تعيش الصومال في هذه الأيام مرحلة مخاض عسير، تتمثل في موجة من التغيرات السياسية التي تطال هيكل الحكومة الصومالية وأجهزتها الإدارية والبرلمانية وتبعث الخوف في النفوس وتنذر بزوال الحكومة الصومالية برئاسة الشيخ شريف أحمد على غرار الحكومة الانتقالية بقيادة العقيد عبد الله يوسف أحمد التي زالت من الوجود قبل أن تنتهي فترتها المقررة من أغسطس عام 2009؛ حيث خرجت من حلبة الصراع السياسي في يناير في العام نفسه بموجب اتفاقية جيبوتي التي شكلتها الحكومة الحالية.
وبينما يستمر حمام الدم في الصومال وخاصة (مقديشو) وتشريد المئات من منازلهم هربًا من لظى الحرب المستعرة بين الفرقاء الصوماليين جلى واضحًا في الأفق أزمة برلمانية ودستورية أخرى قد تحمل في طياتها نذير شؤم لسقوط الحكومة الصومالية الانتقالية التي بقيت في كرسي العرش- ولا تزال- عامًا ونصف العام دون أن تضيف للواقع شيئًا يذكر اللهم إلا مزيدًا من الفوضى التي خلفت مئات من القتلى والجرحى وفرار الآلاف من المدنيين إلى مخيمات اللجوء خارج مقديشو.
وفي أواخر عام 2009م دخلت الحكومة الصومالية إلى أتون قضية برلمانية جديدة عكرت صفوة الماء؛ حيث احتج أكثر من 300 نائب في البرلمان الصومالي على شرعية رئيس البرلمان أدم مدوبي، بينما يتمتع الأخير بتأييد 100 من النواب- من أصل 550 نائبًا في البرلمان-، وأصبحت وسائل الإعلام المحلية تنقل التصريحات النارية بين أعضاء البرلمان الصومالي بشكل غير مسبوق، وصارت التصريحات النارية بين البرلمانيين كلعبة شد الحبل، وبمرور 5 أشهر على الأقل، أخذت القضية منحى خطيرًا داخل البرلمان، ورُفض لرئيس البرلمان (آدم مدوبي) مداولة البرلمان الصومالي من قِبَل أكثر من 300 نائب حتى زاد آدم مدوبي نفسه الطين بلةً بعدما أعلن أن الحكومة الصومالية قد انتهت فترتها من جانب أُحادي دون أن يشارك البرلمانيون في هذا الرأي، وهم الذين اختاروا مؤخرًا رئيسًا لهم لأكبر نائب يدعى حاجي شكر الذي يناهز من العمر 84 عامًا بصفة مؤقتة لغاية اختيار رئيس شرعي جديد للبرلمان من قبل النواب الصوماليين.
وتبعًا للخلافات السائدة في البرلمان الصومالي، أعلن آدم مدوبي عن استقالته من منصب رئيس البرلمان، وقبل رئيس الحكومة الصومالية استقالة آدم مدوبي، باديًا سروره البالغ لتنازل آدم مدوبي عن هذا المنصب احتواءً لأزمة البرلمان الصومالي، لكن الأزمة وصلت إلى دروتها بعد أن فجر شريف أحمد نفسه أيضًا أزمة دستورية أخرى؛ حيث قرر رئيس الصومال في وضح النهار حل الحكومة الصومالية برئاسة عمر عبد الرشيد علي شرماركي مما أدى إلى أن يصب القرار جام غضب الأخير، وتمسك بمنصبه، دون أن يرضخ لقرار شريف أحمد القاضي بحل حكومته.
وفي تطور جديد لإخماد الغضب البركاني لـ"عمر عبد الرشيد علي" تراجع شريف أحمد عن قراره بحل الحكومة الصومالية، مما تعني أن الحكومة الصومالية تفتقر إلى الحنكة الدبلوماسية واللباقة الإدارية لفك رموز المعضلة السياسية التي تتخبط فيها الحكومة الصومالية، رغم أن العودة من الطرق الوعرة إلى الطرق الفسيحة أمر ايجابي بالنسبة لكثير للصوماليين الذين يرون أن الحل الأنجع لإنهاء التوتر السياسي بين (شريف أحمد- عمر عبد الرشيد) يكمن في أن يتراجع شريف أحمد عن قراره الذي صبّ الزيت على السياسة الملتهبة.
والحقيقة أن ما جرى- ويجري- في الصومال في الوضع الراهن يزيد القلق الدولي تجاه الأزمة الصومالية- المستعصية- ولا تزال الهيئات الدولية والإقليمية تدق ناقوس الخطر في الصومال، ابتداءً من برنامج الأغذية العالمي الذي قال إن أكثر من 3.67 مليون صومالي يعانون من أزمة غذائية حادة، بينما هيئة علمان لحقوق الإنسان في الصومال أصدرت تقريرها الأخير حول العنف المتزايد في الصومال؛ حيث أشار التقرير أن أكثر من 6650 لقوا حتفهم في عام 2009م من جرَّاء العنف والعنف المضاد في البلاد التي تعيش حالة من الفوضى منذ انهيار نظام سياد بري في عام 1991م.