تتعرض المجتمعات العربية والإسلامية لعدة عوامل ضاغطة عليها، تؤدي إلى تفكك المجتمعات وتحولها إلى فئات متنازعة، فمعظم تلك المجتمعات تقع تحت ضغوط النخب الحاكمة من جانب، وضغوط الهيمنة الغربية من جانب آخر؛ مما يؤدي إلى تفكك الوحدة الثقافية لها، فتحدث تشققات في البنية الثقافية تؤدي إلى تفكك مكونات المجتمعات، وتحولها إلى فئات متباعدة، وربما متصارعة.

 

ثم تتحول حال المجتمع إلى مرحلة النزاع الثقافي الحاد؛ مما يجعله يفقد القدرة على التماسك، وتضيع الأسس الثقافية المشتركة المشكلة لوحدة المجتمع، فتتعرض الجماعة الوطنية لحالة من حالات التفكك العميق، الذي يضرب هويتها المشتركة، ويضرب إحساسها بذاتها الثقافية الواحدة.

 

تلك المرحلة تمثل مرحلة التفكيك العميق؛ حيث يبدأ التفكيك بالإطار الحضاري الجامع للأمة الإسلامية، ثم يتحول التفكيك إلى الإطار الثقافي الجامع لكل مجتمع من مجتمعات الأمة.

 

تلك هي الحالة الراهنة، التي تشهدها الأمة الإسلامية؛ فقد بدأت مرحلة التفكيك الحضاري في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تعمقت في النصف الثاني من القرن نفسه، ولكن مع بداية القرن الحادي والعشرين، بدأت مرحلة تفكيك الأطر الثقافية الجامعة لكل مجتمع من مجتمعات الأمة، فبعد تفكيك أوطان الأمة، بدأت مرحلة تفكيك الوطن الواحد.

 

وتتداخل العوامل المؤدية لتفكيك الأوطان، فالنخب الحاكمة تهدف إلى تأمين بقائها في السلطة، أيًّا كانت نتائج ذلك على المجتمع، والقوى الغربية تهدف إلى تأمين هيمنتها على العالم، أيًّا كانت النتائج أيضًا، ولكن المجتمع من داخله يستجيب لتلك العوامل استجابات مختلفة، فجزء منه يستسلم للضغوط التي يتعرض لها المجتمع، وجزء منه يرفضها، وجزء منه يعزل نفسه عن الأوضاع الراهنة كلية، ومع تنوع استجابات المجتمع، واختلاف مواقف فئاته وشرائحه، تتعمق حالة الانقسام داخل المجتمع، وتبتعد المسافات بين الفئات والشرائح المكونة له.

 

والمحصلة النهائية لتلك الحالة، هي مجتمعات مفككة، تفقد وحدتها الثقافية، ثم تدخل في مرحلة الاحتقان الداخلي، وتتصدع العلاقات الداخلية، وتبدأ بعدها مرحلة النزاع الداخلي؛ حيث يتحول المجتمع إلى مرحلة الحرب الأهلية الثقافية، والتي قد تؤدي أحيانًا إلى حرب أهلية عنيفة، أو إلى أحداث عنف متفرقة.

 

وتلك الحالة تساعد النخب الحاكمة على البقاء في السلطة؛ لأنها تحكم مجتمعًا مفككًا، كما تساعد القوى الغربية على فرض هيمنتها على النخب الحاكمة؛ لأنها نخب معزولة عن المجتمع، وليس لها سند شعبي، وفي الوقت نفسه تساهم تلك الحالة في توسيع هيمنة العولمة الغربية على المجتمعات، لتصبح الإطار الثقافي الطاغي على العالم.

 

الاستبداد وتفكيك المجتمع

هيمنة النخب الحاكمة على الحكم وتأمين بقائها فيه، يؤدي إلى إضعاف المجتمع؛ فالمجتمع القوي يمكنه أن يفرض رؤيته السياسية، ويفرض مرجعيته الحضارية، ويمارس ضغطًا شعبيًّا حتى يتمكن من اختيار حكامه وممثليه، ولكن المجتمع الضعيف لا يمكنه الوقوف أمام السلطة المستبدة، والتي تحتمي بالدولة، وتحتمي بسلاح الدولة؛ لذا عملت النخب الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية على إضعاف المجتمعات بدرجات مختلفة، وفي النظم الجمهورية نجد أكبر درجة من التعدي على المجتمع وإضعافه.

