجات.. ونحن قادرون على ذلك، فلقد فعلناها من قبل، ونستطيع أن نفعلها مرات ومرات، وطريقنا إلى ذلك هو وحدتنا؛ فشعارنا ومعركتنا الحالية يجب أن تكون هي الوحدة والاستقلال والمقاومة.

------------------

* Seif_eldawla@hotmail.com