هاني المكاوي

عندما تتعاقب الأجيال جيلاً وراء جيل "تولد وتتعلم وتتخرج في جامعاتها وتتزوج وربما تموت" في ظل الطوارئ؛ معنى ذلك أن هناك ردة وانتكاسة عن جميع أشكال الديمقراطية التي عرفها العالم والحريات التي سبق بها الإسلام جميع الديمقراطيات الغربية منها والشرقية.

 

فقانون الطوارئ يطبق وفقًا للقانون الدولي لظروف استثنائية ولا تستطيع قوانين الدولة العادية مواجهتها كالحروب والكوارث ولكن يبدو أن حكومة الحزب الوطني المتعاقبة منذ أكثر من ثلاثين عامًا لا تستطيع أن تحيى بدون طوارئ وقوانين مقيدة للحريات!!!

 

وهل يمكن لنا أن نعتبر وجود هذا الحزب الفاشل كل هذه السنين العجاف الذي أرجع فيها مصر الكنانة للخلف در أكثر من 60 عامًا للوراء كارثة بشرية تستحق تطبيق الطوارئ لمدة 29 سنة متواصلة مع مراعاة التجديد في الميعاد؟!! القوانين الدولية تسمح فقط بإعلان حالة الطوارئ في الكوارث الطبيعية، أما الكوارث البشرية التي تدير مصر منذ 36 عامًا "نفس الوجوه والأشخاص والسياسات" لا تتغير وربما تتنقل لمناصب أهم لكنها تظل جاثمة على بقايا شعب مناضل وأطلال حضارة أمة عريقة.

 

.. في الدول المتقدمة لا تعترف بالكوارث البشرية وتتعامل معها بالإقالة والإبعاد فورًا وليس محاولة تسطيح وتضليل الشعب من أجل البقاء في السلطة سنين عديدة وأزمنة مديدة تدمر فيها التربية والتعليم ويوظف الاقتصاد لصالح قلة مما يطلق عليهم رجال أعمال، أما السياسة فقد أصبحت من نصيب شخصيات ربما لا يصلحون أن يكونوا مواطنين وليسوا قادة أحزاب دورهم فقط تجميل صورة الحزب الحاكم بتعددية حزبية زائفة!

 

وإذا كانت المادة 148 من الدستور قد نصت على (أن يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ لمدة محدودة ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس الشعب) فهل من المعقول أن يتحول الاستثناء لقاعدة تستمر لمدة 29 عامًا ويتم التجديد في الميعاد وكأن مصر تحولت لمتهم يخشى عليه من إطلاق سراحه، ولذلك يحبس احتياطيًّا كل هذه السنين الطويلة؟.

 

وإذا كان الحزب الوطني وحكومته يتعامل مع الشعب المصري وكأنه ما زال قاصرًا ولم يبلغ سن الرشد بعد كما أعلن أحمد نظيف رئيس وزراء مصر من قبل فلماذا لا يراعي مكانة مصر الدولية التي يدعي أنه يحرص عليها؟ أليس تطبيق هذه القوانين سيئة السمعة واستمرار الطوارئ أبلغ إساءة لتاريخ مصر وحضارتها الممتدة عبر 4 آلاف عام؟. 

 

وأكتفي هنا بنقل تعليق منظمة "هيومن رايتس ووتش" لحقوق الإنسان التي قالت: "إن تجديد الحكومة المصرية لقانون الطوارئ لمدة عامين آخرين يعني عدم وفائها بوعدها عام 2005 بوضع نهاية لحالة الطوارئ وإلغاء قانون الطوارئ".

 

وقالت المنظمة إن الحكومة ادعت أنها ستقصر استخدام قانون الطوارئ على جرائم الإرهاب ومكافحة المخدرات، مع فرض إشراف قضائي على تطبيق هذا القانون، وهو الوعد الذي تقدمت به من قبل ثم خالفته، وآخر وعد كان في فبراير 2010، وفي الواقع يستمر مسئولو الأمن في استخدام قانون الطوارئ في احتجاز الأفراد في حالات لا علاقة لها بالإرهاب، ويستعينون بهذا القانون في استهداف المعارضين السياسيين، وقد تكرر استخدام القانون ضد أعضاء بجماعة الإخوان المسلمين، ونشطاء ومدونين.