 

والمجتمع الضعيف يتعرض للتفكك، ولكن النخب الحاكمة لم تهتم بتلك المشكلة، بل وظَّفتها، فظلت النخب الحاكمة تميل لطرف في مواجهة آخر، وتضرب طرفًا بآخر، وتقدم نفسها بوصفها القوى الوحيدة القادرة على حكم المجتمع المفكك، وكأنها تمثل القوة التي تمنع الحرب الأهلية، رغم أنها تقوم بتعميق حالة الانقسام داخل المجتمع.

 

والنخب الحاكمة تمارس سياسات من شأنها تعميق الخلاف بين تيارات المجتمع، وتعميق حالة التناقض الداخلي؛ لذا نجد دعمًا من النخب الحاكمة للاتجاهات المتحررة والمتغربة، مما يؤدي إلى توسيع هامش العولمة الغربية، وتعميق حالة التغريب.

 

ويُفهم من هذا أن النخب الحاكمة تستفيد من العولمة الغربية، وهيمنة الحضارة الغربية؛ حيث إنها توفر غطاءً لتحالف النخب الحاكمة مع الغرب، فخضوع المجتمع تدريجيًّا للهيمنة الحضارية الغربية يبرر خضوع النخب الحاكمة للقوى الغربية، ولكن النخب الحاكمة تواجه تيار الصحوة الإسلامية، والذي يحاول الرد على الهيمنة الغربية، واستعادة الهوية الحضارية الجامعة.

 

وإذا تتبعنا سياسة النخب الحاكمة تجاه تيار الصحوة الإسلامية، سنجد أنها تعمد إلى شق صف هذا التيار، وتعميق الخلاف داخل تياراته الفرعية، والنخب الحاكمة تحاول استمالة القوى الإسلامية غير السياسية في مواجهة القوى السياسية، وتحاول ضرب الاعتدال بالتشدد، وتتحالف مع أي فريق من التيار الإسلامي مؤقتًا، إذا وجدت أنه يحد من انتشار فريق آخر.

 

وفي غمرة تلك السياسة الهادفة لشق تيار الصحوة الإسلامية، نجد الحكومات تميل للتيار المتشدد الإسلامي، إذا كان لا يعمل بالسياسة، وتحاول من خلاله ضرب التيار الوسطي الذي يعمل بالسياسة، وهنا نجد مساحة الحركة للتيارات الإسلامية تضيق وتتسع حسب مصلحة النخب الحاكمة.

 

وفي لحظات نجد النخب الحاكمة توسع مساحة الحركة للتيار المتشدد الإسلامي، وفي الوقت نفسه توسع مساحة الحركة للتيار المتحرر العلماني، وتضيق مساحة الحركة على التيارات الأخرى، وتلك حالة تمثل خطرًا على المجتمع، وتؤدي إلى تشقق الوحدة الثقافية.

 

الأقطاب المتضادة

فغالب السياسة الرسمية في الدول العربية والإسلامية تؤدي إلى تعزيز الفئات المتشددة المنعزلة عن المجتمع، أو المنسحبة منه، وهي تلك الفئات التي تلجأ للحصن الديني لحماية نفسها من التقلبات الثقافية الحادثة في المجتمع، والتي تلجأ أيضًا للحصن الديني في مواجهة تمدد التغريب والعولمة الغربية.

 

ولكن السياسات الرسمية تسمح بتمدد التغريب، ثم تسمح بتمدد الاتجاهات المتشددة المنعزلة، التي تواجه التغريب بالانعزال؛ مما يؤدي إلى توسيع مساحة الفئة الخارجة عن ثقافة المجتمع، والفئة المنعزلة داخل ثقافة المجتمع، وهو ما يصنع حالة استقطاب شديد في المجتمع، حيث تظهر الأقطاب المتعارضة، وتمارس الفعل والظهور بصورة تجعل المجتمع يبدو متناقضًا ومتعارضًا، وتصبح المشكلة في حالة الانقسام الثقافي داخل المجتمع؛ مما يوفر غطاءً للمشكلة الرئيسة المتمثلة في هيمنة الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية.

