كما تعلَّمنا في الرياضيات أنه لا يكون المثلث إلا بثلاثة أضلاع، ولا يكون منتظمًا ومتساويًا أو متشابهًا ومتكافئًا إلا إذا تساوت رءوسه، أو له على الأقل زوايا رءوس ثلاثة، والأمر يتشابه في الجغرافيا السياسية، وهو ما يعرف بـ"توازن القوى".
وبالنظر لمنطقة الشرق الأوسط في كلِّ المجالات والقضايا نجد التشابكات والتداخلات تفرض عليها أن يكون هناك على الأقل ثلاث دول رئيسية في المنطقة؛ هي رءوس المثلث الداعم لاستقراره وحل مشاكله، بل ونهوضه وتقدمه، والعكس كذلك في كلِّ ما سبق صحيح، وبالنظر لحضاراتهم وتاريخهم وثقلهم في المنطقة تستطيع أن تدرك ببساطة ما أقصدهم، وهم تحديدًا (إيران وتركيا ومصر).
ونبدأ الحديث بإيران أول الأضلاع التي فرضت نفسها في المنطقة، وخصوصًا عقب الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني عام 1979م، وأوجدت لنفسها أذرعًا طالت أطراف المنطقة حتى حدودها في لبنان أو اليمن وغيرهما، فضلاً عن دائرة المركز، وكانت العامل المؤثر في أغلب القضايا الساخنة والشائكة؛ سواء في العراق ودول الخليج أو في لبنان وفلسطين، بجانب ملف النفط والملف النووي الذي كثر الحديث عنه منذ 2005م، ووضعت فيه أقدامًا ثابتة بما تملكه من براجماتية سياسية، وقدرة على التعامل مع المتناقضات السياسية في وقت واحد "أي مع وضد- دولة ما- في وقت واحد" أعطتهم مساحة كبيرة من المناورة في التعامل مع السياسة الغربية وخاصة الأمريكية.
أما ثاني أضلاع الشرق الأوسط فهي تركيا صاحبة الصعود الاقتصادي المثير الذي جعلها سادس أقوى اقتصاد على مستوى الاتحاد الأوروبي، والمرتبة السادسة عشرة على مستوى العالم، بعد اجتياز أزمتها الاقتصادية الداخلية في 2001م والأزمة العالمية في 2008م وبرغم عدم امتلاكها أي موارد للطاقة ارتفع دخل المواطن التركي من 3300 $ إلى 10000 $ دولار أمريكي سنويًّا.
أما الصعود السياسي فيكفيها أنها حقَّقت جوهر الديمقراطية بتداول السلطة بإرادة شعبية عالية التصويت والشفافية، واستطاعت تحييد المؤسسة العسكرية التي تُعتبر ثامن أكبر جيش عالمي، وثاني أقوى جيوش الناتو بعد أمريكا، بجانب نجاحها في الدخول في شراكة إستراتيجية طويلة المدى مع الإرادة الخارجية المتمثلة في الغرب وأمريكا منذ أصبحت عضوًا في حلف شمال الأطلسي "الناتو" بعد الحرب العالمية الثانية، واستطاعت أن تمارس دبلوماسية لم نعتدها من قبل في العمل على تصفير معظم المشاكل الداخلية والخارجية كسبت منها تعاطف وإعجاب الرأي العام العربي والعالمي معًا.
وبالنظر لموقع تركيا الجغرافي الإستراتيجي نجد أنها بوابة أوروبا إلى الشرق الأوسط "العرب والكيان الصهيوني" والبلقان والقوقاز، كما أنها مفتاح التعاطي مع ملف الأكراد المنتشر في رقعة جغرافية تشمل العراق.
هنا نأتي للضلع الثالث المهم في التوازن السياسي للشرق الأوسط مصرنا العربية الإسلامية السنّية بما لها من موقع جغرافي إستراتيجي يتوسط العرب، ويطلُّ على أهم بحرين ونهر، وتحيط بأسوأ عدو صهيوني لمنطقة الشرق الأوسط، وبها شعب خاض الكثير من الحروب على مرِّ التاريخ القديم والحديث من أجل حرِّيته وحرية الشعوب المجاورة؛ حتى ينشر السلام والاستقرار في المنطقة، ويحافظ على معتقداته ومقدساته.
فقوة مصر السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية تعني التوازن الإستراتيجي للشرق الأوسط في كل المجالات، وتمنع التدخلات المريبة، ومحاولات الهيمنة الحضارية الغربية، وتحل أغلب الملفات الشائكة في المنطقة.
وهذا يفرض على مصر داخليًّا أن تملك مقومات القوة الذاتية، وتحافظ عليها والتي تتجلى في النهوض سياسيًّا بإلغاء قانون الطوارئ الجاثم على شعبها منذ ثلاثين عامًا، وحرية تكوين الأحزاب، وإدماج كل التيارات في العملية الديمقراطية، وشفافية الانتخابات ونزاهتها التي تسمح بتداول السلطة، وهذه هي المطالب الوطنية للتغيير التي تشكل في مجموعها القوة في كل المجالات التي تمكنها من النظرة الموضوعية للعلمانية، وإمكانية قيام دولة مصرية مدنية قوية ذات مرجعية إسلامية.
