صورة وطني "مصر" في عيون المصريين "أبناء الوطن" تزداد قتامةً وسوادًا، ويلف الصورة غيومًا وضبابًا، فكلما نظرت في وجوه أبناء البلد أو سمعت شكواهم وآهاتهم أو قرأت كتاباتهم وتعليقاتهم عرفت مرامي الصورة وما ترمز إليه خلفية الصورة من دلالات ومعانٍ.. للأسف كلها تشاؤم وشقاء، ووأد للحياة ومباهجها.

 

إن الحالة التي وصل إليها أبناء الوطن أضحت مستعصيةً على أهل الاختصاص في علاجها؛ ما أصابها من إحباط واكتئاب، أو سلبية ولا مبالاة، أو فوضى وتخلف، أو خوف وهلع.

 

حزمة من المعاني السيئة تتزاحم في عقلي عند رؤية أو سماع أي حدث يومي يدور داخل الوطن ويمسك بأطرافه أبناؤه ومؤسساته، ويديره ويحكم قبضته ما يسمى "جهات معنية".

 

تأملت الصورة وعدت بالذكريات لعقود خلت قدر ما استطاعت ذاكرتي أن تأتيَ به في "طفولتي وشبابي ورجولتي"، وعقدت مقارنات عدة.. بين وطني وأوطان، بين مصريتي وأجناس، بين حكامنا وحكام، بل بين قارتنا وقارات؛ فأيقنت أن المتغيرين الأساسيين واللاعبين الرئيسيين هما "الحاكم والمحكوم".

 

وبقدر إعداد وتأهيل وتنمية ممارسة كل منهما، وتطوير العلاقة بينهما سلبًا أو إيجابًا، تصنع الصورة وتتحدد معالمها؛ فلكل منهما حقوق وعليه واجبات، إذا أهملت أيهما تغيرت الصورة.. ببساطة وبكل أسف "الظلم والاستبداد" هو عنوان الصورة في تداخل بين الحاكم والمحكوم، كلاهما ظالم لنفسه، وأولهما ظالم للآخر وصانع لتلك الصورة.

 

فالنظام الحاكم في يده سلطات الدولة الثلاث (التشريعية، القضائية، التنفيذية) كي يوظفها لمصلحة البلاد والعباد؛ وذلك بنص الدستور في قسم يمين الحاكم ومن يعاونونه في السهر على تأكيد سيادة الشعب، واحترام الدستور، وسيادة القانون، ورعاية الفصل بين السلطات؛ لضمان تأدية دورها بحيادية واستقلال في العمل الوطني.

 

تأملت ما ورد في الدستور، وقد قرأت كل مواده، سواءٌ ما قبل التعديل أو بعده، فأصابني ما أصاب أبناء الوطن، وتزاحمت حزمة المعاني السيئة في رأسي؛ فنسبة ما يُحترم من مواد الدستور لا تزيد عن مجموع أصابع اليدين من إجمالي ما يزيد عن 200 مادة، فضلاً عن الضآلة النسبية لما يحترم تنفيذه في كل مادة.

 

أين أثر تصريحات الرئيس مبارك ونحن الآن في 2010م التي أدلى بها عقب توليه الحكم مباشرة، ومنها مثلاً في 18 أكتوبر 1981م بجريدة (مايو):-

 

"لن أرحم أحدًا يمد يده إلى المال العام حتى لو كان أقرب الأقرباء، إنني لا أحب المناصب ولا أقبل الشللية، وأكره الظلم ولا أقبل أن يُظلم أحدٌ، وأكره استغلال علاقات النسب"!.

 

ثم في 20 أكتوبر 1981م بـ(نيويورك تايمز) "الكل سواء عندي أمام القانون، ونحن لا نريد قانون الطوارئ"!.

 

ثم في 26 أكتوبر 1981م بمجلة (أكتوبر) "لن أقبل الواسطة، وسأعاقب لصوص المال العام"!

