الجمعة الرابع عشر من مايو الجاري هو موعد الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين (18 مايو 1948م)، وهي ذكرى قرار الأمم المتحدة الجائر بتقسيم فلسطين بين الصهاينة والشعب الفلسطيني، لقد زرع العالمُ الصهاينةَ رسميًّا في تلك البقعة المقدسة، ومن يومها سرى السرطان في تلك الأرض حتى التهمها عن بكرة أبيها؛ تحت غطاء الأمم المتحدة، ودعم الغرب، وانبطاح العرب، واستعداد سلطة عباس لبيع القضية برمتها ودفنها في غياهب النسيان.
وقد كانت الذكرى الثانية والستون مناسبة لهرولة بعض القادة لتقديم التهنئة لعصابة اللصوص بما يسمى "ذكرى نشأة إسرائيل"، وكانت مناسبة أيضًا لمواصلة محمود عباس مفاوضاته مع العدو الصهيوني وسط استمرار عمليات الاستيطان والتهويد للقدس وما حولها، في مشهد إذلال هزلي لمعسكر ما يسمى بـ"السلام"!.
وقد بتنا نُفاجأ مع كل ذكرى للنكبة بنكبة جديدة، حتى صارت النكبات يُنسي بعضها بعضًا، فاليوم تواصل السلطة تفريطها في الحقوق الفلسطينية حتى باتت تفرط في كل شيء، بينما تتخندق مع الطرف الصهيوني في حربه على تيار المقاومة.
وقبل عامين، انطلق شريان الغاز المصري في ذكرى النكبة ليسهم في إنعاش الحياة في الكيان الصهيوني، ويقدم دعمًا جديدًا لبقائه وراحته ورفاهيته بثمن بخس.. فقط دولار ونصف الدولار للوحدة الواحدة من الغاز التي تصل قيمتها بالسعر العالمي 9 دولارات، أي أن الغاز المصري سيسهم في تغذية 20% من مصادر الكهرباء الصهيونية، بينما يتواصل حصار الشعب الفلسطيني وبناء الجدار الفولاذي إمعانًا في حصار غزة؛ حيث يشرف 1.5 مليون إنسان على الموت جوعًا ومرضًا، ويعيشون حياة بدائية تهدد بإبادتهم جميعًا على يد الحصار الإجرامي!.
لقد تعامل الإعلام العربي كعادته مع الذكرى بخمول شديد، فمنهم من تجاهلها، والبعض ذكرها على استحياء، وآخرون هنأوا الصهاينة على أساس أنها ذكرى إقامة دولة "إسرائيل" وفقًا لما يسميه الصهاينة وأتباعهم!، والبعض الآخر وقف محايدًا!!.
وإن من يراجع تاريخ القضية الفلسطينية منذ بروزها في بدايات القرن الماضي، وحتى اليوم يكتشف بسهولة أن بعض الأيدي العربية الرسمية أسهمت بنصيب وافر في مساعدة الصهاينة على اختراق الأراضي الفلسطينية، وتثبيت وجودهم وإقامة كيانهم الغاصب، ثم صناعة سياج يحميه على الحدود عبر اتفاقيات ما يسمَّى بـ"السلام"، وإن الحال الماثلة أمامنا أبلغ من أي مقال!.
ففي البدايات الأولى للتسلل الصهيوني لفلسطين في نهاية الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ كانت الأراضي المصرية في العهد الملكي البائد، وخلال الاحتلال الإنجليزي إحدى محطات استقبال وإعداد جموع الصهاينة القادمين من مناطق عدة في العالم؛ تمهيدًا لدخول فلسطين. (المفاوضات السرية بين العرب و"إسرائيل" جـ1 - بتصرف).
وعندما صدر وعد "بلفور" بوطن قومي للصهاينة في فلسطين، وهو القرار الذي يعني في الوقت ذاته طرد أصحاب الأرض وتشريدهم وإبادتهم، كان الذي أسكت ثورة الفلسطينيين- "ثورة البراق" عام 1929م، ثم "ثورة العرب الكبرى" عام 1936م- هو تدخُّل بعض الحكام العرب عبر ندائهم الشهير في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر عام 1936م: "... ندعوكم إلى الإخلاد إلى السكينة، حقنًا للدماء، معتمدين على حُسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل...". (محاضرات في تاريخ قضية فلسطين، ص 186).
وفي يونيو من عام 1946م، اجتمع سبعة من الحكام العرب في مدينة "أنشاص" المصرية، وأعلنوا "التمسك باستقلال فلسطين وعروبتها"، ولحق هذا الاجتماع اجتماعٌ للجامعة العربية في مدينة "بلودان السورية"، لكن رئيس مخابرات الجيش البريطاني في الشرق الأوسط "كلايتون" والمدير المساعد للمخابرات البريطانية في فلسطين "برايانس" حضرا الاجتماع الذي لم يستطع أحد من المشاركين فيه الخروج على رغبة بريطانيا بشأن فلسطين، وقرر المجتمعون الإذعان لما طلبته بريطانيا؛ وهو مفاوضة الحكومة البريطانية حول فلسطين، فإن فشلت المفاوضات انتقل النقاش للأمم المتحدة التي كانت جاهزة بقرار تقسيم فلسطين في 14 مايو 1948م، وهو "قرار النكبة" الذي أذعن له العرب؛ بل إن الجامعة العربية لم تتمكن من تنفيذ أحد قراراتها بتقديم مليون جنيه مساعدة للفلسطينيين إذعانًا للإملاءات البريطانية، وهي ذات المواقف التي تتكرر اليوم مع اختلاف الأسماء والتواريخ، لكن الضحية ثابتة ولم تتغير؛ وهي "فلسطين وشعبها"... ولله الأمر من قبل ومن بعد!!.
----------------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية