تعمل الحركات الإسلامية لتشكيل تيار واسع في المجتمع وتيار جامع لكل تيارات الصحوة الإسلامية، فهي تعمل لبناء تيار سائد في الأمة، يقود الإصلاح والتغيير، وتعمل الحركات الإسلامية من أجل إعادة بناء المجتمع داخل إطار حركي نشط، يجعل المجتمع فاعلاً في بناء ذاته وتغيير أوضاعه، وبناء نظامه السياسي.
وتتحرك التيارات الإسلامية نحو تشكيل قوة مجتمعية داخل المجتمعات العربية والإسلامية؛ لتحقيق وحدة الأمة على المستوى الاجتماعي حتى تتحقق وحدة الأمة على المستوى السياسي، وفي تلك الحركة يحدث العديد من المعارك بين التيارات الإسلامية، وداخل التيار الواحد، وبين تلك التيارات والمجتمعات التي تعمل فيها، وتنتج تلك المعارك من الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية، فمسار التيارات الإسلامية يتجه نحو الوحدة، وكل الظروف المعادية له تعمل على تفكيك الأمة، وبين عملية التفكيك وعملية التوحيد تحدث المعركة الرئيسية، والتي تنتقل من معركة بين الحركة الإسلامية والقوى المعادية لها؛ لتصبح معركة بين التيارات الإسلامية نفسها، ثم تصبح معركة داخل التيار الواحد أو الحركة الواحدة.
وتواجه النخب الحاكمة والقوى الغربية والنخب العلمانية الحركة الإسلامية في محاولة لتفكيك التيار الإسلامي، ومنع تحوله إلى تيار سائد داخل الأمة الإسلامية؛ حتى لا يصبح قائدًا للأمة، وحتى لا يصل إلى مرحلة الفوز بتأييد الأغلبية الكاسحة؛ إذن نحن بصدد مسارين متعارضين، مسار التفكيك ومسار التوحيد، وبينهما معركة تحدد جانبًا مهمًّا من مستقبل الأمة ومصيرها.
هنا يمكن النظر لجماعة الإخوان المسلمين بوصفها محاولة مهمة من محاولات توحيد الأمة لتشكيل تيار سائد فيها، يضطلع بمهمة بناء وحدة الأمة ونهضتها؛ لنرى كيف تصدر حالة التفكك إلى محيط الجماعة، وداخل تيار الصحوة الإسلامية الذي تنتمي له، وكيف تصدر حالة الاختلاف إلى داخل جماعة الإخوان نفسها؛ ما يعرقل قدرتها على توحيد التيارات الإسلامية، أو تشكيل التيار السائد الذي يبني وحدة الأمة.
الإخوان والوسطية
تقدم جماعة الإخوان نفسها بوصفها معبرة عن الوسطية والاعتدال الإسلامي، أي معبرة عن الموقف المتوازن والمتكامل للرؤية الإسلامية، وتتشكل الوسطية في أي مجتمع وفي أي مشروع، من خلال تبلور رؤية أساسية متفق عليها، وتمثل حالة إجماع. فالناظر إلى تاريخ الفكرة الإسلامية، يمكنه أن يحدد الرؤية الغالبة فيه والمتفق عليها. فإذا كانت الوسطية والاعتدال هي جوهر الفكرة الإسلامية، فإن الاتفاق هو الذي يحدد تلك النقطة. فعندما يحدث توافق على رؤية معينة داخل مشروع حضاري، تصبح تلك الرؤية هي الممثلة للأغلبية وممثلة للفكرة السائدة، وبالتالي ممثلة لوسط تلك الرؤية الحضارية.
هنا يكمن التحدي الأول للرؤية الوسطية الإسلامية، فهي لا تتحقق في التاريخ الاجتماعي من خلال تيار أو حركة تؤمن بها، ولكن تتحقق من خلال حدوث توافق مجتمعي عليها، فعندما تصبح رؤية ما ممثلة لتيار الأغلبية داخل الأمة الإسلامية، تصبح هذه الرؤية هي المعبرة عن الوسطية والاعتدال. فكل تيار إسلامي يقدم رؤيته للمجتمع، وعندما يتوافق المجتمع على رؤية معينة، وتصبح ممثلة للأغلبية؛ تصبح تلك الرؤية المتفق عليها تمثِّل جوهر الرؤية الإسلامية، بحكم ما حدث من إجماع حولها، وبهذا تصبح ممثلة للوسطية والاعتدال الإسلامي في لحظة تاريخية معينة.
وجماعة الإخوان المسلمين تقدِّم رؤيتها بوصفها معبرة عن الوسطية والاعتدال، وتحدد أوضاع المجتمع موضع جماعة الإخوان المسلمين، فكلما مال المجتمع للتشدد بدت الجماعة متحررة، وكلما مال المجتمع للتحرر بدت الجماعة متشددة، وتعوق حالة الاضطراب التي يمر بها المجتمع عملية تشكل تيار الوسطية داخله، كما تؤدي إلى تغيير موضع جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع.
ثم تتحول المعركة إلى داخل تيار الصحوة الإسلامية، فكلما زادت التيارات الأكثر تشددًا بدت جماعة الإخوان أكثر مرونة، وكلما زادت الاتجاهات المتحرر والمرنة بدت الجماعة أكثر تشددًا، وهكذا يتم إفشال عملية تشكل تيار الوسطية، ويتم عرقلة التقارب بين الحركات الإسلامية، بسبب ضغوط الظروف المعادية للحركة الإسلامية، والضغوط التي يتعرَّض لها المجتمع.
ويتمثل التحدي الأساسي أمام جماعة الإخوان المسلمين في قدرتها على القيام بعملية مضادة لتحقيق التوازن الداخلي للفكرة الإسلامية بين تيارات الصحوة الإسلامية وداخل المجتمع.
للوسطية وجوه كثيرة
تمثل الوسطية كرؤية وموقف حالة الاعتدال والتوازن داخل الفكرة الإسلامية، من وجهة نظر حضارية، فالرؤية الإسلامية تقوم على النقل والعقل والتوازن والتكامل بين دور النقل والعقل، يحقق نقطة الوسطية والتعادل والاعتدال؛ لذا تُبنى الرؤية الإسلامية على التكامل في النظر، فهي رؤية تقليدية فيما يخص الثوابت، وهي رؤية تجديدية فيما يخص المتغيرات، وهي رؤية توفيقية فيما يخص متغيرات العصر؛ فهي التزام بالثوابت وتجديد في المتغيرات، وهي حالة تحديد دقيق للثوابت والمتغيرات.
ويستطيع تيار الصحوة الإسلامية تحقيق التطور اللازم، حتى يصل لمعيار الوسطية والاعتدال، ويحقق التوافق حوله، ولكن الضغوط التي يتعرض لها هذا التيار تعرقل تلك اللحظة، وتجعل تياراته تختلف حول نقطة التوسط والاعتدال، فتيار الصحوة يتعرض لضغوط من عملية التغريب المستمرة، كما يتعرض للحصار الداخلي من النخب الحاكمة، ويتعرض لحرب من النخب العلمانية، وحصار من القوى الغربية.
وبسبب الضغوط التي يتعرض لها غالب تيار الصحوة الإسلامية، نجد تيارات تميل للتقليدية حماية للثوابت، وتجعل من موقفها التقليدي ممثلاً لجوهر الفكرة الإسلامية، فتظهر تيارات تقليدية خالصة. كما تظهر اتجاهات أخرى تحاول مواجهة الحصار المضروب حول الحركة الإسلامية باتجاهات توفيقية لوقف الحرب التي يتعرض لها التيار الإسلامي، فتظهر توجهات توفيقية خالصة، ونصبح بصدد وسطية تقليدية خالصة ووسطية توفيقية خالصة، ويصبح الموضع بين تلك التيارات والاتجاهات يتعرض لضغوط شديدة، وهكذا حوصرت جماعة الإخوان المسلمين، بين من يبدو أكثر منها تقليدية، ومن يبدو أكثر منها توفيقية، فأصبحت تمثل حالة تحرر للأول، وحالة تشدد للثاني.
