حين تتأمل ما يحدث بين النظام المصري والكيان الصهيوني في الآونة الأخيرة، سرعان ما ينتابك قدر كبير من الدهشة التي تبعث على المرار، والتعجب الذي يدعو للريبة والشك الذي يملأ نفسك بسيئ الظن.
إننا أمام حالة (حب) مصري تجاه الكيان الصهيوني، والعجيب أنه حبٌّ من طرفٍ واحد!!، وكأنَّ مصر قد رفعت شعار (ما محبة إلا بعد عداوة)، أو أنه تطبيقٌ في غير موضع للآية الكريمة التي تقول: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: من الآية 34)!!.
تأمل معي هذه الجملة من المواقف المتتالية والتي حدثت خلال فترة قصيرة من الزمن لتعرف الحال الذي وصلنا إليه:
1) الرئيس المصري هنَّأ الحكومة الصهيونية والشعب الصهيوني بذكرى (استقلال ما يُسمَّى دولة إسرائيل!!)، والتي هي ذكرى نكبة فلسطين في 48!!.
2) الحكومة المصرية تُفرج عن متسللين صهيونيين إلى أرض سيناء بعضهم مسلح وتعيدهم إلى الكيان الصهيوني آمنين سالمين دون محاكمة، في حين أنها حكمت- عسكريًّا- بالسجن على مصريين تسللوا إلى قطاع غزة للتضامن مع أهل القطاع (الأستاذ مجدي حسين الأمين العام لحزب العمل المصري نموذجًا).
3) اتفاقية الغاز التي تمد بموجبها مصر الكيان الصهيوني بالغاز المصري بأقل من السعر العالمي بنحو عشرة أضعاف على الأقل وتخسر مصر يوميًّا بسبب ذلك 55 مليار جنيه من أجل عيون الكيان الصهيوني، في حين أن حرب أنابيب الغاز تشتعل في مصر، بل سقط أول قتيل مصري من أجل أنبوبة الغاز!!.
4) دعم مصر لموقف الكيان الصهيوني الذي يقضي بالدخول في مفاوضات غير مباشر مع السلطة الفلسطينية دون وقف الاستيطان ودون شروط مسبقة!!، رغم الفشل الذريع لعشرات المفاوضات المباشرة.
5) الأحكام القاسية التي صدرت بحق المتهمين فيما عُرِفَ (بخلية حزب الله)، والتي كانت مجمل أهدافهم هي دعم الشعب الفلسطيني، وقال حينها المحللون إن الخلية قد تكون أخطأت (قانونيًّا) بالعمل بغير غطاء شرعي في مصر، ولكنها أحسنت (سياسيًّا) في دعمها للشعب الفلسطيني الذي هو واجب الجميع.
6) زيارة نتنياهو الأخيرة للقاهرة بعد تعافى الرئيس المصري من وعكته الصحية، والتي قالت الصحف العبرية بأن (الترحيب) المصري بالزيارة كان (رائعًا!!)، في حين تتلكأ مصر في استضافة الرئيس السوري الذي أراد أن يزور الرئيس مبارك لتهنئته بسلامته.
7 ) بناء الجدار الفولاذي على الحدود مع قطاع غزة للمساهمة في خنق كلي للقطاع المحاصر، مع تسميم الأنفاق لقتل العاملين بها، كما حدث مؤخرًا وقتل أربعة أشخاص بالغاز السام داخل أحد الأنفاق؛ مما يصبُّ في النهاية في صالح الكيان الصهيوني.
8) ترميم المعبد اليهودي- موسى بن ميمون- في القاهرة على نفقة الحكومة المصرية (2 مليون دولار) رغم عدم وجود يهود مصريين، ورغم أن الآثار الإسلامية تتهاوى بفعل الإهمال المتعمد!! من جانب الحكومة.
لك أن تتخيل أن هذا هو الشق المعلن من المواقف، أما الشق الغاطس الذي قد لا يعلمه الكثيرين فحدث ولا حرج؛ مما يجعلنا نطرح تساؤلاً مشروعًا عن سبب هذه العلاقة العجيبة المريبة بين النظام المصري والكيان الصهيوني، والتي تجاوزت كل حدود اللياقة والقيافة المطلوبة، وخاصةً أن مخزون الكراهية للكيان الصهيوني لا يزال مرتفعًا بين أبناء الشعب المصري والعربي، ليس هذا فحسب بل قيام الكيان الصهيوني بأدوار مشبوهة في تحجيم الدور المصري على الصعيدي العربي والدولي وتهديد الأمن القومي المصري مباشرةً ودوره في منابع النيل ليس منا ببعيد.
حين تبحث عن السبب، قد يتبادر إلى ذهنك أن ترتيبات وطموحات رجال السلطة في مصر وما يلزمهم من تثبيت أركانهم من دعمٍ أمريكي أوروبي لا يتأتى إلا برضا صهيوني قد يكون السبب وراء هذا الانكفاء المصري تجاهل الكيان الصهيوني، وهذا سبب له وجاهته بكل تأكيد.
أو قد يقول قائل إنها توابع اتفاقية كامب ديفيد وشروطها المعلنة والسرية وحتمية التزام مصر ببنودها، لكني أعتقد أن هذا أو ذلك لم يكن السبب المباشر في هذا التحول المذهل في العلاقة مع الكيان الصهيوني لدى النظام الحاكم من العدو اللدود إلى الصاحب الودود، في عملية انقلاب على حقائق الواقع والتاريخ والمستقبل.
لكن في اعتقادي أن السبب الحقيقي فيما يحدث هو نظرة مصر لنفسها أو قل إن شئت الدقة نظرة النظام المصري لمصر وطبيعة دورها، ففي عهد عبد الناصر رغم كافة مثالبه إلا أن نظرته لمصر ومكانتها ودورها كان مرتفعًا فارتفعت مصر إلى مستوى الأحداث، وكانت حركتها وسكونها محط اهتمام العالم أجمع، لكن حين انتقلت القيادة للسادات وانشغل في بداية عهده بالتخلص من موروث سابقه على مستوى الأفكار والشخوص.
بدأ حينها الدور المصري في التراجع حتى قال السادات جملتيه الشهيرتين الأولى "إن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا"، والثانية "إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب"، وترجمت هذه الفكرة الساداتية إلى واقع وسلوك ومنهاج، وانتقلت مصر من مقام الندية والاستعلاء في علاقتها بالغير إلى مقام التبعية والانزواء.
وأصبحت هاتين العبارتين هما الدستور غير المكتوب للسياسية والإستراتيجية المصرية، والتزم النظام المصري بعد السادات بتطبيقهما بإخلاص منقطع النظير، فتمَّ ترجمتهما إلى سياسات وآليات ظلت تخصم من رصيد مصر الداخلي والخارجي، حتى أصبح النظام المصري يستمرئ السقوط، وفي كل مرةٍ يتنازل فيها كان يصعب عليه العودة إلى المربع الأول حتى خرج تمامًا من معادلة القوة، وأصبح جزءًا من معادلة الضعف لا لمصر وحدها، وإنما كذلك للعالم العربي والإسلامي.
----------
* كاتب وباحث