لا يضير الدكتور حارث الضاري، وهو الأستاذ الجامعي، والباحث الأكاديمي المعروف، والمسئول الإعلامي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق، أن يدرج اسمه في لائحة المتهمين "بالإرهاب" من قبل دوائر أمريكية، ومتعاونين معها في العراق، فمثل هذه اللوائح باتت سجلات شرف وأوسمة عزٍّ تُعلَّق على صدور العديد من أحرار الأمة والعالم الذين يتصدون للاحتلال، ويسعون إلى تحرير أوطانهم، واستقلالها.
ولو كان للوائح الإرهاب الأمريكية مفعولٌ رجعيٌ، لوجدنا على رأسها أسماء جورج واشنطن، وشارل ديجول، وسيمون بوليفار، والمهاتما غاندي، وهوشيه منه، وماوتسي تونغ، وجوزف بروز تيتو، ناهيك عن نيلسون مانديلا الذي أمضى عقودًا في سجون التمييز العنصري (الأبارتايد)، وجمال عبد الناصر، وأحمد بن بله، وعبد الكريم الخطابي، وعمر المختار، وسيكوتوري، ومويبو كيتا، وباتريس لومومبا، وغيرهم، وغيرهم من رموز التحرر الوطني والقومي في بلادهم، وعلى المستوى العالمي.
والذين يعرفون خارطة العلاقات السياسية في العراق من داخله، لا سيما أهل الأنبار، وبغداد، والموصل، وصلاح الدين يسخرون من أعماقهم حين يسمعون بأن الدكتور مثنى الضاري متهم بتمويل "القاعدة"، وهو التنظيم المتهم بتورط بعض قادته، وأفراده باغتيال عدد من علماء الهيئة التي يتحدث باسمها الضاري، وكذلك بقتل عدد من أبناء عمومته.
لكن اللافت في هذا القرار الجائر هو توقيته المريب، والمتزامن مع جملة تطورات، وكأنه أتى كرسالة بعدة اتجاهات.
فلا يمكن أولاً فصل توقيت القرار عن موعد الإعلان عن نتائج الانتخابات العراقية، والتي حاول الكثيرون تصويرها بأنها قد فتحت الطريق أمام مرحلة جديدة في حياة العراق، والعراقيين، وتتسم بالمشاركة الشعبية الواسعة، والمصالحة الوطنية الشاملة، وكأن الذي يقفون وراء هذا القرار في واشنطن، وبغداد يودُّون إبلاغ العراقيين وغيرهم من "المتفائلين" بهذه الانتخابات بأن لا شيء قد تغيّر، وأن القرار بإبقاء العراق غارقًا في أتون الاحتلال الخارجي، والاحتراب الداخلي، والعنف الدموي ما زال قائمًا.
كما لا يمكن طبعًا فصل هذا التوقيت المريب عما تشهده العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية من مظاهر "توتر" لفظي، لا سيما مع تصاعد تحميل الكيان الصهيوني وسياسته مسئولية الإضرار بالمصالح الأمريكية والأمن القومي الأمريكي، انطلاقًا مما يجري في العراق، وأفغانستان كما ورد في تقارير البنتاجون نفسه، وشهادة قائد المنطقة المركزية الوسطى للقوات الأمريكية الجنرال بترايوس أمام لجنة الدفاع، والأمن في الكونجرس الأمريكي، وكأن من يقف وراء هذا القرار يسعى إلى المزيد من توريط الإدارة الأمريكية في "المستنقع" العراقي، وأن يُظهر إدارة أوباما التي تتحدث عن تصميمها على سحب قواتها من العراق بأنَّها إدارة غير صادقة، أو إدارة حريصة على إبقاء العراق أسير الفتنة الداخلية، وسياسات الإقصاء والإبعاد والتهميش.
وتوقيت هذا القرار جاء متزامنًا مع انعقاد القمة العربية في ليبيا، وما أحاط بهذا الانعقاد، وأجواء التحضير له من اعتراضات "حكومية" عراقية على استقبال الزعيم الليبي معمر القذافي لوفد يمثّل شخصيات عراقية مناهضة للاحتلال، ومن بينها الناطق الرسمي باسم هيئة العلماء المسلمين الدكتور بشار الفيضي. فهل القرار هو رسالة تحذير وتأنيب إلى القمة، وإلى كل جهة عربية تحاول أن تتوازن في نظرتها لما يجري في العراق، وترفض إدارة ظهرها لقوى وشخصيات فاعلة ومناهضة للاحتلال؟.
