تكاد تكون مصر الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق قانون الطوارئ منذ ثلاثين عامًا على شعبها، والذي يعطي الحق لرجال النظام وسدنته في الإلغاء العملي لكافة مواد الدستور والقانون المصري، حيث يجعل قانون الطوارئ الشعب مستباحًا من قِبل النظام، فحريته مسلوبة بكاملها دون ضابط وممتلكاته منهوبة بلا رقيب، وحياة المواطن وحركته وسكونه تحت وصايته.
في هذا المقال نلقي الضوء على الآثار التي ترتبت على حكم المصريين طيلة ثلاثين عامًا بهذا القانون البائس:
أولاً: أكبر كارثة سببها هذا القانون هو تأسيسه لدولة عمادها الظلم وبناؤها الطغيان وباطنها من قبلها العذاب والفساد والاستبداد، حين نطلق هذه العبارات فهي ليست كلمات مجازية أو إنشائية، بل هي حقيقة واقعة مشاهدة لكل إنسان صحيح البصر والبصيرة.
فمن المعروف أن السلطات التنفيذية في معظم دول العالم سواء المتقدمة منها أو المتخلفة قد (تتجاوز) في الصلاحيات الممنوحة لها في القانون العادي- في بعض الأحيان أو في الكثير منها- لكن المشكل عندنا أن الأجهزة التنفيذية للدولة اعتادت العمل بقانون الطوارئ الذي يمثل واحدًا من أبشع القوانين التي عرفتها البشرية!!، فما بالك عندما تتجاوز أجهزة الدولة قانون الطوارئ ذاته وتتعداه في تعاملها مع المواطنين؟!، وإذا تعجبت من هذا الطرح فرجع إلى تقارير المنظمات الحقوقية والدولية المستقلة لتدرك أن النظام لم يكتف بقانون الطوارئ بل تعداه في قهره للشعب وبشكل لم يخطر على قلب بشر!!.
ثانيًا: حين أسس النظام بنيانه على قانون الطوارئ انتشر الظلم والطغيان فكان أول ما أصاب المواطن المصري هو أن أصبحت صفات مثل (الخوف والفزع والسلبية) هي المتحكمة في نظرته للأمور وتقديره للأشياء، فالخوف والفزع هما وسيلة أي نظام مستبد للبقاء، عندما غابت حقوق المواطن تحت عتبات الطوارئ، انسحب الناس من الحياة وأصبح المواطن يدير حياته بعيدًا عن الدولة، فانتقلت الأمة المصرية من دولة الطوارئ إلى دولة الغابة، دولة البقاء فيها للأقوى والأفسد ولو إلى حين!!، وأخذت دولة البقاء للأصلح تتلاشى من حياة المواطنين، حتى أخذت سمات قانون الطوارئ يتشربها الطفل المولود، ويتربى عليها الفتيان ويشيب عليها الكهول!!، فنسى الناس- إلا من رحم ربي- أنهم ناس!!، وعاشوا بمنطق القطيع يقادون ولا يقودون.
وحين تراجع هذا على الأرض تجد أن الكلمات السابقة تعبر على استحياء عن مرارة الواقع والتي لو تطرقنا إليها لما نفعنا مقال ولا كتاب ولا حتى موسوعة!! لنصف كيف تغيرت حياة الناس وأخلاقهم.
ثالثًا: اقتصاديًّا: يقول تعالى على لسان سيدنا إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: من الآية 126)، المعنى الواضح لهذه الآية الكريمة هو ارتباط (الشعور بالأمن) بالرخاء الاقتصادي فلكي تحصل على الثمرات لا بد من أن تشعر بالأمن والطمأنينة، حين تطبق هذه الآية على الوضع الاقتصادي المتدهور الذي تعاني منه مصر، سرعان ما تدرك ما الذي فعلته بنا الطوارئ، افتقر الناس وهربت رءوس الأموال، وبيعت معظم أصول مصر، وتدهورت كافة مرافق الدولة بشكل غير مسبوق، وسرّح ملايين العاملين وانتشرت البطالة.
الآن الأمن مفقود والعدل موءود والباطل مسنود في ظل الطوارئ، تراجعت مصر في كل مجالات التنمية وتقارير المنظمات الدولية خير شاهد على ذلك.