 

ثم في 30 أكتوبر بمجلة (المصور) "مصر ليست ضيعة لحاكمها"!.

 

ثم في خطاب رسمي له في فبراير 1982م "الكفن مالهوش جيوب، وسنعلي من شأن الأيادي الطاهرة"!.

 

أين الدستور والقانون من تغوُّل السلطة التنفيذية بحق السلطتين الأخريين، بل أين هما من سيطرة الجهاز الأمني على السلطة التنفيذية أولاً، وباقي السلطات بما فيها الكثير من سلطة الصحافة ثانيًا.

 

واقعنا أليم.. والوقائع لا تعد ولا تحصى، بدءًا من تزوير كل ما سبق من انتخابات واستفتاءات، ووأد الأحزاب القائمة، وعدم قبول 13 حزبًا جديدًا دفعةً واحدةً، ومذابح القضاة في المطالبة باستقلالهم عن السلطة التنفيذية، والمحاكمات العسكرية المتكررة للمدنيين بعد تبرئة القضاء المدني لهم، والعوار الدستوري بالتعديلات الدستورية الظالمة، إلى استبدال أي ممارسة ديمقراطية في انتخاب الوظائف العامة والمتخصصة بالتعيين حسب الولاء الكامل للنظام الحاكم وفق تقارير الجهات المعنية وما تريده، سواء عمداء الكليات ورؤساء الجامعات أو شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية والكثير غيرهم حتى شيوخ الغفر في القرى والنجوع، .. إلخ.

 

ومرورًا بإهدار أغلب الأحكام القضائية واجبة النفاذ ضد السلطة التنفيذية، خاصةً ما لا يعجب الجهاز الأمني، ولا يفوتنا بالطبع تلفيق التهم والقبض العشوائي والاعتقالات في مواسم تزوير الانتخابات وغيرها لأي معارض في الرأي للحاكم ومعاونيه، وصولاً للفساد المخطط وزيادة الفاسدين والمفسدين بصورة مفزعة، وما نتج عنها من كوارث مفجعة في كلِّ مجالات الحياة "التعليم، الصحة، الاجتماع، الزراعة، الإسكان، المرافق، البيئة، الثقافة، الرياضة.. إلخ".

 

وبالطبع لا ننسى المهازل التي لا يصدقها عقل في بيع- أقصد نهب- ممتلكات الشعب كالقطاع العام، وسوء توزيع الموارد والأجور، وما زال المسلسل مستمرًّا في الاعتداء على استقلال القضاة، وحريات الصحفيين، وحقوق أساتذة الجامعات والعمال والطلاب، وتأميم النقابات، ويصل واقعنا قاعه فيما نسمعه يوميًّا من تعذيب المواطنين وإهدار كرامتهم داخل أقسام الشرطة لإرضاء المفسدين، وانخفاض الدخول مقابل غلاء الأسعار وزيادة البطالة؛ ليصبح غالبية أبناء الوطن تحت خط الفقر.. هذا غير الكثير الكثير مما لا تحصيه مقالات، ولكنها تتقن صناعة الصورة.

 

أما عن المواطن المحكوم المسكين والمغلوب على أمره، فهو ضحية كل ما سبق من وقائع ظَلَمه فيها النظام الحاكم، وأفسد عليه حياته، فغدت عيشته ضنكًا، ولم يعد يملك ما يدفع الظلم عنه سوى ترديد عبارات موروثة مثل "لك يوم يا ظالم" و"يمهل ولا يهمل و"المية ما تطلعش في العالي" و"الباب اللي ييجي لك منه ريح، سده واستريح" و"الحيطان لها ودان" و"امشي جنب الحيط".. إلخ، وإن كان بعضها صحيحًا، إلا أنها المثبِّط القوي والمشارك في تشكيل المعاني السيئة، إذا اعتبرها كافيةً لشفاء غليله من ظالمه المستبد، دون بذل الجهد المطلوب لدفع الظلم وردع الظالم بالوسائل التي كفلها القانون، وأيدته شريعة ربُّ الظالم والمظلوم.