ومما يجدر الانتباه إليه هو تزامن صدور هذا القرار الظالم مع تصاعد الحملة الشعبية الأمريكية والعالمية والتي برزت أيضًا قبل أيام من خلال مسيرات رفض الحرب والاحتلال في العراق وأفغانستان، والتي انطلقت في واشنطن، ولوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو بمبادرة من تحالف Answer والعديد من المنظمات المعادية للحرب والاحتلال في أمريكا في الذكرى السابعة لغزو العراق، كما يمكن ربط هذا القرار مع حملة عالمية بدأت تتسع أصداؤها بالدعوة إلى محاكمة مجرمي الحرب في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وهي حملة عبّرت عنها عدة محاكمات شعبية في أنحاء مختلفة من العالم، كان أبرزها المحاكمة الشهيرة في مقرِّ اتحاد المحامين العرب في القاهرة قبل سنوات، والتي ترأسها رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، وأشرف على تنظيمها المحامي المغربي البارز خالد السفياني (أمين عام المؤتمر القومي العربي السابق)، والمحامي المصري المعروف عبد العظيم المغربي (نائب أمين عام اتحاد المحامين العرب)، كما عبَّر عنها مؤتمر "تجريم الحرب" الذي انعقد في كوالالمبور في ماليزيا قبل أشهر، وبدعوة من مهاتير محمد نفسه.
ومن مظاهر تصاعد هذه الحملة لمحاكمة مجرمي الحرب على العراق هو تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق مع بلير في لندن، كما أعمال الإجماع التحضيري لقادة المؤتمرات والاتحادات والمنظمات الأهلية والقانونية العربية والإسلامية والعالمية، والذي سينعقد في بيروت الشهر القادم (نيسان/ أبريل) لإطلاق حملة قانونية عالمية لمحاكمة مجرمي الحرب، والاحتلال في العراق ممن تسببت سياساتهم في الحصار والعدوان والتدمير والتعذيب إلى استشهاد أكثر من مليوني عراقي (معظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء)، وتكريسًا لمبدأ عدم إفلات مجرمي الحروب من العقاب كي لا يكررون هم أو غيرهم جرائمهم، وحروبهم.
فهل اتهام مثنى حارث الضاري، وفي هذا الوقت بالذات، يأتي في سياق قطع الطريق أمام تلك الحملة التي تشارك هيئة العلماء المسلمين مع العديد من أحرار العراق والأمة والعالم في التحضير لها؟.
أم يأتي في سياق الضغط على الهيئة، وغيرها من قوى العراق الفاعلة لكي تلتحق بما يسمى "بالعملية السياسية" التي هندسها المحتل قبل سنوات لتتحول ساحة لإثارة العصبيات والصراعات، وتنظيم المحاصصة العرقية والطائفية والمذهبية، وتقسيم العراق وسلب موارده، بل إلى قفص تسجن خلف قضبانه إرادة العراقيين في مقاومة المحتل، واستعادة حرية وطنهم ووحدته وعروبته؟.
إن اتهام مثنى حارث الضاري أو غيره "بالإرهاب" على خلفية دعمهم المقاومة ليس إلا محاولة جديدة لإنعاش ما بات معروفًا "بأكذوبة القرن" القائمة على الربط بين المقاومة (وهي حق مكرسٌ في كل شرائع السماء ومواثيق الأرض)، وبين الإرهاب (وهو شر مطلق ينبغي مقاومته بكل السبل، لا سيما وقد بات واضحًا أنه صناعة استعمارية صهيونية نرى منتجاتها كل يوم في جرائم، ومجازر يومية تشهدها فلسطين والعراق ولبنان وصولاً إلى الصومال وباكستان وأفغانستان)، وبالتالي فإن رفض هذا القرار، وإدانته والتنديد بأصحابه هو أقل ما يمكن أن يقوم به أحرار العراق والأمة والعالم ممن يحترمون أنفسهم وشعوبهم ويرفضون هذه الألاعيب الاستعمارية- الصهيونية القديمة- الجديدة.