ما سبق يُلزم مصر أن تتحرك خارجيًّا في عدة محاور، وعلى كل المستويات ومنها:
- ضرورة إحداث حِراك سياسي في تجديد آليات العمل العربي المشترك، والدفع بتوافق عربي إسلامي يقوم على النظرة الجماعية "المشاركة الجماعية"، وليس النظرة الأحادية حول الملفات الساخنة كالقضية الفلسطينية مثلاً التي تُشكل محور الصراع لكل الأطراف في الشرق الأوسط، إذ كيف تُحفظ الكرامة العربية وتُصان المقدسات الإسلامية والمسيحية، ويُدحر الاحتلال دون اعتبار المقاومة المسلحة ومن يتبناها خيارًا إستراتيجيًّا موازيًا لخيار السلام في المنطقة؛ حتى تقوم دولة فلسطين.
أما إحجام مصر عن هذا المحور فهو ما يغري دولاً عدة، ومنها إيران وتركيا للعب دور سياسي، يبدو متناقضًا أو تدخلاً رغم إمكانية استثماره لصالح المسألة الفلسطينية التي تعتبر قضية عربية إسلامية عالمية إنسانية، تُجمع عليها كل الاتفاقيات الدولية، فلا يصح أن ينفرد بها فريق دون آخر، خصوصًا الموقف الإيراني الثابت تجاه إنهاء الاحتلال الصهيوني وإقامة الدولة الفلسطينية.
- ضرورة الاتفاق على أن تكون منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، وعلى رأسها السلاح النووي، أو إحداث توازن نووي، فلا يُعقل أن يمتلك عدو المنطقة الصهيوني السلاح النووي ولا تمتلكه أي دولة أخرى في المنطقة، وهذا يفرض إستراتيجية ضاغطة تدعّم الملف النووي الإيراني، بل وتدعّم قيام دول أخرى سنّية بامتلاكه أو التخلص من الملف النووي الإسرائيلي الذي يهدِّد المنطقة بأكملها.
- ضرورة تبني خطاب سياسي ذكي يُجّمِع ولا يفرّق، فلا يمكن السكوت أمام التأجيج المذهبي بين السنة والشيعة عن طريق اللعب بالورقتين المتمثلة في الشيعة "إيران والعراق ولبنان"، والسنة "مصر والسعودية والأردن"، وتكون الشيعة هي الحليف البديل للغرب في المنطقة على حساب السنة، وهما أصحاب دين واحد في منطقة جغرافية واحدة ومصالحهم مشتركة.
ولا يعقل أبدًا أن تبقى المخاوف، ويظل التوتر في العلاقات المصرية الإيرانية بسبب استضافة مصر لشاه إيران السابق بعد الثورة الإيرانية، أو لعلاقة مصر بالكيان الصهيوني عبر اتفاقية "كامب ديفيد"، أو حتى لتسمية شارع في إيران باسم خالد الإسلامبولي قاتل الرئيس السادات، رغم مرور ثلاثة عقود على ما سبق.
- ضرورة ممارسة مصر حقوقها ووضعها السياسي؛ بحيث تكون فاعلاً رئيسيًّا في مجمل التفاعلات الإقليمية والدولية يمنع أي تمدد إيراني أو تركي في الفضاء العربي يعقد حل القضايا العربية كالأقليات الشيعية والكردية أو المياه والطاقة والغذاء، أو على حساب تقارب المجتمعات العربية والإسلامية، كما يجعل العلاقات التركية الإيرانية إيجابية ومتوازنة مع الرؤية المصرية الإستراتيجية لصالح المنطقة ككل وليس ضدها.
- ضرورة مبادرة مصر اتخاذ موقف موحد من جميع الأطراف تجاه وحدة العراق "سنة وشيعة وأكراد"، وتحقيق سيادته واستقلاله، وكذلك أمن الخليج العربي.
فلنعلم جميعًا أنه إذا لم يجمع الدول الثلاث مشروعًا واحدًا "سياسيًّا اقتصاديًّا عسكريًّا" يقوم على قاعدة المصالح المشتركة بحيث يراعي الهويات الثقافية، ويحترم الدين ويعلي قيمه، ويمنع أي خلل في هيكلة التوازن الإقليمي الإستراتيجي، بجانب الوقوف متحدين أمام ما يهدد المنطقة بأكملها ويقوض السلام والاستقرار فيها، ويعمل على منع أي دولة من أن تكون غطاءً باسم العولمة وهيمنة الحضارة الغربية؛ فالبديل هو التفرق وجذب أحدهم تلو الآخر نحو مشاريع أخرى لحساب دول ذات مطامع في نهب وسلب ثروات وثقافات المنطقة.
ولا يغيب عنّا مشروع النظام العالمي الجديد الذي آذن بميلاده الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي بدأ العمل فيه بقوة بعد احتلال العراق لإعادة رسم الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط كمشروع مصغّر للنظام العالمي الجديد الذي من أبرز معالمه الهيمنة الكاملة على ثروات وثقافات المنطقة بجانب الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، مقابل شكل جذاب ومغرٍ وخادع للديمقراطية الأمريكية في العالم الثالث كالتي نراها في العراق، أو الوصول لحالة الفوضى الخلاقة، وما تعنيه من "قبول للحضارة الغربية، وذوبان في العولمة الغربية؛ تفكك أوصال مجتمعاتنا دونما تحلل وتغيِّب الانتماء له دونما فقدانه"، يعنى ديمقراطية تفصيل على مقاس منطقة الشرق الأوسط مقابل النفط وأمن "إسرائيل".
----------------