في جلسة تاريخية انعقد مجلس الشعب الثلاثاء 30/3/2010م لإقرار قوانين ربط الموازنة العامة للدولة بعد أن أوضحت التقارير أن الحكومة استولت على أموال صناديق التأمينات لقطاعي الأعمال العام والخاص دون سند من قانون، وفقًا لما أوضحه الجهاز المركزي للمحاسبات، ورغم فداحة الجريمة المرتكبة إلا أن نواب الأغلبية من الحزب الوطني الحاكم لم يحركوا لها ساكنًا، وألقوا بالحماية البرلمانية على حكومتهم التي نهبت أموال أصحاب المعاشات بدلاً من تأمينها وحمايتها.
وهي أيضًا مفارقة غريبة إذ إن المعارضة كانت قد تقدَّمت باستجوابات تتهم فيها الحكومة بالاستيلاء على أموال التأمينات، وخطورة هذا الفعل على مصالح الملايين من أصحاب المعاشات والمسنين والأرامل إلا أن الحكومة نفت ذلك بشدَّة، وساندها نواب الحزب الوطني، وأسقطوا الاستجوابات، وصفَّقوا لذلك بشدة، وها هم اليوم يثبت كذب الحكومة وخداعها فكان تصرفهم الغريب بالاستمرار في التصفيق للحكومة، وحمايتها من السقوط المريع بتهم الفساد والخداع، والكذب على الشعب.
ولا أدري كيف سيقابل هؤلاء النواب أصحاب المعاشات، وهم بالملايين منتشرين في كافة أرجاء الوطن؟ وكيف سيبرر الحزب لهؤلاء موقفه المشين من أموالهم التي استولت عليها الحكومة دون سند من قانون؟
ومن غير المقبول أن الحكومة التي لا تحترم الدستور ولا القانون أن تعطي أي تعهدات لأصحاب المعاشات بأنها ملتزمة بضمان المعاش.. إذ مَن الذي يستطيع أن يلزم الحكومة الدستور أم القانون؟
واستمرارًا لجرائم المجلس في ذات الجلسة تبين أن الحكومة أدرجت مبالغ وهمية غير حقيقية في الموازنة العامة بالمخالفة للقانون الذي أوجب أن تشتمل الموازنة على الاستخدامات والموارد الفعلية وليست الإكتوارية أو المفترضة، وبالتالي يصبح إدراج مبلغ 24.3 مليار جنيه من فائض الحساب الإكتواري لصناديق المعاشات للموازنة هو مخالفة صريحة للقانون، وتلاعب خطير بالموازنة العامة للدولة، يجمِّل من عجزها بمقدار 25% تقريبًا؛ ما يدخل في مجال التزوير والخداع المخَالِفَين للقانون؛ حيث قدَّمت الحكومة موازنة وهمية لمجلس الشعب المنوط به الرقابة المالية عليها إلا أن أغلبية المجلس تواطأت مع الحكومة لإخراجها من هذه الورطة أو الفضيحة غير المسبوقة بأي حال، ووافقت على ربط الموازنة، وإبراء ذمة الحكومة من أي اتهام بالتلاعب، أو سرقة أموال التأمينات وخلافه.
إذا حدث هذا في جمعية عمومية لشركة، أو نقابة ما لتحتم تقديم مجلس إدارة الشركة، أو النقابة للنيابة بتهمة الغش والتدليس والتزوير والاستيلاء على المال العام، فما بالنا وأن الحكومة هي التي تفعل هذه الجرائم بالاشتراك مع أغلبيتها في مجلس الشعب؟!!
لقد قُدِّم الدكتور أيمن نور للمحاكمة بتهمة تزوير توكيل واستخدامه فحكمت عليه بخمس سنوات سجنًا، فكيف بمن زوَّر ميزانية دولة كاملة، وسرق أموال أصحاب التأمين والمعاشات بالخلاف للقانون، وسن قانونًا معتمدًا على أغلبيته بالبرلمان ليبرأ ذمة المتهمين؟!
لقد حاولت لجنة الخطة والموازنة ورئيسها الفهامة أن يتجمل بتقرير تكميلي في محاولة لتبرير جريمة لجنته في حقِّ الشعب، وعدم قيامه بواجبه الوطني في حماية أموال الشعب من النهب والضياع، والقبول بموازنة سليمة تقوم على أُسس محاسبية محترمة، وتلتزم بما ألزمها به القانون.
وكان أن تصاعد المشهد حتى وصل إلى ذروته حين منع رئيس المجلس أي معارض من الحديث رغم فداحة موافقة المجلس على هذه المخالفات القانونية لعلمه بأن أي نائب معارض سيفضح المخالفات المشينة التي تُرتكب في حقِّ الشعب، ولم يلتزم بما تلزمه به اللائحة، أو حتى الدستور، ضاربًا بهما عرض الحائط، بل حاول أن يوحي للسامعين ويثبت بالمضبطة أن المعارضة لا تحترم اللائحة ولا تعرف كيف تستخدم الدستور، وهذا بالطبع على غير الحقيقة، بل هي محاولة فاشلة منه في تبرئة نفسه، وهو أستاذ القانون من أن يتحمل نتائج هذا العبث وهذه المخالفات التي يقوم بها المجلس بالمخالفة للائحة، وعدم احترام الدستور.
وأحب في هذا المجال أن أُذكِّر بما ورد في وثيقة إعلان الدستور: "إن سيادة القانون ليست ضمانًا مطلوبًا لحرية الفرد فحسب، لكنها الأساس الوحيد لمشروعية السلطة في ذات الوقت".
وجاء بالوثيقة أيضًا "نحن جماهير شعب مصر تصميمًا ويقينًا وإيمانًا وإدراكًا بكل مسئوليَّاتنا الوطنية والقومية والدولية، وعرفانًا بحق الله ورسالاته، وبحق الوطن والأمة، وبحق المبدأ والمسئولية الإنسانية، وباسم الله وبعون الله نعلن أننا نقبل ونمنح لأنفسنا هذا الدستور, مؤكدين عزمنا على الدفاع عنه، وعلى حمايته، وعلى تأكيد احترامه".
وأعتقد أن هذا الإعلان فيه ما يوحي بالكثير.