المتابع لموقف الأمم المتحدة من الصراع العربي الصهيوني لا بد أن تصيبه الدهشة والقلق من أن موقف المنظمة الدولية يشجِّع الكيان الصهيوني على المضيِّ في تنفيذ مشروعها الصهيوني، ويسعى هذا الموقف أيضًا إلى أن تستكين المنطقة العربية وتستسلم لهذا المشروع، وكأن تحقيق السلام العالمي الذي قامت من أجله الأمم المتحدة يتطلَّب أن يهيمن الكيان على العالم العربي.

 

ولذلك لا نظن أننا نبالغ إذا قلنا إن موقف الأمم المتحدة بشكل عام يؤيد المشروع الصهيوني ابتداءً وانتهاءً، ويؤدي في الواقع إلى القضاء على فلسطين، وحتى لا تُساق هذه النتيجة وتبدو قولاً مرسلاً فإننا نشير إلى أن الكيان الصهيوني نشأ على غير العادة فى كل كتب التاريخ بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، يجاوره قرار نفس الجمعية في العام التالي 1948م وهو القرار 194 الذي كان وازنًا لقرار التقسيم 181، وهو أن قيام الكيان الصهيوني- وفق هذا القرار- تمَّ على أرض الفلسطينيين الذين فرُّوا من الإرهاب الصهيونى وأصبحوا لاجئين، فطالب القرار 194 بعودة هؤلاء اللاجئين إلى وطنهم وتعويضهم عما فقدوه من ممتلكات وعما تكبَّدوه من خسائر، وهو قرارٌ يعكس قمة النفاق الدولي؛ لأن أراضي هؤلاء اللاجئين وبيوتهم احتلها اليهود وقام عليها الكيان الصهيوني، ومع ذلك طبّق قرار التقسيم الذي كان بدايةً لزحف اليهود إلى بقية فلسطين، وإنما لم ينفذ قرار حق العودة حتى الآن، ويقال في أدبيات الأمم المتحدة إن قرار حق العودة توصيةٌ من الجمعية العامة، ونسيت الأمم المتحدة أن قرار "قيام إسرائيل" توصية أيضًا.

 

ثم أصدرت الجمعية العامة نفسها في نفس الدورة عام 1948م التي صدر فيها قرار حق العودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ظلَّ علامةً على هذا النفاق الدولي في أن انتهاكات حقوق الإنسان على يد النظم الدكتاتورية والغصب الصهيوني، ظل القاعدة الأساسية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وظل الفقه الدولي يتبارى في بيان القيمة القانونية العظمى لهذا الإعلان الذي صار لهذا السبب جزءًا من دساتير العديد من دول العالم.

 

في عام 1949م انضمَّ الكيان الصهيوني إلى الأمم المتحدة بشروط ثلاثة، وهي: احترام حق الفلسطينيين في إقامة دولة في قرار التقسيم، واحترام حق اللاجئين منهم في العودة بالقرار 194، فضلاً عن احترام حقوق الأقلية الفلسطينية التي ظلَّت في دارها في قلب الكيان الصهيوني.

 

ولا نظن أننا بحاجة إلى المضيِّ في بيان مواقف الأمم المتحدة وعدم مساندتها حتى الآن في المأساة الفلسطينية، ولكننا نشير في عجالة إلى أن الأمم المتحدة لم تنفذ قرارًا واحدًا لصالح الفلسطينيين، بل إن مجلس الأمن لا ينعقد أصلاً فى حالات العدوان الصهيوني.

 

أما الأمين العام فقد أغفل تمامًا قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل، كما بكى على مأساة شاليط ولم يفعل شيئًا إزاء محارق الفلسطينيين ومذابحهم وسوقهم إلى سجون الاحتلال، مثواهم الأخير.

 

ولكن الأمين العام يسهر على تنفيذ قراريْن من مجلس الأمن صدرا بالمخالفة لأحكام الميثاق، وظلا علامةً على هذا الظلم التاريخي الذي لحق بالعرب؛ بسبب التواطؤ بين حكامهم والجلاد الصهيوني، وهذان القراران هما: 1559 و1701.

 

القاسم المشترك في القراريْن هو سلاح حزب الله، الذي اعتبر في القرار الأول سببًا لاختلال الأمن في لبنان، وفي القرار الثاني أداة لعدوان حزب الله على الكيان الصهيوني عام 2006م، وهي المرة الأولى الواضحة التي يدين فيها مجلس الأمن الضحية ويشيد بالمعتدي.

 

على الجانب الآخر، لعل القارئ يتابع بشكل حثيث التعاونَ الجادَّ بين مصر والكيان الصهيوني والولايات المتحدة، على منع وصول السلام إلى حماس فى غزة، بينما لا تفعل الدول الثلاث شيئًا لوقف الوحشية الصهيونية ضد الشعب الفلسطينى، فكأن التعاون المصري الأمريكي الصهيوني يهدف إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية فى غزة؛ حتى يتمَّ احتلال غزة، وحتى يتمَّ التهامها كما تلتهم الضفة الغربية.

 

هكذا نرى أن الأمم المتحدة تساند المعتدي الصهيوني، وتدين أي عمل لدعم المقاومة ضده في لبنان وفلسطين؛ لأن الأمم المتحدة تريد أن يتسيَّد الكيان الصهيوني المنطقة ويعتمد على قدسية مزعومة لقرارات مجلس الأمن، عندما يتعلق الأمر بدعم العدوان الصهيوني في الوقت الذي يستحيل على مجلس الأمن أن يُصدر قرارًا ضد الكيان الصهيوني، وبذلك أراحت الأمم المتحدة نفسها، فلم يكن هناك محلُّ اتهام للكيان بأنه لا ينفذ قراراته، بينما يتم اتهام الدول العربية والمقاومة بأنها هي التي لا تنفذ قرارات مجلس الأمن.

 

في ظل هذا الوضع فإنني أدعو الدول العربية إلى إغفال القرارات الصادرة ضد المقاومة في غزة وفي لبنان؛ لأنه لا يُعقل أن يبارك العالم البطش الصهيوني بالعرب، وأن يطلب من المقاومة ألا تتسلَّح حتى تصبح البلاد العربية نزهةً ممتعةً للجيش والموساد فى الكيان الصهيوني.

 

أما القانونيون العرب الذين ينظرون إلى قرارات مجلس الأمن نظرةَ إكبار وتعظيم فإنني أدعوهم إلى تدارك هذه الحقائق ما دام النظام الدولي مختلاًّ، وما دامت قرارات مجلس الأمن لا يمكن استئنافها أو التعقيب القضائي عليها من جانب محكمة العدل الدولية.