أحاول منذ فترة متابعة ما تقوم به الحكومة من أجل تمديد حالة الطوارئ التي تعيش فيها مصر منذ أكثر من 29 عامًا، وخرجتُ بمجموعة من الانطباعات أثارت في نفسي الكثير من التساؤلات منها:
1- هل الذي وافق على مدِّ العمل بقانون الطوارئ في ظلِّ الظروف التي تعيش فيها مصر الآن مصري يعيش في مصر، ويعاني مما يعاني منه شعب مصر.
2- هل يدافع عن مد العمل بهذا القانون عن قناعة أم أنها المصالح الشخصية يا باشا.
3- هل مصر تحتاج إلى القوانين الاستثنائية الآن أم إلى قوانين تكرس الحريات والشفافية لنخرج من هذا النفق المظلم الذي نعيش فيه.. وغيرها الكثير والكثير من الأسئلة على نفس الشاكلة، ولكني لن أجيب لهم عليها، ولكني سأجيب لماذا أكره هذا القانون؟
لأني عشتُ في حالة الطوارئ التي تُسمَّى حالةً استثنائيةً أكثر من ثلثي عمري، فلم أرَ فيها إلا انتقال مصر العظيمة من سيئ إلى أسوأ، حتى أصبحت مصر في المستوى 112 في تقرير التنمية البشرية، وقبل سرد مظاهر هذا التدني أردُّ على الحجج التي تسوقها القلة المستفيدة من هذا الوضع وهي أن الطوارئ لا تُستخدم إلا ضد الإرهاب أو المخدرات، وهو أن مصر لم تتعرض للإرهاب الحقيقي منذ عام 2006م، وهي تُعَدُّ من أقل دول المنطقة تعرضًا للإرهاب؛ وذلك ليس بفضل هذا القانون العبقري، ولكنْ هناك أسباب أخرى يمكن مناقشتها في مقال آخر، أما فيما يتعلق بالمخدرات فقانون العقوبات به من الزواجر ما يردع كل من تسول له نفسه أن يروج أو يتعاطى هذه السموم اللعينة من كبار رجال الأعمال حتى التجار الصغار، بل والمتعاطين في أبعد غُرْزَة، بل إن العقوبات تراوحت بين الإعدام أو الحبس لعدة سنوات، فهل هناك عقوبة أكثر من الإعدام في الطوارئ؟ لا أظن.
ولكني أقول إن الطوارئ لم تجدد لمصلحة هذه البلد وشعبها، ولكنها لمصلحة أطراف خارجية وقلة في هذه البلد،
وما السفن التي تمر بالقناة وتحمل ما يضر بأمننا وأمن بلادنا إلا... (والحدق يفهم).
الجدار الفولاذي الذي أنشئ على غير إرادة مصر كلها موالاة ومعارضة، والاتفاقات المشبوهة التي تُبرم خارج المجالس النيابية، كذلك منع المعارضين للنظام من شتى الاتجاهات أن يكون لهم تواجد واضح في الشارع، المأساة أن البلد وصلت إلى حالة من الانسداد السياسي خيمت على الأجواء السياسية المصرية؛ ما أدى إلى انتشار المحاكم الاستثنائية مثل محكمة أمن الدولة والمحاكم العسكرية أو غيرها من المحاكم الخاصة التي تنشأ لأسباب سياسية؛ لردع المخالفين وما محاكمة مجدي حسين وخيرت الشاطر عنا ببعيد.
وأن الجهاز الأمني انشغل عن دوره الحقيقي في تعقب المجرمين إلى تعقب المخالفين سياسيًّا والتضييق على حرية الأشخاص في الاجتماع، والإقامة والمرور في أماكن وأوقات معينة، والقبض على المشتبه بهم سياسيًّا لأتفه الأسباب؛ ما أدَّى إلى هروب العقول المصرية الخلاقة في شتي المجالات من مصر أمثال (زويل- وإبراهيم السيد .................) حتى أصبح المعيار هو الولاء وليس الكفاءة؛ ما أدَّى إلى رفض تعيين المعارضين أو المنادين إلى الإصلاح في الوظائف العامة والحكومية؛ لعدم ولائه، وأريدك أخي القارئ أن تنظر إلى بندٍ واحدٍ من بنود هذا القانون الظالم: (وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة، والقبض على المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم، والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال؛ والأمر بمراقبة الرسائل أيًّا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها، وتحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها، وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها، والاستيلاء على أي منقول أو عقار؛ والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وكذلك تأجيل أداء الديون والالتزامات المستحقة والتي تستحق على ما يستولي عليه أو على ما تُفرض عليه الحراسة، وسحب التراخيص بالأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة، وإخلاء بعض المناطق أو عزلها، وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة، ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الحقوق المبينة في المادة السابقة على أن يعرض هذا القرار على مجلس الأمة في أول اجتماع له).
