"إن اعتماد الحساب الختامي على صورته التي قُدِّم بها للمجلس هو تقنين للفساد، وفيه شبهة مشاركة مجلس الشعب في جريمة إهدار المال العام، وفيه شبهة تستر المجلس على فساد الوزراء والمسئولين ونهبهم للمال العام".

 

بهذه الكلمات أنهيت تعقيبي على تقرير لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب عن الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2008/2009م، وتحدثت فيها عما يمكن تسميته أكبر جريمة نهب للمال العام في تاريخ مصر بل في تاريخ البشرية، لماذا؟.

 

لأن من مبادئ إعداد الموازنات في العالم كله مبدأ الشمول, أي أن موازنة الدولة يجب أن تشتمل على كلِّ الإيرادات العامة وكل النفقات العامة, لكن هذا المبدأ مهدر ولا وجود له في الموازنة المصرية؛ لأن أموال الصناديق والحسابات الخاصة لا تدخل ضمن الموازنة.

 

ولكي نعرف حجم هذه الجريمة التي تُرتكب في حق هذا الشعب منذ عشرات السنين لا بد من المقارنة بين حجم الموازنة العامة، وحجم الأموال في الصناديق والحسابات الخاصة التي أجاز القانون رقم 53 لسنة 1973م بشأن الموازنة العامة إنشاءها في ضوء اعتبارات معينة، وفي الأحوال الضرورية لتحقيق أهداف محددة.

 

لقد بلغ إجمالي الإنفاق في موازنة عام 2008/2009م مبلغ 375 مليار جنيه، شاملاً الأجور، وشراء السلع، والخدمات، وفوائد الدين العام والدعم، والمصروفات الأخرى والاستثمارات العامة، وبلغت الإيرادات 285 مليار جنيه شاملة الضرائب، والجمارك، والمنح، وعائد الهيئات الاقتصادية مثل: قناة السويس، وهيئة البترول، والإيرادات الأخرى, كما بلغ العجز في الموازنة 90 مليار جنيه, ووصل حجم الدين العام الداخلي في 30/6/2009م مبلغ 761 مليار جنيه, وبلغت فوائده في موازنة العام الحالي مبلغ 72 مليار جنيه, بينما بلغت جملة أرصدة الحسابات الجارية الخاصة في نفس العام مبلغ 1272 مليار جنيه! (تريليون و272 مليار جنيه!).

 

هذا المبلغ يفوق إجمالي الناتج المحلي الإجمالي ويساوى 446% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة, كما يساوى 14 ضعف عجز الموازنة، هذا المبلغ لا يدخل ضمن الموازنة وهو من التفاهة في نظر لجنة الخطة والموازنة بحيث لا يرد له أي ذكر في تقريرها المعروض على مجلس الشعب عن الحساب الختامي الذي يتبارى نواب الحزب الوطني في الإشادة به.

 

لك أن تتساءل: أين تذهب أموال هذه الصناديق والحسابات التي يزيد عددها عن عشرة آلاف ولا يعرف الجهاز المركزي للمحاسبات عددها على وجه الدقة؟, وبلغ حجم ما أمكن حصره من مخالفات بها في عام واحد مبلغ 3995 مليون جنيه (4 مليارات جنيه)!. لقد أُنفق جانب كبير منها كما ورد في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات في نشر وإعلان تهاني وتعازي ومكافآت لبعض العاملين المنتدبين من جهات أخرى (طبعًا أنتم تعرفونها) أو تجهيز قاعات ومكاتب وشراء أراضي أو تم صرف كامل حصيلة بعض الصناديق كمكافآت دون الصرف على باقي أغراض الصندوق, كما أن بعض المسئولين الماليين قد احتفظوا ببعض المبالغ دون توريدها, وعدم الاستفادة من التبرعات المحصلة أو الأموال المتاحة ببعض الصناديق في تحقيق الأغراض المنشأة من أجلها.

 

ويعطي الجهاز في تقريره أكثر من ثلاثين مثالاً لهذا الإهدار المتعمد والنهب الواضح للمال العام منها:

- صندوق حصيلة تراخيص إنشاء مصانع الحديد والإسمنت:

تم منح نسبة 1% من حصيلة حسابي الحديد والإسمنت للعاملين بالهيئة العامة للتنمية الصناعية التي بلغت نحو 10.28 مليون جنيه، وصرفها كمكافآت بالمخالفة لأحكام المادتين 209 ، 224 من اللائحة التنفيذية لقانون الموازنة العامة للدولة!.