وهكذا تضطرب الرؤية الوسطية المعتدلة، بين من يعطيها ملمحًا تقليديًّا صرفًا، ومن يعطيها ملمحًا توفيقيًّا صرفًا، فيظهر موقف جماعة الإخوان المسلمين ملتبسًا، فهو ليس تقليديًّا بما يكفي، وليس توفيقيًّا بما يكفي.
والوسطية التقليدية تقدم رؤية محددة الملامح، وتأخذ مواقف محددة وقاطعة تجاه الواقع المعاصر، وتجعل لنفسها صورة مميزة عن الواقع الراهن، أما الوسطية التوفيقية فتقدم رؤية متكيفة مع الواقع، وتصالح الظروف المحيطة، وتقدم نفسها جزءًا من الواقع المحيط بها.
هكذا تواجه جماعة الإخوان المسلمين تحديًا ثانيًا، فهي في الواقع جماعة تقليدية بقدر وتوفيقية بقدر، وهي أصولية بقدر وتجديدية بقدر، والتقليدية عندما تكون مكونًا من مكونات رؤية تختلف عن التقليدية الخالصة، كما أن التوفيقية عندما تكون مكونًا من مكونات رؤية، تختلف عن التوفيقية الخالصة.
ورؤية جماعة الإخوان المسلمين تفترض أن الوسطية والاعتدال هي نقطة التوازن والتكامل، وهي التي سوف تشكل الرؤية الغالبة داخل الأمة، وتمثل تيارها السائد؛ ولكن تلك الرؤية عندما تحاصر بين أقصى التشدد وأقصى التحرر، تصبح محاصرة بصور متناقضة، فتبدو أحيانًا غامضة وأحيانًا ملتبسة، وأحيانًا أخرى مراوغة.
التنوع داخل الإخوان
تبنت جماعة الإخوان المسلمين الرؤية الحضارية الإسلامية، وشكلتها في صورة إطار جامع لأسس تلك الرؤية كما تراها، فكان بناؤها من البداية كتيار عام، وليس حالة خاصة، وبهذا تصبح إطارًا يتعامل مع العديد من الرؤى، فقد قامت جماعة الإخوان المسلمين لتصبح إطارًا جامعًا للأمة، يتفاعل مع العديد من التوجهات والاتجاهات، ويشكل جامعًا لها؛ ولكن حالة التفكك التي تضرب المجتمع، ثم تضرب تيار الصحوة الإسلامية، أصبحت تعرقل التوصل إلى الرابط الجامع لمختلف الرؤى الإسلامية، وتحديد الأسس الثابتة لمجمل الرؤية الإسلامية بما سمح بتحول حالة التفكك في المجتمع لحالة تفكك داخل تيار الصحوة الإسلامية.
وجماعة الإخوان المسلمين من داخلها مثلت حالة من التنوع القائم على التوازن والتكامل، فهي إطار يتسع لعدة توجهات، لذا تعددت الرؤى داخلها، وأصبحت مصدرًا للثراء والتنوع؛ ولكن ذلك التنوع الداخلي تأثر بالحالة المحيطة بالجماعة في لحظات معينة، وعكس حالة التفكك التي يعاني منها تيار الصحوة الإسلامية في لحظات أخرى، فحالة التنوع داخل جماعة الإخوان المسلمين مثلت عاملاً لقوتها أحيانًا، وعاملاً لإضعافها في أحيان أخرى؛ نتيجة الحصار المضروب حولها، والذي يغذي حالة الجدل بين جماعة الإخوان المسلمين ومجمل الحالة الإسلامية وبينها وبين المجتمع.