رابعًا: مجتمعيًّا: حين شعر الناس أنه لا حيلة لهم في ظل الطوارئ تأقلموا مع هذا الوضع بعدة طرق منها الانسحاب من الحياة والسلبية المطلقة كما قلنا سابقًا، فوجدنا الكثيرين ينتحرون أو يقتلون أبناءهم أو آباءهم احتجاجًا على ما تفعله الدولة بهم!! لم يكن هذا العنف موجهًا للنظام بل كان موجهًا للذات، فكان قتلهم لأنفسهم أو لأحبائهم أهون عليهم من يتصادموا مع النظام!!، أمثال هؤلاء تجد معظمهم في المناطق العشوائية والهامشية تنتشر بينهم البلطجة والانحلال الأخلاقي والأمية والجهل والمرض لهم عالمهم الخاص المغلق عليهم بعد أن أصبحوا في ظل الطوارئ طارئين على الحياة!!.
البعض الآخر استخدم العنف ضد الدولة فدخل معها في صراع مرير حين تقرأ بعض تفاصيله وتطلع على بعض أسراره سرعان ما تشعر بحسرة ما بعدها حسرة عن الخسائر في القلب والعقل والضمير والجسد في هذه الدولة الظالمة أهلها وقصص ما وراء الأسوار تكفي وزيادة.
آخرون وجدوا الحل لمعضلتهم مع نظام الطوارئ بأن يرتموا في أحضانه ويتمرغوا في ترابه ويتخلقوا بأخلاقه!!، فظهرت طبقة من البشر مات كل شيء فيها اللهم إلا شهواتها التي لا تروي من ظمأ ولا تشبع من جوع، فانتشرت المحسوبية والواسطة والرشوة وقيم النفاق والتملق والغدر والخيانة والغش والكذب والتزوير والفساد تقربًا وزلفى للأسياد، لأن رضا الباب العالي أصبح هو قانونهم الوحيد في ظل الطوارئ بعد أن غيّب قانونهم الطبيعي الذي يضمن حقوقهم وهذا ليس تبريرًا لهم بقدر ما هو تفسير للحال الذي وصلوا إليه.
ثم تبقى القلة القليلة الصابرة المرابطة التي لم تتلوث بعد وهذه هي معقد الأمل بعد الله والتي تقوى شكوتها كل يوم وتزداد عزيمتها كل حين، ويقرب صبحها كل فجر.
خامسًا: حين سادت حالة الطوارئ وأخلاق الطوارئ ورجال الطوارئ، لم تتأثر مصر وحدها وشعبها، بل كانت هذه الحالة وبالاً على الأمة بكاملها، فحين تجذرت الطوارئ في مصر أنبتت العلقم في فلسطين والعراق والسودان وغيرهم، فلم يعد للعالم العربي والإسلامي (كبير) يعمل له حساب لدى الغرب، لأن النظام انكفأ على ذاته واستقال من كافة قضايا أمته اللهم إلا من باب رفع الحرج أو ذرًّا للرماد في العيون؛ لأنه يعلم أن بيته من خيوط العنكبوت فآثر السلامة والانسحاب على الممانعة والكبرياء، ولأنه لا يوجد في ظل الطوارئ أحد يحاسبه أو يراجعه فلم يدخل في صراع من أجل الأمة أو يتبنى قضية من قضاياها، بل كان للأسف معولاً للهدم أكثر منه معولاً للبناء وما يحدث في غزة ودوره المشبوه هناك جزء من كل، من مشهد تعاني منه الأمة في ظل الطوارئ.
إن هذه القانون لهو عار على التاريخ، عار على الماضي والحاضر والمستقبل، عار على كل إنسان يمتلك الحد الأدنى من الكرامة والإنسانية، إن الذي يقبل أن يعيش في ظل الطوارئ عبدًا- وقد خلقه الله سيدًا، أسيرًا وقد خلقه الله حرًّا، ذليلاً وقد خلقه الله عزيزًا- لا يستحق الحياة ولا تستحقه، فهل نستيقظ ونتحرك قبل فوات الأوان، اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.