فإذا نظرنا إلى الجوانب الاجتماعية فإننا نرى أن 50% من الشعب المصري تحت خط الفقر، وانتشرت ظاهرة سكان المقابر التي يقدرهم الجهاز المركز للإحصاء بحوالي واحد ونصف مليون نسمة، ووصل الأمر إلى أن أصبح المواطن مهددًا بسيف الأمن، ففي أي لحظة تجد رجل الأمن يدق على بيتك ليقودك إلى الشرطة لتنفيذ حكم أو تجد رجل الشرطة في الطريق العام يقتادك إلى قسم الشرطة بحجة أن ذقنك بدأت تنبت، أو تقتاد إلى مصيبة لا تعلم عنها شيء بسبب التشابه في الأسماء أو خلافات مع أحد الكبار، فتُحبس دون جريرة أو قرار محكمة، ووصل الأمر إلى أن أصبح مخالفة الدورة الزراعية قضية أمن دولة، ناهيك عن الأحكام القضائية التي لا تُنفذ، أو الحبس الاحتياطي دون مبرر واضح، أو اعتقال المعارضين السياسيين بالرغم من أحكام القضاء بالإفراج عنهم، أو المنع من السفر.
والطامة الكبرى هو تزوير الانتخابات الذي ما زال يحدث في هذه البلاد ونحن في القرن الحادي والعشرين، والذي يُفْرِز برلمانًا يوافق على أي شيء تطلبه الحكومة سواء كان طوارئ، أو بيع مصر بأبخس الأثمان، وما صفقة شركة المراجل وعمر أفندي عنا ببعيد، ويفرز نوابًا أمثال نواب القروض ونواب القمار.......!
فإذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي فإننا نرى أن الطوارئ كانت سببًا في تراجع كبير، حتى أصبح الجنيه السوداني يساوي خمس جنيهات مصري (وعجبي)؛ وذلك لأن الطوارئ تعني عدم الاستقرار السياسي أو الشفافية؛ ما يؤدي إلى عدم ورود استثمارات جادة إلى البلد، ناهيك عن الاستثمارات غير الجادة التي تضر بأمن البلد أمثال قضية سياج وفرانس تليكوم، وقضية بيع شركات الغزل إلى مستثمرين هنود، والذي أدَّى إلى تراجع كبير في صناعة الغزل المصري، وقل لي أيها القارئ العزيز أين ذهب الـ"تريليون وربع" الخاصة بالصناديق الخاصة، والتي كشف عنها نائب الإخوان أشرف بدر الدين، ولا يعلم أحد حتى كتابة هذه السطور عنها شيئًا، وكذلك بيع كثير من الشركات المصرية بأقل من قيمة أصولها الثابتة بكثير، وفي النهاية أقول: إن الطوارئ ظرف استثنائي وأن الاستثنائيات لا تطبق إلا في ظروف استثنائية أما أن يكون الاستثناء هو الأصل، وأن يمتد على طول جيل كامل من البشر أي ما يقرب من 30 عامًا، فذلك هو العجب العجاب.
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء
وفي النهاية أقول للقارئ العزيز.. إن دورنا هو أكبر دور لنخرج من هذه الحالة البئيسة بأن نقول لا للطوارئ؛ وذلك عن طريق أن نمنع تزوير إرادتنا في الانتخابات، وفي أن نقول لا للفساد والمفسدين، وأن نشارك في كل الفعاليات التي تعني بالشأن العام، وألا نترك للمفسدين فرصة في أن يضروا بأمننا القومي، أو أن يبيعوا بلادنا، أو أن ينتهكوا كرامتنا، ودون مشاركتك لن يتغير الحال، ولن تعود كما كانت رائدةً في المنطقة.
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).