 

- صندوق تحسين الخدمة، ودعم البحوث المشتركة بديوان عام وزارة الصحة:

عدم ممارسة الصندوق للأنشطة المنشأ من أجلها، وعدم تحقيق الأهداف المرجوة منه، وصرف مكافآت للعاملين ومرتبات للاستشاريين بنسبة 99.9% من المنصرف من هذا الحساب التي تعد من صميم عملهم ويتقاضون عنها رواتب وجهود وحوافز بالمخالفة لأحكام القرار الجمهوري رقم 96 لسنة 1978م بلغ ما أمكن حصره منها 23.5 مليون جنيه!. هذا هو تحسين الخدمة في ديوان عام وزارة الصحة- هل عرفتم لماذا تدخلون المستشفيات الحكومية ولا تجدون خدمات؟.

 

- صندوق إنشاء وصيانة الطرق بالأمانة العامة للتنمية المحلية:

صرف مبالغ 3.2 ملايين جنيه مكافآت للعاملين بديوان عام الوزارة، ومركز التنمية المحلية بالأمانة العامة بالمخالفة لأحكام القرار الجمهوري رقم 158 لسنة 1980م الذي يقضي بأن تخصص هذه الحصيلة للصرف على مشروع إنشاء وصيانة الطرق العامة!.

 

هل عرفتم لماذا تترك الدولة الآلاف يموتون على الطرق؟ ولماذا يستمر نزيف الدماء على الأسفلت؟.

 

قلت في كلمتي بمجلس الشعب: حينما كنا نتهم الوزراء والمسئولين في الحكومة بأنهم يحصلون على ملايين الجنيهات شهريًّا وتتساءل الحكومة من أين؟ نقول لهم الآن: من هنا من هذه الصناديق والحسابات التي تتعمد الحكومة وجودها خارج الموازنة لتبقي بابًا خلفيًّا ضمن أبواب النهب المنظم والمتعمد لثروات وأموال هذا الشعب وهذا الوطن، ووجهت في نهاية الكلمة اتهامات ثلاثة لمجلس الشعب ذكرتها في بداية مقالي, ويا للعجب لم يرد أحد حتى رئيس المجلس الذي اكتفى بإظهار علامات التعجب والدهشة، ثم انتقل الحديث إلى زميل آخر, بينما كان المهندس أحمد عز رئيس لجنة الخطة والموازنة متشاغل بالحديث مع نواب آخرين, ولم يطلب السيد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات التعليق على ما ذكرته بخصوص مبلغ 1272 مليار جنيه, بينما يهب للرد في كل مرة يتطرق فيها أحد النواب للحديث عن نسبة الفقر أو غيرها من الأرقام التي لا تساوي شيئًا إلى جوار هذه المصيبة الكبرى.

 

هل عرفتم أيها السادة لماذا تزوِّر الحكومة الانتخابات؟ هل عرفتم لماذا يصرِّون على البقاء في كراسي الحكم ويحاربون كل محاولة للإصلاح والتغيير؟ هل عرفتم لماذا يعتقلون الشرفاء؟ لتبقى أيديهم قابضة على ثروة هذا الوطن ويُحرم منها الملايين الذين لا يجدون الوظيفة أو المسكن أو العلاج أو التعليم أو وسيلة النقل المناسبة, ويستغلون سماح القانون بإنشاء هذه الصناديق ليستخدموها كوسيط يتم من خلاله نهب الجزء الأكبر من أموالها كحوافز ومكافآت من خلال لوائح يتم تفصيلها على مقاس المستفيدين قبل أن يدخل ما تبقى إلى خزينة الدولة، وبالطبع لا يتبقى سوى الفتات.

 

أعترف أني خُدعت طوال أربعة أعوام قضيتها في مجلس الشعب عندما استطاعت حكومة الحزب الوطني أن تشغلنا بمناقشة الموازنة العامة والحساب الختامي وتخفي عنا أربعة أضعافها في الصناديق والحسابات الخاصة- جدًا- وأقترح أن يتحول مجلس الشعب والجهاز المركزي للمحاسبات من الاهتمام بالموازنة العامة إلى الاهتمام بحسابات الصناديق فهي الأولى بالرعاية!.

 

وأخيرًا: أقول: هل نستطيع سداد ديون مصر؟ نعم. من أين؟ من الصناديق الخاصة.

 

هل نستطيع زيادة الرواتب لتصل إلى المستويات العالمية؟ نعم. من أين؟ من الصناديق الخاصة.

 

هل نستطيع إصلاح التعليم والصحة والنقل والمواصلات؟ نعم. من أين؟ من الصناديق الخاصة.

 

هل نستطيع تحويل الموازنة من العجز إلى الفائض؟ نعم. من أين؟ من الصناديق الخاصة.
هذا بلاغ للشعب المصري فهل يحقق في الجريمة ويعاقب الجناة؟.

---------------------------

* عضو لجنة الخطة والموازنة وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.