 

ويتحول الصراع مع النخبة الحاكمة، وأيضًا مع القوى الغربية المهيمنة إلى صراع داخلي؛ مما يؤدي إلى تصريف طاقة الغضب، وتصريف التناقضات الاجتماعية إلى الداخل، وينشغل المجتمع بمعركة التشدد والتحرر، أي ينشغل بمعركة بين الاتجاهات الأقصى تطرفًا، والتي تعبر عن حالة خاصة، ولكنها تصبح في صدارة المشهد، وهكذا تنشغل المجتمعات بمعاركها الداخلية؛ مما يؤدي إلى تعميق حالة الانقسام الثقافي، ومن ثمَّ إضعاف المجتمع وتفكيكه.

 

ويقع المجتمع بين التيار المتشدد الذي يحمي ثقافته وحضارته واعتقاده بالانعزال عن العصر، وبين التيار المتحرر الذي يستسلم للأوضاع الراهنة، ويستسلم للهيمنة الغربية، وبين منْ يرفض الهيمنة الغربية وكل ما تأتي به، وينعزل لحماية نفسه، ومنْ يستسلم لتك الهيمنة، تضيع فرصة التعامل مع الواقع لتغييره؛ مما يعضد من بقاء الأوضاع الراهنة، واستمرار الهيمنة الغربية على المجتمعات، وأيضًا على النخب الحاكمة؛ لتصبح النخب الحاكمة هي الحامية لحالة الهيمنة الغربية، مقابل تأمين بقائها في السلطة، ولكن المجتمعات تظل تعاني من حالة التشقق الداخلي، والذي يتعمق مع مرور الوقت.

 

ضرب الاعتدال والإصلاح

أهم مشكلة تواجه النخب الحاكمة وكذلك القوى الغربية المهيمنة، تتمثل في الاتجاهات المعتدلة الإصلاحية، والتي تحمل مشروعًا للتغيير السلمي المتدرج، والتي تقيم مشروعها على استعادة المرجعية الحضارية الإسلامية؛ لأن تلك الاتجاهات ترفض الواقع وتريد إصلاحه، ولكنها تحاول البعد عن التطرف والعنف، كما تبتعد عن الاستسلام لذلك الواقع.

 

فبين الاستسلام لواقع الهيمنة الغربية، وبين الرفض الكامل للعصر، تقع مساحة مهمة لمحاولة إصلاح الأوضاع القائمة من داخلها، وفي تلك المساحة تظهر الحاجة لاستعادة الهوية الحضارية دون تشدد، ورفض الهيمنة الحضارية الغربية دون رفض منتجات العصر وعلومه ومعارفه، ورفض الأوضاع السياسية القائمة دون الخروج عليها أو الانعزال عنها.

 

وتلك المساحة، وهي مساحة الفعل الإصلاحي الحضاري، تمثل تهديدًا لبقاء النخب الحاكمة، وتهديدًا للهيمنة الغربية؛ لذا نجد أن السياسات الحكومية تحاصر تلك المساحة، كما أن السياسات الغربية تحاصر تلك المساحة أيضًا، حتى تنحصر مساحة الاختيار في القبول بالهيمنة الغربية، أو الانعزال عن الحياة.