والرؤية الوسطية للجماعة شملت التقليد والتجديد والتوفيق، فظهر التنوع في قدر كل مكون منها، فتشكلت اتجاهات تغلب مكون ما نسبيًّا، فظهر التقليدي والتجديدي والتوفيقي.
ففي لحظات تتعرض الجماعة إلى ضغوط خارجية تحاول دفعها نحو التكيف مع الواقع السياسي القائم؛ ما يؤدي إلى تعضيد الخارج للاتجاه التوفيقي داخل الجماعة، ليكون قناة للضغط على الجماعة، وهنا تتأزم الجماعة من محاولات التوفيق، وتراها سندًا للضغوط الخارجية عليها، وتعتبرها محاولة لتفكيك فكرتها.
وفي لحظات تتعرض الجماعة لضغوط شديدة من التيارات المتشددة والتقليدية خارجها، تجعل صورتها تبدو مرنة أو مهادنة في نظر المجتمع، فيظهر الاتجاه التقليدي داخل الجماعة، ويحاول تأكيد أصولية رؤية الجماعة، ويصبح معبرًا تمر من خلاله أفكار أكثر تقليدية إلى داخل جسم الجماعة، وهنا تضطرب الجماعة خوفًا من تحول وجهتها نحو التشدد، وتحاول الحفاظ على وسطية موقفها ورؤيتها.
وعليه سنجد لحظات قام فيها الاتجاه التوفيقي داخل الجماعة بدور مهم في كبح الميل للتشدد، كما قام الاتجاه التقليدي بدور مهم في لحظات أخرى لكبح الميل للتحرر والتكيف.
ولكن في لحظات مفصلية تتجه الجماعة إلى حسم موقفها مع اتجاهات معينة، ففي لحظة حسمت الجماعة موقفها مع اتجاه متشدد هدد رؤيتها، وفي لحظة أخرى نجد الجماعة تحسم موقفها مع اتجاه مرن يهدد رؤيتها أيضًا، وتلك هي اللحظات الصعبة، وهي اللحظات التي تصدر فيها حالة الاضطراب التي يمر بها المجتمع إلى داخل الجماعة، فتقاوم الجماعة تلك الحالة، وتحاول تحصين نفسها منها، حتى تستعيد تماسكها، لتقوم بدورها في تحقيق وحدة الأمة، ووحدة التيار الإسلامي.
لمن يجرؤ
تتضح ملامح المعركة فهي حول توحيد الأمة، وبين محاولات التوحيد ومحاولات التفكيك، وعندما تحاول حركة توحيد الأمة، تتعرض لمحاولة تفكيكها من الداخل، وعندما تفشل عملية تفكيكها، يتم تفكيك تيارات الصحوة الإسلامية حولها، وعندما تتقارب تيارات الصحوة الإسلامية، يتم تفكيك المجتمع حولها، وعندما يترابط المجتمع مع تيار الصحوة الإسلامية، يتم ضرب تيار الصحوة من داخله، وهكذا تدور معركة التفكيك وتؤثر على الرؤى والمواقف، وتدخل الرؤية الإسلامية في حالة جدل داخلي، أو حالة صراع داخلي، حتى تضعف الفكرة، أو يتم عرقلة حصولها على أغلبية الأمة، وكلما تباعدت الرؤى داخل تيار الصحوة الإسلامية، أو داخل التيار الواحد، دخلت في معارك داخلية تعرقل معركتها مع القوى المعادية لها، وتعرقل قدرتها على التوحد، حتى توحد الأمة.
وتُحاصر جماعة الإخوان المسلمين حتى لا تصبح عمودًا مركزيًّا لوحدة التيار الإسلامي، ومن ثم وحدة الأمة، فتُضرب بمحاولات التفكيك خارجها وداخلها، ويتعرض تيار الوسطية لعملية تفكيك متتالية، حتى لا يصبح نواة لتيار سائد داخل الأمة؛ فالخطر الرئيسي الذي يواجه خصوم المشروع الإسلامي يتمثل في وحدة التيار الإسلامي ووحدة الأمة الإسلامية.