حين تغيب الرؤية، وتفتقد القيادة روح المغامرة، وحين يغيب الخيال وتختفي لمعة الفكر، وعندما يتحدث الجميع عن نعمة الاستقرار، الأقرب إلى الموت السريري، معتبرين إياه غاية المنى فهنا مكمن الخطورة على الجميع وبخاصة الأوطان.
أتابع باهتمام وإعجاب التحركات الدبلوماسية لبلدين مسلمين غير عربيين تمتلكان المشروع الحلم والرؤية الواضحة لتحقيق الحلم والإرادة القوية الدافعة للتنفيذ على أرض الواقع، ويبدو النموذج التركي المبهر بأدائه العفي وقياداته المقتحمة لكل الساحات.. نموذجًا يحتذى لدولة أسلست قيادها للكفاءة أن تدير شئون البلاد فها هو أحمد داود أوغلو وزير الخارجية ينفذ على أرض الواقع نظرياته المكتوبة في بحوثه الأكاديمية عن الدور الإقليمي التركي وضرورة الاهتمام بالمحيط العربي والوصول إلى مستوى الصراع صفر مع كل دول الجوار الإقليمي!!
ها هي تركيا تفتح ذراعيها لأعداء الأمس- الأرمن- وتعيد العلاقات عبر مباراة كرة في إسطنبول بين الفريقين!!! نعم مباراة للكرة تعيد العلاقات لا تقطعها كما تفعل حكومتنا ثم تنطلق في كل الاتجاهات جنوبًا مع سوريا؛ حيث تفتح الحدود في خطوة واثقة، وكذلك مع العراق؛ حيث الأكراد وعلاقاتهم المتوترة على الدوام مع أنقرة وغربًا مع اليونان العدو التقليدي للدولة التركية بحكم التاريخ والديانة وشرقًا مع إيران تطوي صفحة النزال التاريخي بين الدولة الصفوية الشيعية والدولة العثمانية السنية!!
هذه ملامح فقط للعنفوان التركي في سياساته الخارجية، ولعلنا نعود للحديث المفصل عنها في وقت لاحق.
ما النموذج الإيراني فيبدو هو الآخر مثالاً على قوة الدولة وحيويتها وعلى احترام القيادات لشعوبهم التي أتت بهم فيعملون على كسب رضاها عبر سياساتهم لا إذلالهم وتزوير إرادتهم ليضمنوا البقاء لفترات أطول على كراسي الحكم.
وتبدو ملامح السياسة الخارجية الإيرانية واضحة في تبنيها لجماعات المقاومة في لبنان وفلسطين والتنسيق مع القوى الشيعية في العراق ولبنان وسوريا للحيلولة دون وقوعها بين فكي الأسد الأمريكي في أفغانستان والعراق والانطلاق شرقًا؛ حيث العضوين الدائمين في مجلس الأمن روسيا والصين والتنسيق مع كوريا والتهديد بأوراق ضغط تملكها إيران على الساحة الأفغانية، ثم كان الانطلاق الإيراني العابر للقارات في أمريكا اللاتينية؛ حيث التنسيق مع نظام كاسترو في كوبا ثم هوجو شافيز في فنزويلا وشيلي وبوليفيا حتى بدأ القلق الأمريكي يظهر جليًّا منذ أيام ليتحدث عن تخوفه من وجود صواريخ إيرانية بالقرب من الأراضي الأمريكية علي أراضٍ في أمريكا اللاتينية!! نعم إنه توازن الرعب أو balance of terr كما يسمي في علم السياسة. ثم كان التحرك الإيراني الأخير لأحمدي نجاد في دول حوض النيل ليجعل المهووسين بفكرة المشروع الشيعي في حيرة من أمرهم!! ماذا تريد إيران من أفريقيا؟؟؟ هل تريد توسيعًا للهلال الشيعي في القارة السمراء؟؟؟ أم تستزيد أنصارًا من كاسترو وشافيز؟؟؟؟؟ والمتابع يدرك أن السياسة الخارجية الإيرانية قد حددت عدوها وهو الكيان الصهيوني وهي لذلك تلاحقه في أفريقيا حيث الملعب الجديد للكيان الصهيوني فهل لنا أن نتعلم!!
لقد ساهمت الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا عبر خلق بعبع مزعوم اسمه المشروع الشيعي في إبعاد إيران عن المنطقة العربية بتخطيط مدروس خوفًا من انتقال فكرة الثورة الإسلامية وتصديرها لا خوفًا على تشييع المنطقة!! التي أخرجوها من دينها أصلاً بسياساتهم المفسدة!!! وإذا كنا قد تعلمنا أن عدو عدوي هو صديقي فهل آن لنا أن نعود لنتقارب مع إيران- العدو-!!!!!! المفترض لنكون يدًا واحدة أمام العدو- الحقيقي- الصهيوني الذي يتحين الفرصة لعدوان جديد؟
----------------