 

في المقابل نجد المواطن المظلوم من النظام الحاكم يمارس صورَ الظلم المتعددة مع المظلومين أمثاله، كنتيجة طبيعية من انفراط عقد الدولة الذي يقوم على "الحرية والعدل والمساواة" بين أبناء الوطن الواحد، ونسمع منهم عبارات التهديد دون امتلاك مقومات التهديد، فترى نصف الشعب يقول للنصف الآخر عبارات ثابتة ومحفوظة كـ:"أنت متعرفش أنا مين؟!" أو "أنت متعرفش إنت بتكلم مين؟!".

 

ويزداد الظلم بين أبناء الوطن بممارسة الفهلوة والشطارة بلا أي أساس، وتدوي عبارات لا تنمُّ عن واقعنا المتخلف، وأَولى بأبناء الصين مثلاً أن يرددوها وليس نحن، مثل "إحنا اللي دَهَنَّا الهوا دوكو" و"إحنا اللي خرمنا التعريفة" و "إحنا اللي عبينا الهوا في أزايز".

 

إن أخطر أنواع الظلم هو "ظلم الحاكم"؛ لعدم قدرة المظلوم الدفاع عن نفسه، أو التظلم للظالم نفسه؛ لذا حرَّمه الله على نفسه في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا"، ومن سنن الله الغالبة أن يعاقب الظالم في الدنيا "ما من ذنب أجدر أن يعجِّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم".

 

ولخطورة الظلم يؤكد نبينا المصطفى ضرورةَ صناعة الشخصية القويمة التي لا تركن لظالم أو تعاونه، ويحذِّر في قوله: "إن الناس إذا رأوا ظالمًا فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب منه" و "إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها" بل يتعدى الأمر ذلك في قوله- صلى الله عليه وسلم-: "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصَى اللهُ في أرضه" أي لا يعين أحدٌ أيَّ ظالم على بقائه في مركزه وسلطانه الذي يمكنه من الظلم ولا يدع له بالبقاء، وهذا هو الإمام سفيان الثوري لما سُئل عن ظالم أشرف على الهلاك في الصحراء، هل يسقيه شربة ماء؟ فقال: لا، فقيل له يموت؟! قال: دعه يموت.

 

هل يفيق أبناء وطني حكامًا ومحكومين حتى ندرك الآخرين فيما سبقوا ولا يعمَّنا البلاء، ونغير تلك الصورة، فنحيا حياةً طيبةً لنا ولأبنائنا، ونعي أنه لا يفلح الظالمون، وأن الدولة الكافرة تبقى مع كفرها إذا كانت عادلة، وتفنى الدولة المسلمة أو الكافرة إذا كانت ظالمة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود).

 

هل يدرك أعوان الظالم أنهم ملاحقون في الدنيا والآخرة بما كسبت أيديهم، ولا يصيبهم إلا الخسران المبين وأذكرهم بقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)﴾ (النمل) وبحديث رسولنا الكريم: "من عاون ظالمًا غير مكره فهو شريك له في الإثم" ألم يعتبروا بفرعون مصر سابقًا وأعوانه في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)﴾ (القصص).

 

أما أنت يا محكوم إن كنت ظالمًا فعليك ما سبق، وإن كنت المظلوم فلا تركن لظالم ولا تعينه، واستنكر عليه ظلمه، واعلم أن المظلومين في تجمعهم على الحق قوة، وأن الله لا يرد دعوة المظلوم، ووعد الله صدق في نصره ولو بعد حين ولكنكم تستعجلون.

 

وبعد.. فإني أتوق إلى صورةٍ لوطني غير الصورة، وحياة لأبناء وطني أفضل مما نحن فيه، ولن يكون ذلك إلا بحاكم عاشق للحرية وخادم للوطن، يمقت الظلم ويسعد بالعدل، باختصار "حاكم يخشى ربه".

 

عسى أن يكون قريبًا.