لن نختلف كثيرًا في تقييم المناخ السياسي في مصر، ما يهمنا هو وضوح الرؤية اللازمة لتحديد الواجب على من يهمه أمر هذا الوطن.

 

- لقد نجح الحزب الحاكم في فرض إرادته على القوى المعارضة خلال الأعوام السابقة منذ تعديل المادة 76 حتى الحراك الأخير بقيادة البرادعي... وهناك معركة غير متكافئة بين النظام والمعارضة ستنتهي (طالما استمرَّت سلبية الشعب) بمزيد من الهيمنة على السلطة؛ لكن النخبة الحاكمة في موقف حساس؛ نتيجة انهيار مصداقيتها تمامًا أمام الشعب (اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا)، لاحظ استمرار الأزمات من رغيف الخبز ومياه الشرب حتى أنبوبة البوتاجاز والسولار)، وتواكب ذلك مع ظهور البرادعي ومع أزمة جديدة؛ وهي عدم قدرة الرئيس الصحية على الاستمرار في الحكم.. من هنا لا بد أن نعي أننا أمام فرصة تاريخية يجب استغلالها عن طريق رؤية وطنية تدفع الشعب ليتحرك لمساندة القوى المعارضة التي تستهدف التغيير.

 

- والمدخل الرئيسي الوحيد لذلك هو إحساس المواطن بالمسئولية الفردية تجاه المجتمع والوطن، ويستحيل أن يتحقق ذلك لأي فرد في أي وطن، إلا بانطلاق هذه المسئولية من خلال الهوية الحضارية التي يتوافق عليها الشعب، والتي تؤسس للتيار الشعبي الذي يمتلك القدرة على الإصلاح والتغيير السلمي.. فما هذا التيار الشعبي في مصر؟... فلننظر.

 

- إن نظام الحكم يوجه كل تركيزه لسحق التيار الإسلامي دونًا عن كل التيارات الأخرى, هذا الأمر يبدو صحيحًا لكنه ليس دقيقًا؛ لأن النظام لا يستهدف ولا يستطيع أن يكون ضد الإسلام، بل إنه يستند إلى الإسلام، خصوصًا في الأزمات, فالدستور وتصريحات كبار المسئولين والواقع يؤكد ذلك, الحقيقة أن النظام ضد التيار الشعبي المؤهل للقيام بالتغيير السياسي والاجتماعي... فإذا كان الشعب مع العلمانية أو الشيوعية فإن النظام سيركز على سحق التيار العلماني أو الشيوعي وهكذا.. أي أن التيار الشعبي هو التيار الإسلامي..

 

إذا افترضنا جدلاً توافر المنافسة الشريفة في انتخابات الرئاسة, هل يوجد شخصيات معروفة لدى الجميع وتتمتع بالخبرة والمصداقية والانتماء للهوية الحضارية للشعب, حتى تصل لكرسي الحكم وتؤسس للتغيير المنشود؟ إذا كانت الإجابة سلبية فإن مصر في أزمة ليس لها من دون الله كاشفة.. ليس لها أية حلول إلا بنهوض هذه الأمة بشبابها ورجالها ونسائها المهمومين بأمر هذا الوطن.. كيف يحدث ذلك؟!!

 

- تقرر الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11) القضية عامة تخص المجتمع والوطن وليست خاصة أو شخصية، في الآية ﴿مَا بِقَوْمٍ﴾ ولا تقول الآية (ما بإنسان أو بمسلم) أي أن الاهتمام والتضحية في سبيل الوطن واجب وليس فقط وجاهة اجتماعية, كذلك ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، ولا تقول الآية (حتى يغيروا ما بالأمة أو ما بالوطن) أي أن الواجب هو الإيجابية وضرورة استفراغ الحد الأقصى من الجهد والتضحية, وليس الواجب هو تحقيق النتائج العامة المرجوة (ثقافة فقه الممكن- أي لا عذر لأحد).. ولذلك لا بد أن نؤكد أن تدهور الأحوال العامة والتراجع في انتماء المواطن للوطن لا يمكن أن يكون نتيجة لتقصير الحكام فقط، بل أساسًا نتيجة لتخاذل المواطنين عن أداء الواجب تجاه الوطن.. فهل يمكن أن يستمر هذا التخاذل؟ السنن الكونية والإنسانية تؤكد عكس ذلك؛ فعلى كل منا أن يبادر بانتهاز الفرصة ويبدأ بنفسه.. وسيكون إن شاء الله مقالنا القادم عن أهمية وخصوصية مسئولية المصريين تجاه الأمة العربية والإسلامية.

-----------

رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com