 

وليست القضية تخص محاولة ضرب تيار إسلامي بعينه، وإن كان هذا هدفًا لها، ولكن القضية تخص ضرب المساحة التي يمكن أن تتشكل فيها محاولة استعادة الوحدة الثقافية للمجتمعات؛ لأن ذلك سوف يؤدي إلى استعادة الوحدة الحضارية للأمة. نقصد من هذا، أن التيار المتشدد الذي يركز على التحصين الديني، يعزل نفسه عن المجتمع ويرفض كل أحواله، والتيار المتحرر يعمل على إلحاق المجتمع بالهيمنة الغربية؛ لذا يظل المجتمع مفككًا، ويعاني من التشقق الثقافي، وعليه يصبح ضرب التيار الوسطي الإسلامي جزءًا من منع أي محاولات لتجميع المجتمع مرة أخرى، واستعادة الوحدة الثقافية له، فاستعادة المجتمع لوحدته الثقافية والحضارية يمثل خطرًا على القوى الحاكمة والقوى الغربية، وتلك هي المشكلة، فبقاء النخب الحاكمة رهن باستمرار حالة تفكك المجتمعات، وبقاء الهيمنة الغربية رهن أيضًا ببقاء تفكك المجتمعات.

 

تفكيك دون تمزيق

لكن بقاء النخب الحاكمة يمكن أن يتهدد إذا دخل المجتمع في صراع عنيف، أو حرب أهلية، كما أن تأمين المصالح الغربية أيضًا يحتاج لقدر من الاستقرار داخل المجتمعات، يمنع حدوث اضطرابات واسعة، وتلك هي حالة التناقض؛ فالسياسة الرسمية والسياسة الغربية تدفع المجتمعات العربية والإسلامية إلى حالة الحرب الأهلية، سواء الثقافية أو العنيفة، وفي الوقت نفسه فإن الدول الغربية والنخب الحاكمة المتحالفة معها، تحتاج لتأمين أوضاع المجتمعات الداخلية لمنع حدوث اضطرابات واسعة.

 

ولكن السياسة المستبدة لا يمكن أن تكون مظلة لتوحيد المجتمع، كما أن التغريب لا يمكن أن يكون هوية جامعة للمجتمع؛ لذا لم تعد القوى المهيمنة داخليًّا وخارجيًّا تملك أية وسيلة لمنع الحروب الأهلية أو النزاعات الداخلية، كما أن القوى المهيمنة لا تملك أدوات لوقف النزاعات التي تصنعها والحروب الأهلية التي تفجرها، مما اتضح معه أن تحالف الهيمنة الغربية مع الاستبداد الداخلي يستطيع تفكيك المجتمعات، ولكنه لا يقدر على إعادة توحيدها، ويستطيع تفجير الحروب الأهلية، ولكنه لا يستطيع إيقافها.

 

لهذا يُلاَحظ اتباع سياسة التفكيك المحسوب، فكل السياسات الداخلية والخارجية، تحافظ على المجتمعات مفككة، وتحاول منع تفجرها، وتحاول الحفاظ على قدر من النزاع الداخلي، ومنع أو وقف الحروب الأهلية. وكأننا بصدد عملية تفكيك للمجتمعات، تراعي عدم تفجرها بشكل نهائي.

 

وربما تكون تلك هي الفوضى الخلاقة التي أرادتها الإدارة الأمريكية، فقدر من التفكك والفوضى يسمح بالسيطرة على الأوضاع، ولكن إذا تعمقت حالة الفوضى فلن يستطيع أحد السيطرة عليها، ولكن الدول الغربية وأيضًا النخب الحاكمة فشلت في تحويل حالة التفكك إلى وضع جديد يؤمِّن مصالحها، فلم ينجح أحد في تركيب المجتمع بالصورة التي يريدها، ولم ينجح أحد في إعادة تصنيع المجتمع حسب مصلحته.

 

لذا أصبح توحد المجتمع خطرًا على النخب الحاكمة والقوى الغربية، كما أن انفجار الفوضى الشاملة خطر عليهما، فأصبحت السياسات تتجه نحو الحفاظ على المجتمع مفككًا، دون أن يتحلل، ودون أن يتوحد، وكأنه في حالة ما بين الحياة والموت. وهنا ظهرت إستراتيجية الحفاظ على غيبوبة المجتمع، من خلال السماح بالجرعات اللازمة للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على البقاء من خلال الدين، والسماح بالجرعات اللازمة لمنع توحد المجتمع من خلال التحرر والتغريب، حتى يبقى المجتمع في حالة بين الانهيار الشامل والنهوض، فلا ينهار، ولا ينهض.