 

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "بدلاً من التغييرات التجهيلية لقانون الطوارئ، على الحكومة أن تلغيه وتعيد الحقوق الأساسية للمواطنين".

 

وقالت إن الحكومة المصرية تقول إن قانون الطوارئ يخضع للمراجعة القضائية. وفي واقع الأمر، كثيرًا ما تتجاهل الحكومة أحكام المحاكم القاضية بالإفراج عن معتقلين تم اعتقالهم بموجب قانون الطوارئ، ومن حق وزارة الداخلية بموجب القانون المذكور أن تجدد أوامر الاعتقال دون مراجعة.

 

وتواصل المنظمة تقريرها مشيرةً إلى أن الحكومة أكدت أنها ستكف عن استخدام قانون الطوارئ في مراقبة الاتصالات لكن تعديلات عام 2007 على المادة 179 من الدستور تمنح بالفعل سلطة مراقبة الاتصالات، بعيدًا عن قانون الطوارئ، ودون وجوب استصدار أوامر قضائية، في القضايا المتصلة بالإرهاب.

 

وقالت "هيومن رايتس ووتش" إن الاستخدام المستمر لقانون الطوارئ يخرق التزامات الحكومة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان القاضية بحماية حرية التجمع وحرية التعبير وحقوق المحاكمة العادلة.

 

إلى هنا انتهى مخلص التقرير الذي كشف عن صورة مصر في عيون العالم والتي أساء لها نظام الطوارئ أبلغ إساءة بكل تأكيد.

 

ولكن نعود للشأن الداخلي وللأجيال التي لم تشهد أو تعيش في قوانين عادية.

 

وإذا كان الحزب الوطني له أهداف خاصة من استمرار قانون الطوارئ منها على سبيل المثال كما يدعي بعض المستفيدين في أن هذا القانون المشبوه حقق الرخاء والاستقرار والتنمية!!
وأنا أتفق في ذلك أن الطوارئ حققت استقرارًا في النهب المنظم لخيرات الأمة وبيع شركاتها بتراب الفلوس واستقرارًا للأمراض المستوطنة وكافة أنواع السرطانات التي لم تعرفها دولة في العالم حتى أصبح مرضى الفشل الكبدي والكلوي أكثر من عدد المقيدين في جداول الانتخابات!!

 

إنها تنمية ولكن للفساد والمفسدين وسرقة أراضي الدولة وعودة للإقطاع في كل شيء؛ في الحديد والأسمنت والإعلام والتعليم فأصبح الإقطاعي في ظل الطوارئ يملك آلاف الأفدنة والشركات المتعددة النشاط والصحف والقنوات الفضائية وكل ذلك ليس لعبقريات اقتصادية خارقة ولكن فقط لأنهم رجال أعمال الحزب الوطني!

 

أما الرخاء فهو رخاء فقط لكبار المسئولين مقابل فقر مقيم وبؤس دائم ومرض مزمن لأغلبية الشعب حتى بقايا الطبقة المتوسطة خرجت عن وقارها وخجلها للمطالبة بزيادة المرتبات بعد الغلاء الفاحش الذي عم البلاد والعباد فتظاهر أساتذة الجامعات واعتصم خبراء العدل وأضرب الأطباء، وشكا أصحاب الأقلام من تدني الدخول وأصبح الكل في حق الشكوى سواء!

 

لقد وصل سعر كيلو اللحمة إلى 70 جنيهًا بفضل هذا الرخاء الذي اقتضى استمرار قانون الطوارئ 29 عامًا مع مراعاة التجديد في الميعاد. وإذا إن الشعب قد خرج في مظاهرات في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وهتفوا ضد رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت المهندس سيد مرعي "سيد بيه يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه"، ولكن الشعب لم يخرج هذه المرة ليقول "سرور بيه يا سرور بيه كيلو اللحمة بقى بـ70 جنيه"، لأن قانون الطوارئ قام بعمل اللازم في تخدير الشعب... وليبقى قانون الطوارئ جيلاً وراء جيل طالما بقيت الكوارث البشرية!!